loading...

ثقافة و فن

«الأعلى للثقافة» يحيي ذكرى «ونوس» بعرض مسرحي

سعد الله ونوس

سعد الله ونوس



ملخص

يصف ونوس أثر الواقع العربي والحروب وبالتحديد حرب الخليج (1990) على إصابته بالسرطان قائلًا: "أشك معها في أنها كانت السبب المباشر لإصابتي بمرض السرطان، وليس مصادفة أن يبدأ الشعور بالإصابة بالورم أثناء الحرب والقصف الوحشي الأمريكي على العراق".

تعقد لجنة المسرح بالمجلس الأعلى للثقافة؛ فى الساعة السابعة مساء الخميس المقبل، بقاعة المؤتمرات بالمجلس، عرضًا مسرحيًّا- قراءة مسرحية لمسرحية "يوم من زماننا"، من تأليف سعد الله ونوس (1941- 1997)، ومن إعداد وإخراج: محمد عمر، وبطولة: مفيد عاشور، دعاء طعيمة، خالد عبد السلام، مدحت خيري، إبراهيم جمال، رضوى، وموسيقى وألحان: عطية محمود.

ويبدو أن لجنة المسرح كان فى نيتها أن يقام "الحدث" قبل أكثر من شهر ليصادف ذكرى رحيل سعد الله ونوس فى 15 مايو، وربما تم التأجيل بسبب "انشغالات" رمضان، وأيا ما كان السبب فالاحتفاء واجب؛ فهو (ونوس) أحد أهم المثقفين والكتاب المسرحيين العرب، وقد مر بتجربة مرض طويلة لكنه جابهها بطاقة خلاقة أنتج خلالها أهم أعماله المسرحية، وقد تقاطعت مراحل فى حياته مع أهم الأحداث التاريخية التى مرت بالعرب.

ولد ونوس في قرية حصين البحر التابعة لمحافظة طرطوس- سوريا في أسرة فقيرة عاشت حياة البؤس والفقر والحرمان- كما عبر عن ذلك أكثر من مرة-، وفى ذروة النشوة بالوحدة بين مصر وسوريا (1958- 1961) حصل على الثانوية عام 1959 من ثانوية مدينة طرطوس، ثم حصل على منحة في نفس العام لدراسة الصحافة في كلية الآداب- جامعة القاهرة، وكان للانفصال بين سوريا ومصر وقع كبير عليه حيث كتب مسرحيته الأولى "الحياة أبدا" عام 1961 ولكنها لم تنشر حتى هذا اليوم.

تخرج عام 1963 وعاد إلى دمشق ليعين مدير قسم النقد في مجلة "المعرفة" الصادرة عن وزارة الثقافة، خلال فترة عمله في المجلة ازداد اهتمامه وتركز على المسرح، وعندما سنحت له الفرصة سافر إلى باريس في إجازة دراسية لدراسة الأدب المسرحي في معهد الدراسات المسرحية التابع لجامعة السوربون، عندما وصلته أخبار نكسة 5 يونيو عام 1967 شعر بأنها هزيمة شخصية له وكان رد فعله على ذلك كتابته لمسرحية "حفلة سمر من أجل 5 حزيران".

بعد أن أنهى دراسته في فرنسا عاد ونوس عام 1968 إلى دمشق ليتم تعيينه رئيس تحرير مجلة أسامة الخاصة بالأطفال بين عامي 1969- 1975، عمل عام 1969 مع بعض عشاق المسرح على إقامة مهرجان دمشق المسرحي الذي عرضت خلاله مسرحية "الفيل يا ملك الزمان"، ثم توالت مسرحياته: مغامرة رأس المملوك جابر (1971)، سهرة مع أبي خليل القباني (1973)، الملك هو الملك (1977)، رحلة حنظلة من الغفلة إلى اليقظة (1978)، ليتوقف بعدها عن الكتابة للمسرح مع انشغاله العميق به، إذ إنه في عام 1977 شارك فى تأسيس فرقة "المسرح التجريبي" مع صديقه المسرحي "فواز الساجر" والتي كانت تهدف إلى تقديم مسرح وثائقي يكشف من خلاله مشكلات المجتمع ويدعو إلى الإصلاح والتغيير، وفى العام ذاته تولى رئاسة مجلة "الحياة المسرحية" فى أول أعدادها، وحتى عام 1988، لكن يبدو أن أسئلته الكبرى وقتها المتعلقة بالسلطة والحرية ودور المثقف نحت جانبا طاقة التأليف، فترك سوريا وأقام لفترة فى لبنان، وكان الغزو الإسرائيلى للبنان؛ فى عام 1982، شديد الوطء عليه، وظل ممتنعا عن محاولة الكتابة للمسرح حتى كتب مسرحية "الاغتصاب" 1990 والتي تصور الصراع العربي الإسرائيلي.

فى عام 1992 شخص الأطباء ورمًا أصاب عنق ونوس بأنه سرطان البلعوم وقد توقعوا أنه سيفارق الحياة خلال ستة أشهر، لكنه ناضل وكافح المرض، وانطلق بطاقة مدهشة للغاية فى الكتابة بإيقاع وجودة وصوابية وجراءة غير مسبوقة، فكتب: "منمنمات تاريخية"، 1994، "طقوس الإشارات والتحولات"، 1994، "أحلام شقية"، 1995، "يوم من زماننا" 1995، وأخيرًا "ملحمة السراب" 1996، "بلاد أضيق من الحب" 1996.

يصف ونوس أثر الواقع العربي والحروب وبالتحديد حرب الخليج (1990) على إصابته بالسرطان قائلًا: "أشك معها في أنها كانت السبب المباشر لإصابتي بمرض السرطان، وليس مصادفة أن يبدأ الشعور بالإصابة بالورم أثناء الحرب والقصف الوحشي الأمريكي على العراق".

ويقول في حديث آخر معه: "أعتقد أن إسرائيل سرقت السنوات الجميلة من عمري وأفسدت على إنسان عاش خمسين عامًا مثلًا، الكثير من الفرح وأهدرت الكثير من الإمكانات".

فى ذروة مرضه ومقاومته له كلفه المعهد الدولي للمسرح، التابع لليونسكو، بكتابة "رسالة يوم المسرح العالمي" لعام 1996. وفى تلك الرسالة؛ التي ترجمت إلى لغات العديد من بلدان العالم، وقرئت على مسارحها، عبر ونوس عن تجربته كلها: تجربته كإنسان وكفنان، وكان فى غاية الدقة والصدق، وغاية الغرابة أيضا، فهو إذا يتساءل: 
"عن أي مسرح أتكلم؟! هل أحلم؟ أم هل أستثير الحنين إلى الفترات التي كان المسرح فيها بالفعل حدثا يفجر في المدينة الحوار والمتعة؟! لا يجوز أن نخادع أنفسنا، فالمسرح يتقهقر وكيفما تطلعت، فإني أرى كيف تضيق المدن بمسارحها، وتجبرها على التقوقع في هوامش مهملة ومعتمة، بينما تتوالد وتتكاثر في فضاءات هذه المدن الأضواء، والشاشات الملونة، والتفاهات المعلبة". يعبر عن واقع يتنامى بقسوة، ليس بالنسبة للمسرح فقط بل على على مستويات عدة أخرى، فهو ينتقد ويشرح العولمة "فهي تزيد الغبن في الثروات وتعمق الهوة بين الدول الفاحشة الغنى، والشعوب الفقيرة والجائعة. كما أنها تدمر دون رحمة، كل أشكال التلاحم داخل الجماعات، وتمزقها إلى أفراد تضنيهم الوحدة والكآبة. ولأنه لا يوجد أي تصور عن المستقبل، ولأن البشر وربما لأول مرة في العالم، لم يعودوا يجرؤون على الحلم فإن الشرط الإنساني في نهايات هذا القرن يبدو قاتما ومحبطا".

لكنه وبنفس دقة وقسوة التشخيص والوصف يقدم فى نهاية كلمته موقفه من كل هذا: "إننا محكومون بالأمل. وما يحدث اليوم لا يمكن أن يكون نهاية التاريخ منذ أربعة أعوام وأنا أقاوم السرطان. وكانت الكتابة، وللمسرح بالذات، أهم وسائل مقاومتي خلال السنوات الأربع، كتبت وبصورة محمومة أعمالا مسرحية عديدة. ولكن ذات يوم، سئلت وبما يشبه اللوم: ولم هذا الإصرار على كتابة المسرحيات، في الوقت الذي ينحسر فيه المسرح، ويكاد يختفي من حياتنا؟! باغتني السؤال، وباغتني أكثر شعوري الحاد بأن السؤال استفزني، بل وأغضبني. طبعا من الصعب أن أشرح للسائل عمق الصداقة المديدة، التي تربطني بالمسرح، وأنا أوضح له أن التخلي عن الكتابة للمسرح، وأنا على تخوم العمر، هو جحود وخيانة لا تحتملها روحي، وقد يعجلان برحيلي".