loading...

ثقافة و فن

«كارما».. قصة وطن تائه بين جبروت الأغنياء وآلام الغلابة

كارما

كارما



ملخص

المخرج خالد يوسف يعود إلى السينما بعد غياب منذ عام 2011، عبر فيلم "كارما" بطولة عمرو سعد، وهو مزيج بين السخرية والألم والجرأة، ينتزع الضحكات والدموع من المشاهد معًا، ويستحق المشاهدة.

يبدو أن المخرج خالد يوسف اقتنع أخيرًا أن العمل السينمائي أهم وأدوم من السياسة، وبدأ في خلع جلباب ارتداه منذ عام 2011 حينما انشغل مع قيام ثورة 25 يناير بالعمل العام، حتى أصبح عضوًا في مجلس النواب، حيث عاد إلى مضمار السينما الذي هو أحد فرسانه، بفيلم "كارما" من إخراجه وتأليفه وإنتاجه وبطولة النجم عمرو سعد، ويخوض به سباق موسم أفلام عيد الفطر المبارك، ولكن هل ما زال يمتلك مفاتيح مشاعر الجمهور وأحلامه في اللحظة الراهنة وقادرًا على جذبه؟

سنستعرض معكم الفكرة التي يدور حولها الفيلم في السطور التالية، كما سنستعين بجمل حوارية جاءت على ألسنة أبطاله.

أنا لو من الحكومة كنا رامينا الفقراء في النيل وخلِصنا.. عمرو سعد

تدور أحداث "كارما" حول عالمين لشخصين مختلفين، يقدمهما معا الفنان عمرو سعد، أحدهما ثري وآخر فقير، يحلم كلاهما بالآخر، فنرى حياة الشخص الثري "أدهم المصري - رجل أعمال مسلم" كاملة في حلم يراود الفقير، بينما نشاهد التفاصيل الكاملة لحياة الفقير "وطني مينا - قبطي" عبر حلم الثراء، ثم تحدث مفارقة بأن يتم تبادل الأدوار بينهما، ويتقمص كل منهما الآخر، فالغني الذي كان يتهم الفقراء بأنهم كسالى وأغبياء، وعلى الحكومة إلقاؤهم في النيل، يعيش مكان الفقير، بينما هذا الفقير الذي دأب على اتهام الأغنياء بأنهم لصوص وحققوا ثرواتهم عن طريق الحرام، يعيش مكان الغني، ليكشف الفيلم عند تغيير كل منهما لعالمه، جوابا للسؤال الأبدي: هل تتبدل نظريات الإنسان في الحياة عند تبدل موقعه فيها؟

أي شخص فينا ما هو إلا مجرد حلم لشخص آخر.. خالد الصاوي

تبين أحداث الفيلم مدى استطاعة "أدهم" و"وطني" أن يتصرفا بشكل مختلف إذا ما كان أحدهما محل الآخر، مع اختلاف الديانة والمستوى التعليمي والاجتماعي والأخلاقي لكل منهما، هذه الاختلافات التي تُثير شكوك المحيطين بهما وتخلق مفارقات كوميدية وتراجيدية، لكن الذي يقلب حياتهما رأسًا على عقب هو ذلك الشك بـ"إسلام وطني" و"تنصير أدهم"، وتتصاعد الأحداث التي تطرح سيلا من الأسئلة الكاشفة والصادمة، لعل أهمها هل قانون كارما "كما تدين تُدان" بالفعل يحكم حياتنا؟


مستقويين على الغلابة.. وفاء عامر

"كارما" يطرح العديد من الأسئلة الأخرى، أولها حول السعادة ومن أين مصدرها؟ وهل تكمن في المال والشهرة أم أشياء أخرى؟ وهل من الممكن أن نكون أسعد بتبديل حياتنا أم سنصبح أكثر شقاءً؟ ومن وضع فروق اللون والعرق والمستوى الاجتماعي؟ ومن المسئول عن التعصب الديني والعرقي الذي تحول لعنف ودم؟ ومن المسئول عن الفقر؟ هل الفقراء أم الأغنياء أم الحكومات أم أن لكل منهم نصيبا؟ ومن المسئول عن التفاوت الطبقي المتزايد؟ وغيرها، وذلك من خلال عالمي الغنى والفقر اللذين يبرزهما خالد يوسف من خلال تصويره الأول بكاميرا هي الأحدث "أليكسا"، والثاني بكاميرا "ريد"، وهي طراز قديم، ما يوضح التناقض بين الصورتين والفارق بين العالمين.

الراجل يحب الست اللي زي القطة.. ماتقولش آه المرض لكن تقول آه تانية.. دلال عبد العزيز

العمل لوحة فنية جديدة من "سينما خالد يوسف" التي بدأها منذ عام 2007  بفيلمه "هي فوضى"، ثم أفلام "حين ميسرة"، "دكان شحاتة"، كلمني شكرًا"، وهو دراما إنسانية يحتوي قصص حب وكراهية وجرائم قتل، يُحمّلها خالد يوسف وجهات نظره ورؤاه حول التعصب الديني والفوارق الطبقية، وهي تصنع درجات مختلفة من التلقي، فهناك من سيراها حدوتة عادية جدًا ولا يلمح خلالها الأسئلة العميقة المطروحة، وهناك مشاهد أكثر ثقافة يرى بها إشكاليات عدة.


مافيش مؤامرة بتعمل ثورة.. عمرو سعد

وكما الحال دائمًا في سينما خالد يوسف، يحتوي الفيلم الجديد جانبًا سياسيًا واجتماعيًا يتوجه من خلاله بالانتقاد، طارحًا قصصًا إنسانية مؤثرة تحاكي الواقع، من خلال أبطاله عمرو سعد (المبدع من خلال شخصيتي أدهم - وطني)، زينة (والتي قدمت عملًا مميزًا للغاية في دور مدينة)، غادة عبد الرازق (نهلة)، خالد الصاوي (دكتور ياسين)، دلال عبد العزيز (نرجس)، ماجد المصري (نديم)، وفاء عامر (فاطمة)، مجدي كامل (سليم)، سارة التونسي (جيلان)، والطفلة بيرلا "كارما"، وغيرهم.

في بلدنا اتنين اوعى تغيرهم «الدين ونظام الحكم».. مجدي كامل

"كارما" لاذع في النقد لأوضاع قائمة، ويُبرز الاهتمام بعدة قضايا شائكة هامة دون أن يمنحها مساحة، كقضية الحريات والتعبير عن الرأي، وتعامل الدولة مع رجال الأعمال، والمشاريع الجديدة، وأزمة جزيرة الوراق، وارتفاع الأسعار، ومحاربة الإرهاب، ورغم كونه لاذعًا فإنه لم يخرج عن محددات الدولة ورهاناتها، فهو يفضح الفساد المرتبط بالمناصب الحساسة، وهو منهج الدولة، ومع الدين الصحيح، ويُبرز يقينًا عميقًا بأن المصريين لم يغيروا دينهم منذ 7000 سنة، لقد غيروا نظام الحكم كثيرًا لكنهم لم يغيروا دينهم القائم على قبول الآخر أبدًا، وإن تغير اسمه.


الحباية سترت بيوت كتير ولولاها كانت ستات كتير اطلقوا.. دلال عبد العزيز

العمل ينتزع الضحكات والدموع من المشاهد معًا، ويمزج بين السخرية والألم والجرأة، وبين الواقع والمأمول، وينشد واقعًا أكثر عدلًا وإنصافًا للمهمشين والضعفاء، أصحاب البلد، من خلال نزعة واضحة في الانحياز إلى الطبقات الفقيرة والمعدومة في المجتمع المصري، وهو عمل مختلف لمخرجه العائد لمحرابه، ولبطله المميز الذي أجاد في أن يرسم لنا عالميه ببراعة.