loading...

مقالات

المصباح النسائي.. «14»

المصباح النسائي.. «14»


هذه أغرب وأشجع صورة للمرأة الغربية والأمريكية تحديدا، رسمها الكاتب الكبير يوسف إدريس بلا أقنعة، في رائعته (نيويورك 80).
وقد كتبها عام 1980 بعد رحلته إلى أمريكا، وأتذكر أنه حكى لي حكاية هذه المرأة، وقد انبهر بصدقها وتعريتها لنفسها، وعلى الملأ وعلنا، إلى درجة أنني -أيضا- لم أملك إلا أن أفعل مثلما فهل د.يوسف إدريس في هذه الرواية الرائعة والمروعة «نيويورك 80» وأصنع من كفي كأسا يملأ ذقني وأحدق في أبعد نقطة في الكون وأقول: «متى يا إلهي تعطي بعض الرجال شجاعة بعض البغايا؟!».
جاءت هذه العبارة الصارخة كرد فعل على ما قالته الطبيبة النفسية د.باميلا جراهام معالجة نفسية وحاملة دكتوراه في ثقافة الجنس البشري وتعمل في مستشفى سنترال بارك كواحدة من أكبر مستشفيات أمريكا، وتحترف البغاء، وتقول «أنا ممن يسمونهم المومسات "Girl Call"»!
لتبدأ حوارية كاشفة صارخة توجه فيها الكلام للدكتور الكاتب القادم من العالم الثالث بكل وساوسه ومتاعبه وثقافته وعقده ومعتقداته، وقد احتج عليها مشمئزا ومستنكرا أنها دكتورة مثقفة وتبيع جسدها، لماذا يسمى كل شىء هنا باسمه تماما وعلى حقيقته؟ ألا يخجلون؟ على أية حال نحن أكثر أدبا، سموه نفاقا أو ادعاء ولكنه أرحم من الحقيقة الصارخة، والأسماء التى بالضبط على مسماها، مومس! 
الكلمة بشعة بأية لغة تقال حتى لو كانت الفرنسية، ومومس سارتر «الفاضلة» مومس! وإليكم مومس يوسف إدريس، سمها ما شئت.
هي: أنت كاتب وقطعا تعمل في مؤسسة أو تعيش في مجتمع يعولك فتخضع لسطوته 
«أنت تعيش في مجتمع يعولك ويدفع لك أجرك، هل تقول الحقيقة، كل ما تعتقد أنه الحقيقة لهذا المجتمع، أم تقول أشياء وتخفي أشياء؟ أليست هذه مومسة؟..
المحامي الذي يترافع عن إنسان يعلم تماما أنه سارق أو قاتل لينال أجره وأتعابه ماذا تسمي هذا؟
السياسي الذي يعرف أنه يبيع بلده أو يغمض عينا عن مصالحها ماذا تسميه؟
القاضي، التاجر، الزوجة التي لا تطيق رؤية زوجها وتتأوه حبا حين يلمسها..
الابن الذي يكره أباه ويحييه كل صباح: هاللو دادي!» 
ماذا تسمي كل هذا؟! 
ماذا تسمي العلماء الذين يخترعون قنابل الفناء، والسياسيين الذين يخوضون الحروب،
والمثقفين والكتاب الذين يعرفون الحقيقة ويخافون الجهر بها؟
أليس كل هذا مومسة؟ 
كلكم.. كلهن بغايا، وبأجر فاحش مدفوع، أنا أنظف قذرة أنظف منكم كلكم، أنا لا أقول أنا مدام فلان أو صديقة علان أو أرملة تلتان..
أنا نظيفة أقولها لك وللجميع: أنا مومس، وبقولى هذا على الملأ أصبح أنظف منكم جميعا.. فأنا لا أكذب عليكم ولا على نفسى. وأنتم الكذابون والكذب أخدش للشرف من النفاق. 
إنها المومسة فعلا، وما أفعله مومسة ولكنى نظيفة أنا نظيفة أقولها لك وللجميع: أنا مومس، وبقولى هذا على الملأ أصبح أنظف منكم جميعا فأنا لا أكذب عليكم ولا على نفسى، أنا الوحيدة التي بخطيئة وأنتم فقط قذافو الأحجار!
لا بد أنك الآن مثلي ومثل يوسف إدريس، انقضت على عقولنا هذه الحقيقة الصارخة بسرعة البرق، ولا بد أن الغضب يتفجر بداخلك وتملأ وجهك علامات شتى، عيناك فى محجريهما، ولكن بالتأكيد زاويتاهما فى وضع المسقط الرأسى حيث الحدقة إلى أعلى، ولا بد أنك كمن أصبح يرى بياض عينيه!
نشر يوسف إدريس هذه الصورة للمرأة بعد عشرين عاما من نشر رواية (فيينا 60) التي تحدثت عنها في المقال الماضي من هذه السلسلة، عاود يوسف إدريس طرح إشكالية الأنا والآخر في رواية (نيويورك 80) بمنظور مغاير، لقد حاول أن يحقق النفاذ مع الآخر في (البيضاء) وفشل نتيجة سيطرة الدونية في النظرة إلى الذات، غير أنه حققه في (فيينا 60) بشكل أو بآخر، لكنه في (نيويورك 80) عرض موقفا مغايرا تشكل بين كاتب ومفكر شرقي مشهور وسيدة أمريكية حاصلة على درجة الدكتوراه في الجنس البشري 
(السلوك الإنساني عند الحيوان) وتحترف البغاء كمعالجة نفسية «أنا ممن يسمونهم المومسات» ولديها قناعاتها ومبرراتها العملية «الشرف والصدق والإنسان المتحضر الراقي.. أين؟ على سطح كرة أرضية مكونة من وحل وطين.. ماذا أفعل أنا التي ولدت في غابة لم أصنعها أنا ولكنها كائنة وموجودة، أحافظ على بقائي وأظفر بالمأوى والطعام والمتعة، وإن لم أجد أسرقها، وإن لم أستطع أقتل وأغتصبها؟ أنت تملك ترف أن تعيش شريفا، ولكن غيرك حتى لو أراد لا يملك هذا الشرف».(الرواية، ص 45).
وهي تفعل ذلك من منظورها العلمي والإنساني «كان تخصصي ولا يزال هو علاج (عدم القدرة) عند الرجال، أجل، في السنوات الأخيرة كثرت هذه الحالات جدا حتى لقد تخصصت فيها عيادات بكاملها، إذ يبدو أنه مع تحرر المرأة الغربية، وربما المرأة في كل مكان، وأخذها الإرادة الأعلى فوق إرادة الرجل، قد بدأ يعمل عمله في قدرة الرجال الجنسية، إذ أخذت في الانحدار، فكان عملي كمعالجة نفسية أن أساعد هؤلاء الرجال على استرداد قدراتهم.
وتبرهن من منظورها هذا أن هناك بعض حقائق لا أعرف إذا كنت على علم بها، ولكن لا يوجد مرض اسمه عدم القدرة عند الرجل إلا إذا كان مريضا عضويا، فعدم القدرة هو مسألة نفسية بحتة، إذ علميا يستطيع الرجل أن يزاول الجنس طالما هو حي، طبعا تقل القدرة والمرات ولكنها أبدا لا تنعدم. نحن كنا نتولى علاجا نفسيا و(فزيكيا) يعيد لكثير جدا منهم القدرة، وكان عملي أنا أن أقوم بالجانب الجسدي باعتباره تخصصي، ولا تتصور مقدار السعادة التي كنت أحس بها كلما استعاد مريض من مرضاي قدرته مرة أخرى، لقد كان امتنانهم يصل إلى حد دعوتي في احتفالاتهم الثلاثينية وأحيانا الخمسينية بزواجهم وإغراقي بالعواطف والهدايا.
هو: لكن هذا يعتبر عملا علميا إنسانيا رائعا جدا ومفيدا تماما.
هي: وهل تجد فارقا كبيرا بين عملي الآن الذي تسميه "مومس" وما كنت أقوم به في العيادة النفسية؟
هو: طبعا. ذلك كان علما وعلاجا.
هي: وماذا أفعل الآن؟ أليس ما أقوم به في أحيان كثيرة، بل في معظم الأحيان علما وعلاجا؟ معك حق. هناك فرق واحد بين العملين، ذلك الفرق الذي دفعني لتفضيل عملي الحالي.
هو: أي فرق؟!
هي: كان أجرى في العيادة يعادل بالضبط خمس دولارات في الساعة. الآن الساعة عندي بمئة دولار وربما أكثر. (الرواية، ص47). 
وتعتقد أن الاختلاف ليس إلا في التسمية «هذا يسمونه العمل وهذا يسمونه البغاء».
ويظل عوض الرجل الشرقي منذ البداية حتى النهاية رافضا كل هذه التبريرات، بل هي تثير اشمئزازه، فهو المؤمن بأن «الأنثى التي كلفت الحياة ملايين السنين من الإيغار في التعديل أو التدليل حتى أصبحت قمة الكون النامية، الأنثوية الإنسانية أرقى إبداع للخالق، بقرار أحمق ليس طفليا، بل تافه وحقير، فالأطفال أعظم بكثير وأكثر براءة ونظافة، بقرار كهذا تلغى ملايين السنين من التطور وتقذف نفسها ساقطة هاوية إلى حيث توقف التطور بالقطط والكلاب والفئران، بل حتى هذه الحيوانات تحظى بالجسم ببطولة، بمعركة تدور بين الذكرين حول القطة وهى الهدية، هي الوسام، والفائز هو من، فعلا، يستحقها، إنها أبدا لا تطلب مقدما أو مؤخرا (أو تأخذ) أي شيء، إنها بكل الدلال والسخاء تمنح، تعطى ما نقيسه بالثمن وبالساعة نحن، لا تتحول إلى بضاعة ذات سعر، وتفخرين أنت بهذا باعتبارها مهنة كسب أكبر قدر من النقود في أقصر وقت، تكسبين الدولارات هذا صحيح، ولكن الحسبة مغلوطة تماما فأنت، حتى لو أوغلنا في التشبيه، رأس مال، تكسبين مئة عاجلة وتخسرين مئات وآلافا من رأس مالك، وطريقة سهلة جدا لكسب النقود ولكنها كمهنة من امتهن احتساء وجرع ماء النار، في دقيقة يأخذ مئة دولار ولكن الكارثة هي كم ما يحدثه الداخل في أحشائه من تهرؤ وتآكل في صميم روحه وذاته، بل وفى جسده» (الرواية، ص 49).
الأنا الشرقية في هذه الرواية تتخذ موقف الندية، والتعالي على الآخر الذي تمثله بغي أمريكية شديدة الافتخار بمهنتها، وهي تطارد الرجل الشرقي مطاردة حثيثة، حتى إنها تعرض عليه شراء جسده «فقد انهار الزمام وهوت بركبتيها على الأرض تحيط خصره بيديها مقبلة كل ما يستطيع فمها أن يصل إليه من جسده، مغمغمة وكأنما تحلم متكلمة أو تتكلم حالمة قائلة:
هي: حسنا! لقد سحقتني تماما وأنسيتني عملي، وأنا التي سأدفع. كم تأخذ؟
الرجل الفائر الغائر فيه تجمد وكأنما بجملتها حولت أعماقه بضغطة من زر إلى لوح من الثلج. كم يأخذ؟ تبدأ الليلة بكم تأخذ هي، وتنتهي بكم يأخذ هو» (الرواية، 40).
تمثل هاتان الروايتان «انحرافا عن شبه الإجماع في رؤية الآخر، والتي بدت مع أعمال الرحلات العربية مفرقة في ابتعاث استيهامات خلخلة الاصطدام الحاد بالغرب، أو مثقلة بالكنائية، القائمة على المفارقات الأنثروبولوجية والتأسيس على (النحن) و(الهُم) أو الحديث عن أزلية الصراع بين الشرق والغرب على نحو يلغي تاريخيته، أو غياب الإحساس به بتجريده من طابعه المتوتر، وإسباغ أناقة المبارزة الأرستقراطية عليه، وكلها ملامح تبدت في أعمال الأربعينيات والخمسينيات القصصية، وتعلن روايتا يوسف إدريس التبرم من الصياغة التقليدية، التي تعهد بطرفي العلاقة (شرق وغرب) إلى الفئة المثقفة، فيكون فيها العربي طالبا مبعوثا إلى الخارج للدراسة، والمرأة الغربية زميلة له في الغالب، إضافة إلى اتساع رقعة الروايتين ما بين فيينا ونيويورك، بما يخرج بهما عن الجغرافيا المعهودة (باريس - لندن) ليضاعف من إنتاج دلالتهما».