loading...

مقالات

مفترسات وفرائس

مفترسات وفرائس


الحياة بجميع أشكالها على كوكب الأرض فى البر، والبحر، والجو تنقسم إلى مفترسات وفرائس. هذا أمر يعرفه المتابعون لقنوات مثل ناشيونال جيوجرافيك وأنيمال بلانت وغيرهما. كما أنهم يعرفون أيضاً أن الأمر ليس بهذه البساطة، فالمفترس قد يصبح فريسة لمفترس آخر يفوقه فى الحجم أو الشراسة. حتى آكلات اللحم من السنانير، التى لا تلتهم بعضها البعض، قد يهلكها الصراع فيما بينها على الطرائد وتقسيم مناطق النفوذ. المجتمعات البشرية التى تطورت عبر آلاف السنوات تنطبق عليها هى الأخرى تلك القاعدة بمضمونها وبحذافيرها أيضاً فى بعض الأوقات.

يتجلى هذا التطبيق على مستويين: الأول هو المجتمعات بكاملها، والتى يمكن تقسيمها إلى مجتمعات مفترسة، ومجتمعات يتم افتراسها، وانظر إلى التاريخ تجد عشرات الأمثلة للتوسع الإمبراطورى الذى يؤدى إلى ضياع بلاد بأكملها كفرائس تذوب فى جوف بلاد مفترسات، ويتم هضمها إلى الأبد فى كثير من الأحيان.

فى هذا السياق لا يمكن لنا بالطبع نسيان بيت الشعر العبقرى الذى كتبه الشاعر المناضل الفلسطينى الغزاوى الراحل معين بسيسو على لسان فلسطين، وهى تنتحب فى إحدى مسرحياته قائلة: أنا فى طبق القرن العشرين.. أُوكَلُ بالشوكة والسكين. التقسيم الثانى هو تصنيف البشر أنفسهم إلى مفترسات وفرائس كأفراد داخل كل مجتمع على حدة، وكما قلنا فالأمر ليس بتلك البساطة، فكما تقتات القوارض الصغيرة على الحشرات كفرائس لها، تدور الصراعات أيضاً بين المفترسات التى تقتات على القوارض، وينتهى الأمر دائماً بطرد أقواها للآخرين لتحديد مناطق النفوذ.

هذا هو القانون الذى يحكم علاقة الصراع بين المفترسات. حضانة أطفال البشر هى أصدق تعبير للصراعات التى سوف تدور بينهم فى مستقبل الأيام. فهناك اللص المتسلل سارق السندويتشات، وهناك الفتوة الذى يحصل على الطعام طواعية كإتاوات يقدمها له الخائفون اتقاء لشراسته دون حاجة لأن يبذل أدنى جهد فى سرقتها، وهناك بالطبع من يتفننون فى دفع الأذى عن أنفسهم حتى لو أهلكهم الجوع والانطواء. لا تكن غافلاً وتظن أن الأمور تدار من خلف ظهر أبلة الحضانة، بل ربما عليك أن تفكر فى ضرورة وجودها لاكتمال اللعبة الأزلية التى لا يجب أن يتجاوز حدودها أحد.    

ربما يظن البعض أنى أكتب هذه السطور لكى أتحدث عن القانون، وعن حاجة المجتمعات البشرية إليه لتنظيم الأمور بين أفرادها. بصراحة هذه كلمات تقليدية مثالية، نتحدث عنها دائماً ولا نراها كثيراً على أرض الواقع. فالقانون يكتبه الأقوياء، ويمثل انعكاساً حقيقياً لموازين القوى بينهم وبين فرائسهم.

ربما يكون القانون الوحيد الذى يفرض نفسه فى عالم الحيوان هو ضرورة الحفاظ على استمرار الفريسة حتى لا يؤدى التهامها الجائر إلى انقراضها، أو إلى منع تكاثرها بأعداد مقبولة يتم تقديمها على موائد المفترسات فى المواسم القادمة. لكن للأسف حتى هذا القانون لم يعد ينطبق تماماً على المجتمعات البشرية المستغلة التى يستولى فيها الأقلية على فوائض قيمة الأعمال التى تقوم بها الأغلبية. فالتطور العلمى والتكنولوجى ربما يؤدى إلى نظرية الاستغناء عن العبيد الذين يشاركون أسيادهم فى استهلاك الموارد التى تتقلص عاماً بعد آخر.

الخلاص من المجتمعات المتخلفة بعزلها حتى تأكل نفسها أو تتعرض للانقراض فكرة نيتشاوية نازية لا يعنى فشلها فى الماضى أن المستقبل لا يحمل بذور نجاحها. ماذا يفعل المستعبدون إذن؟ هل يستسلمون لمصائرهم المأساوية المؤدية إلى انقراضهم؟ أجب بنفسك عن السؤال، وناقش ما تقترحه على الورق. فنجاح الرحلة لا يصنعه سوى إدراك أخطار الطريق.