loading...

ثقافة و فن

محمد هنيدي في أرض النفاق.. الكوميديان يسترجع شقاوة التسعينيات

محمد هنيدي

محمد هنيدي



ملخص

يُقدّم هنيدي من خلال مسلسله "أرض النفاق" أداءً مميزًا للغاية يُعيده لحالة من أفضل حالاته بعد إخفاقات عدة سينمائية، من خلال فانتازيا ساخرة تحاول معالجة التدني العام الذي نعاصره.

أداء مميز للغاية يعود لنا به الفنان محمد هنيدي، في مسلسله "أرض النفاق"، عن رواية تحمل نفس الاسم للأديب الراحل يوسف السباعي قُدّمت عام 1949، وسبق أن قدّمها الفنان الراحل فؤاد المهندس في فيلم سينمائي عام 1968؛ وذلك بعد غياب سبعة أعوام عن الشاشة الصغيرة عاش خلالها فترة توهان فني تنوعت ما بين اختفاء غامض وظهور على استحياء دون ترك البصمة التي ينتظرها منه جمهوره العريض، الذي كوّنه الفتى الذهبي القصير منذ بزوغ نجمه نهاية تسعينيات القرن الماضي.

"أرض النفاق" تدور أحداثه حول أحد عمال الإنارة في الحي يُدعى "مسعود"، حياته بائسة كما أن دخله ضئيل، ودومًا ما يواجه خلافات مع زوجته وحماته، اللتين لم تعودا قادرتين على العيش معه، ويمتلك والده محلًا لبيع الكُسكُسّي، وفي يوم تستدرجه الحياة ليتعرف على دكتور "ماضي"، الذي يُقدّم له أخلاقًا للبيع على هيئة حبوب، فيبدأ في تناول الحبوب تباعًا، ليكتشف معها حياة جديدة، بشخصيات جديدة، وأخلاق مستعارة للبيع، وُيشارك هنيدي بطولته النجوم هنا شيحة، سامي مغاوري، دلال عبد العزيز، محمد محمود، محمد ثروت، محمود حافظ، وغيرهم، وهو سيناريو وحوار أحمد عبد الله، وإخراج محمد جمال العدل.

محمد هنيدي نال أولى بطولاته السينمائية في فيلم "صعيدي في الجامعة الأمريكية"، عام 1998، ومن بعده فيلم "همام في أمستردام" 1999، واللذين حققا نجاحات دوّنتها سجلات السينما المصرية بأحرف من ذهب، وواصل وتيرة النجاح في أفلام "بلية ودماغه العالية، جاءنا البيان التالي، صاحب صاحبه، عسكر في المعسكر، فول الصين العظيم، يا أنا يا خالتي، وش إجرام، عندليب الدقي، رمضان مبروك أبو العلمين حمودة، وأمير البحار"، تلك الأعمال الباقية في وجدان محبيه، والتي يُشكّل أغلبها علامات في كوميديا الألفية الجديدة.

قامت ثورة يناير وارتفعت أحلامنا، ثم انطفأت سريعًا، كان معنا فتأثر بالحالة الثورة وصعودنا وهبوطنا، فكما كانت أسهمه للأعلى سرعان ما بدأت في سلك اتجاه معاكس، اتجاهًا للخلف، كان يعلم أنه من الصعب أن يخطف الجمهور من ميادين الثورة إلى صالات السينمات فحاول استغلال نجاح فيلمه قبل الأخير في عمل تليفزيوني حامل لاسم "مسيو رمضان مبروك أبو العلمين حمودة" عام 2012، ثم قدّم فيلم "تيتة رهيبة"، ومن بعده فيلم "يوم مالوش لازمة" عام 2015، وأخيرًا "عنتر ابن ابن ابن ابن شداد" عام 2017، وهي الأعمال التي لم تكن على نفس القدر مما سبقها، وأطل علينا هذا العام بمسلسل "أرض النفاق" الحضور الأبرز لهنيدي منذ سنوات، على الرغم من أن العمل لم يُعرض على أي قناة مصرية في رمضان، ويُعرض بالخارج فقط بعدما قررت ON E عرضه عقب الشهر الكريم.

"هنيدي" يعود لنا في "أرض النفاق" قويًا بعد إخفاقات سينمائية، من خلال فانتازيا ساخرة، داخل رحلة من المحاكاة يتخيل خلالها شكل المجتمع الفاضل والصورة الأمثل للأخلاق الواجب توافرها عند الأفراد والمجتمعات للوصول للصورة المثالية، ويحاول معالجة التدني العام الذي وصلت له الأخلاقيات والمعاملات وتمكن الفساد مؤخرًا، في عمل جيد الصنع، يدفع إلى الضحك والتفكير في تقلب الشخصيات، يُعيد هنيدي لحالة من أفضل حالاته، ويُعطي فرصة أكبر للتنويع بين الأخلاق المختلفة، ويعالج موضوعًا جيدًا حتى لو شاهدناه في فيلم في السابق، فالرواية المأخوذ عنها العمل تصلح لهذا الزمان، بل وكأنها كُتبت لأجله.

أهم ما يُميز المسلسل أنه يُعرينّا، يُظهر لنا كم توحشنا، يعرض كل نقائص المجتمع، وكذلك يُميزه حالة "التناقض" التي تُظهرها تناوله للحبوب، فمن شخص مهدور حقه لضعفه إلى شخص شجاع قوي ينتزع حقوقه بنفسه ويفتري على الآخرين، ومن شخص يقع في أزمات بسبب التزامه الصدق في القول إلى شخص منافق، وهكذا، كل ذلك بطريقة كوميدية بديعة.. تتر العمل مميز للغاية، من غناء الفنان هشام عباس، كلمات تامر حسين، ألحان عمرو مصطفى، كلماته مناسبة تمامًا ومُفصلة تفصيلًا ملائمًا لـ"أرض النفاق"، حملت طابعًا نقديًا بطريقة لاذعة للمجتمع، ويكفي اسمها للإشارة لذلك "بلا فخر مطبلاتية"، إلا أنها تُعبر عن واقعنا.

سر واحد كان وراء اشتياقنا لـ"أرض النفاق" قبل عرضه، وترقبنا في انتظاره تمنيًا بأن يكون عملًا جيدًا، وفرحتنا بنجاحه بعدما عُرض، وهو أننا طالما أحببنا محمد هنيدي.. أحببنا "همام"، و"بلية"، و"نادر سيف الدين".. نحبه بكل شخصياته، نحب "خِضر"، و"محيي الشرقاوي"، و"تيمور"، و"الخالة نوسة"، و"طه".. نحب "فوزي عندليب الدقي" و"الأستاذ رمضان مبروك أبو العلمين حمودة".. نحب هنيدي لأنه منّا.. نشعر وكأنه نقطة ضعفنا.. نحبه رغم كل شيء.. رغم إخفاق السنوات الماضية.. نحبه طالما أضحكنا.. صمته حتى طالما أضحكنا.. ضحكة من القلب هو فقط كان لسنوات من يُخرجها منّا.. تلك الضحكة التي ستبقى شفيعًا له لدينا.. تلك الضحكة التي ستُبقينا نتمنى عودته إلى سابق عهده، نتمنى عودته ونحبه حتى وإن لم يعُد.