loading...

ثقافة و فن

البحث عن النخبة المفقودة في زمن «المهرجانات»

كُتاب يُجيبون

كُتاب يُجيبون



ملخص

​هل ولى زمن النخب ودورها، أين ذهبت، لماذا اخفت، أسئلة كثيرة تبحث عن أجوبة من المثقفين أنفسهم، لماذا نراهم فقط عند ترشيح أحد الأسماء ليكون وزير الثقافة، أين هي أدوارهم العلاجية في المجتمع.

قبل عقود طويلة كانت النخبة هى التى تحرك المجتمع المصرى، تقوده إلى التحرر، سواء من الاستعمار أو من الأفكار الظلامية التى كانت تسيطر على بعض العقول، كان منوط بهم الإصلاح بكل أشكاله، السياسى، الثقافى، الاجتماعى، كانوا فى طليعة المجتمع، وتأثيرهم كان من خلال ما ينشرون من معارف وأفكار لتنوير وإصلاح المجتمع، فكانوا يرسلون رسائل سلوكية أكثر تأثير وأقرب إلى الاستقبال من قبل عموم الناس إيجابا وسلبا، وبدلا من أن يحافظوا على المساحات التى احتلوها، ترجع دورهم حتى الخفوت، وأصبح السؤال الملح أين ذهبت النخبة، هو السؤال الأكثر تداولا بين المثقفين وفى الندوات والمؤتمر، الكل يقدم عشرات الأسباب ويصفون مئات الروشتات العلاجية لكن للأسف، لازلنا فى انتظار عودة النخبة، ونأمل فى أن لا تتحول إلى جودو آخر ننتظر عودته فى زمن أغانى المهرجانات.

"التحرير" وجهت السؤال إلى عدد من الكتاب، فجاءت آراؤهم كالتالى.   

فى البداية يرى الناشر والكاتب فتحى المزين أن النخب الثقافية فى مصر تظهر فى شيئين فقط، الأول عند ترشيح أحد الأسماء ليكون وزير الثقافة، فيبدأ الجدل والنقاش التقليدى فقط لا غير، والشيء الثانى عند إعلان الجوائز الأدبية الهامة لمهاجمة الحاصلين عليها، ولا يوجد لها دور تنويرى اجتماعى حقيقى على أرض الواقع، ولا يوجد لها اتحاد قوى يحكمها، حالات الحب والكره  هى ما تحكمها وليست موضوعية والشللية بدأت تحكمها بشكل أو بآخر وبالتالى هى فى أسوأ حالاتها.

وأضاف: لا يوجد مشاريع ثقافية أو مبادرات أو أفكار خارجة من هذه النخب، يوجد فقط خناقات وهجوم ونقد، إما ضد الوزير أو مع الوزير أو غيره، لكن لا تجد أعمالا روائية أو مشاريع ثقافية لدعم ما يحدث فى سيناء على سبيل المثال، فالقضايا القومية للبلاد لا تجدى لها مشاريع ثقافية تطرح، نجد فقط خلافات حادة ومعارك مختلفة حول أسباب مبهمة.

 من جانبه قال الروائى أحمد الملواني: أرى أن الموضوع ملتبس ووجهة نظرى فيه قائمة على إعلاء الشعبوية أو الثقافة الشعبية، وأعتبر أن كلمة ثقافة كبيرة ومتعددة للغاية، فهناك أنواع مختلفة من الثقافات وكل مجتمع له ظروف اجتماعية واقتصادية وبيئية معينة ينتج عنها انساق من الأفكار والقيم والعادات والسلوكيات تشكل ثقافة المجتمع وتنتج كذلك فنونها وآدابها وإبداعتها الخاصة، فمثلا مجتمع الريف له أفكاره وسلوكياته وقيمه وبالتالى له فنونه وثقافته الخاصة، كما أن دخول التكاتك المناطق الشعبية كحدث اقتصادى واجتماعى أدى مع الوقت لظهور ثقافة خاصة لها فنونها، فالمهرجانات شكل من أشكال الإنتاج الأدبى لثقافة التكاتك.

وتسائل الملوانى قائلاً: هل فيه نسق محدد من الثقافة هو المثل الأعلى لابد أن نفرضه على كل الناس؟ هل يجب أن أقول لابد من تثقيف المجتمع، لقد سخرت من كلمة تثقيف المجتمع فى إحدى مقالاتى، هل أنا دورى كمثقف أن أفرض ثقافة محددة، هى بالتأكيد ثقافتى أنا، على كل أشكال المجتمعاتاإلموجودة فى بلدى على اعتبار أن هذه الثقافة اللازمة، أم أن دورى استوعب وأبحث وأتفهم أسباب نشوء وأشكال اثقافات الموجودة فى المجتمع، فأنا كمثقف ممكن استنكر وامتعض من المهرجانات وأعبر فى كل مكان عن حبى الشديد لموسيقى ولرقص التانجو، وهى جزء من ثقافة شعب مغاير هو  الشعب الارجنتينى، لكن ممكن مثقف أرجنتينى يسمع المهرجانات الناتجة عن التكاتك فينبهر بها ويعتبرها إنتاج مهم لثقافة مغايرة، والفكرة هنا أن هذه تفضيلاتى الشخصية وذائقتى، وكون أنها ذائقتى وأنا رجل مثقف فهذا ليس معناه أن أفرضها على العالم كنسق محترم وحيد للثقافة، فالمجتمع ينتتج ثقافة لكن الثقافة لا تنتج مجتمع.

وأكد قائلا: لست مؤمن أن للمثقفين أدوار علاجية، فقضية مثل الإرهاب مثلا، ماذا يفعل المثقف تجاهها، هل يكتب رواية ضد الإرهاب فيقرأها الأرهابيون ويتوبوا؟! أم ينظم ندوة عن الإرهاب فيقول الكلام النورانى العظيم الذى يقنع كل الناس فلا ينضم أحد للإرهابيين؟! أم يتكلم فى الدين الصحيح والفهم الصحيح للإسلام.. فمن يسمعه؟ هل يسمعه الإرهابيون؟ بالطبع لا لأن سيسمعه من هم مقتنعون بنفس فكره ومؤيدون له فإذن أين التغيير؟، لافتاً إلى أن الإرهاب نتاج عوامل كثيرة وأزمات سياسية واجتماعية واقتصادية، وعندما نجد لها حلا نسأل حينها أين دور المثقف. وأشار إلى أنه كنا نسمع دائماً أن فيلم أريد حلاً جعل الحكومة تعدّل فى قانون الأحوال الشخصية، فصانع الفيلم رصد الأزمة وقام بدوره، ثم جاءت الحكومة من بعده وقامت بدورها وحلت الأزمة فالفيلم هنا لم يحلها.

ويرى الكاتب والروائى أحمد جويلى أن البعض مازال يرى النخب هم الكتاب والمثقفون وأصحاب الرأى والقلم، ولكن أيضاً هؤلاء أصبحوا كثراً، وعلى الرغم من تدنى الحالة الثقافية إلا أن فى العام الواحد يخرج لنا ألف كاتب ومثقف جديد، ولكن العبرة ليست بالكم إنما بالنوعية وبالمخرجات التى يخرجونها للمجتمع، ويكاد يكون هذا الشيء معدوما، فمعظم ما يُطبع ويُنشر اليوم هدفه الترويج فقط لا الإصلاح الحقيقى للمجتمع إلا من رحم ربى.

وأشار إلى أنه قد ولى زمن النخب، وأصبحنا فى زمان تساوى فيه العالم والجاهل بنفس الدرجة والتأثير، وربما تأثير الجاهل أصبح أكثر من العالم، والأدهى والأمر أننا وصلنا لمرحلة أصبح فيها العالم يقصد تجهيل العامة، أو يرى فى جهلهم مصلحة يرتقى من خلالها فى ظل هذا الزحام الفكرى المشوش.

ولفت إلى أنه نحن بحاجة لتنوع فكرى، فبدلاً من أن نقرأ الأمور من وجهة نظر واحدة، نراها من زوايا وتحليلات فكرية مختلفة، ونختار ما ينسجم فيما بينها وما يحقق المصلحة لمجتمعاتنا، إذ أن الاستمرار فى نظرتنا القاصرة بأن نرى الأمور من زاوية أحادية ترى جميع من يخالفها هم جهلة لا يفقهون من العلم شيئاً سيعود علينا بالخراب، فالتكوين السليم لتوجيه أى أمة نحو التقدم، أن تتنوع مصادر إنتاج الفكر والأفكار وبمنظورات مختلفة ترتقى فيما بينها لتخرج لنا بنظام سلوكى فكرى يكون فيه الصلاح والسداد منهجه الإصلاح والرقى والتطور بعيداً عن أصحاب التشدد والغلو الفكرى والدينى.

قال الشاعر محمود قرني: إن النخبة عموما بعد الثورة لديها مشكلة، فالنخبة المصرية يتم تجريفها منذ أكثر من 40 عاماً، مرات بالقمع ومرات بالإفقار، وأيضا بالتجاهل وتعميم اللاقيمة، وقد لعبت الدولة قديما الدور الأكبر فى البداية فى تحطيم النخبة ثم لعبت النخبة نفسها بقية الدور.

وأضاف: كنا نأمل أن تستعيد النخبة أدوارها بعد ثورة يناير باعتبار أن قادة المستقبل لابد أن يكونوا جسد النخبة الجديدة وتجسيداتها على نفقة النخبة القديمة المتحالفة مع الفساد، غير أن ما حدث عكس ذلك تماماً، إذ ظلت النخبة القديمة فى مواقعها فى الثقافة والإعلام والمواقع المؤثرة مما علق تآكل مفهوم القيمة وقلص من دور الموهبة ومكافأتها، وها نحن نرى تراجعاً عاما لصورة النخبة المثقفة فى المشهد العام على كل المستويات، لكن ذلك يبدو بارزاً فى السياسة والفن على نحو خاص لأن هذين الجناحين كانا دائماً فى مقدمة الروافع التى تساهم فى توجيه الرأى العام وتشكيل مواقفه.

وتابع: بقى القول أن النخبة نفسها تساهم فى استمرار هذا المشهد وهذا الفصام مرة بتعاليها على الرأى العام، ومرة بادعاءاتها الكاذبة، ومرة بتحالفاتها غير المشروطة مع السلطة، الأمر الذى قلص دور الثقافة الجادة فى تشكيل المشهدين السياسى والاجتماعى بعد ثورتين كبيرتين.