loading...

مقالات

فرقة الاغتيالات

فرقة الاغتيالات


دخلت سيدة مسنة رقيقة الحال مسرعة إلى البنك. قالت بصوت مرتفع مسرسع يشق الهواء كنصل حاد: عايزه أكلم المديييييير! معاشى بيتسرق عينى عينك يا نااااااااس! كانت ترتدى ثيابًا بسيطة ترجح خروجها من الخدمة على درجة وظيفية متواضعة. هرع نحوها أحد موظفى خدمة العملاء قائلاً: إيه المشكلة بس يا افندم؟ نظرت له بازدراء: باقولك عايزه المدير.. يعنى هاتلى حد كبير أكلمه.

هرول نحوها موظف آخر أكبر سنًّا وأكثر خبرة يردد بهدوء: حاضر.. حاضر، إتفضلى معايا حضرتك على مكتبى وانا تحت أمرك. رفعت السيدة صوتها صائحة: لأ! أنا حاتكلم هنا فى صالة الانتظار وقدام كل الناس! إزاى يا أستاذ يبقى معاشى سبعتلاف جنيه ولما آجى أسحبه كل شهر من المكنة ألاقيه ألفين جنيه بس؟! على فكرة بقى أنا عارفة كل حاجة! أنا مش عبيطة! أنا شفت بعينى قبل كده موظف من عندكم بيسحب معاشى من المكنة ويوزعه على الناس! يرتسم شبح ابتسامة متعاطفة، غير هازئة، على وجه الموظف.

يرد عليها بحسم قائلاً: ماينفعش يا فندم. فيه نسخة واحدة بس من كارت الفيزا اللى مع حضرتك ومش ممكن حد يقدر يسحب معاشك من مكنة الصراف الآلى من غير ما يستعمله ويكتب كلمة السر.

ردت بهدوء عجيب يكاد يقترب من الهمس وهى تنظر زائغة العينين: بس أكيد هما يقدروا! عاد صوتها إلى الارتفاع: أيوه يقدروا.. زى ما قدروا يسرقوا السبعماية وخمسين ألف جنيه تحويشة عمرى! رد الموظف بنفاد صبر ولكن بأدب: مين هما دول سيادتك؟ صاحت بهلع وهى تنظر حولها خائفة: فرقة الاغتيالات!

كنت أتابع ذلك الحوار، وأنا أجلس فى صالة أحد البنوك الحكومية منذ أيام منتظرًا دورى. البشر أنواع، منهم من يمكنه التكيف مع تفاقم الأوضاع الاقتصادية وتردى الأحوال المعيشية، ومنهم من تنهار قدرته على المقاومة فيهرب منه عقله الباطن إلى النور تاركًا منطقة الأحلام والكوابيس المظلمة، ليصرح على لسانه بأسباب وهمية تبرر عدم قدرة صاحبه على مسايرة الغلاء، بعد أن عجز عقله الظاهر عن فهم أسباب قلة قيمة الجنيه الشرائية التى قللت من قيمته الإنسانية، وكادت تدفعه إلى التسول بعد أن دفعته إلى حافة الجنون.

يمكنك بالطبع التعامل مع تلك المرأة باعتبارها حالة فردية لشخص مختل لا تخلو مدينة فى العالم من أمثاله. يمكنك ذلك بالطبع، ولكن الخطير أن تتحاشى النظر إلى آلاف الغاضبين الآخرين الذين يجوبون الطرقات وهم على حافة الجنون، ولا يعصمهم من الانزلاق إلى مصير تلك السيدة سوى تماسك عقلى هش لا يعرف أحدهم إلى متى سيدوم. 

قلة القيمة الشرائية للجنيه أمام العملات الأجنبية ليست أرقامًا صماء تضىء على لوحات البنوك الإلكترونية، ولكنها تعكس فى حقيقتها قلة قيمة الإنسان فى مجتمع يهدر حق البشر فى حياة كريمة، ويطيح بقواهم العقلية، عندما يعجزون فى شيخوختهم عن توفير أبسط احتياجاتهم من الغذاء والدواء. إنه مجتمع إعلانات الكومباوندات الفاخرة التى يختبئ بداخلها من يتأففون ممن تطلب منهم إعلانات الصدقات أن يتبرعوا لأجلهم!

أيها السادة الكبار أصحاب المرتبات الحكومية الخيالية التى تحصلون عليها دون القيام بمعجزات يعجز عن إتيانها أحد، أنتم من يديرون فرقة الاغتيالات التى شاهدتها تلك السيدة المسنة وهى تجوب الطرقات. نعم أنتم.. أليس كذلك؟

لظروف الغلاء والأعياد أعيد نشر هذا المقال بعد التعديل، وكل عام ونحن كما نتمنى لأنفسنا.