loading...

مقالات

الكلام أو الموت

الكلام أو الموت


فى كتابه الخاص والفريد "الكلام أو الموت" يتحدث د. مصطفى صفوان، العالم النفسى المصري المهاجر في فرنسا، عن أهمية الكلام. الكلام الذى يسبق وجود الإنسان، ويعتبر المستودع الرمزى للجماعة "حيث تعمل اللغة كونها مركز معنى رمزى اجتماعى، أكثر من كونها تعبيرًا لذات فردية". يحدد د. صفوان مكان اللغة "اللغة توجد فى الكلام"، لأن الكلام أيضا أسبق فى وجوده من اللغة. من خلال الكلام يتم التعرف عن النظام الأخلاقى الذى يحكم الجماعة. فداخل الكلام يتم التعرف على القانون، وأيضًا هو مادة التواصل بين إنسان وآخر، وبدون هذا التواصل، أو الحوار، لا يكون إلا الموت، أو الفناء، أو العنف. كأن الكلام هو الحياة نفسها، والتي لم تبدأ في إدراك كينونتها إلا عندما اكتسب الإنسان القدرة على التعبير عنها بالكلام.

يقول د. مصطفى "هناك قيود تفرض ذاتها على كل مؤسسة إنسانية، وهو قيد لا يرجع إلى العادة، أو التقليد، أو حتى يرجع إلى التاريخ، إنه يمت تحديدا إلى بنية علاقة الإنسان باللغة، وليس الزمن". كأن أيضا فكرة الزمن متضمنة داخل علاقته باللغة، أو اللغة هي التي تصوغ الزمن. إنه يبحث فى السؤال القديم، لهذا التفويض الأزلى بين الفرد والجماعة، عن المساحات المشتركة بينهما، فالاثنان مشدودان لشىء سابق عليهما، يستقيان منه شكل علاقتهما. يسأل أيضا د. مصطفى "ما هى الأشياء التى تكون وحدة مجتمع ما؟". وأيضا يتحرى عن مسألة "كيف يحدث أنه بالرغم من الوحدة الاجتماعية التى تبدو الحياة الإنسانية مستحيلة تماما من دونها- أننا نعيش، كما نحلم فرادى".

يشير د. مصطفى فى مقدمة كتابه عن نقطة انطلاقه لكي يكتب هذا الكتاب، ويضع الكلام مقابل الموت. فكما هو معروف فالدكتور مصطفى صفوان هو أحد تلاميذ العالم النفسى الشهير جاك لاكان**، وقد ذهب إليه فى أحد الأيام يشكو له أنه لا يقدم شيئا ذا معنى لمريض يأتيه ثلاث مرات فى الأسبوع، ويروى له كمية من القصص ويدفع ثمن هذه الجلسات ثم يغادر. ويسأل د. مصطفى لاكان سؤالا محددا "ماذا على أن أعطيه بالمقابل؟" بالفعل سؤال محير. وكان جواب لاكان استنكاريا فى نصفه الأول، ثم مفاجأة فى نصفه الثانى. قال له "لماذا؟ أنك تعطيه صمتك".

يعلق د. صفوان على جواب لاكان "لا يتركك جواب من هذا القبيل من دون أن تتغير". ربما كان هذا الجواب دافعا ليثبت به د. صفوان أن أى نشاط إنسانى يتم عبر الكلام، حتى ولو كان "الصمت"، هو دليل عطاء متبادل. ربما هذا الصمت سيفسره د. صفوان بعد ذلك بأنه الصمت أو لحظات سكون للجماعة التى يخاطبها هذا المريض. لذا كان هذا المريض يتلقى العلاج عبر سرد حكايته أمام جماعة تنصت له بقوة!

هناك دافع آخر وراء تأليف هذا الكتاب، وهو ما حدث فى الثورة الإيرانية، بالرغم من أنه لا يتحدث عنها بتاتا، ولكنه يبحث عن السبب الذى يدفع شعبا ما إلى تقديس جذور هويته، ودفاعه عن دينه كأنه هويته الراهنة. يكتب "الكلام يوحدنا بواسطة القوانين التى يخضع لها الكلام هو ذاته، أو على وجه الدقة، القوانين التى تتيح، وحدها تكوين الذات بما هى الكائن المتكلم". يكتب "لا يمكننى أن أتكلم وأن أقتل فى الآن عينه، لما يفترضه الكلام من الصفات، كما لا يمكننى الكلام والإفلات من مرجعية الحقيقة التى يجبرنى الكلام عليها".

يكتب في مكان آخر "لا يملك أى كلام سلطة رسم قوانين الكلام ذاتها، فالكلام يحتاج بالضبط إلى الاستناد إلى هذه القوانين كى يكون له السلطة المطلوبة، ولا يستند إلى النظام الأخلاقى أو القانونى الذى يجد سنده فى منطوقه. من هذه الاستحالة تحديدا تولد الحاجة إلى اللجوء إلى المتجاوز، إلى ما هو خارج عن المألوف (.. ) أى اللجوء إلى كائن يضع حدا للتنافس".

يكتب "المجتمع، هو ممكن فقط بالقدر الذى يُؤسَر فيه كل من أفراده، ومن دون أن يدرى، فى "حلف انفرادى" مع النظام الرمزى". يكتب "الدين هو الذى يعطي هذا النظام الرمزى فاعليته الواقعية، ولو كان ذلك من خلال الخيال". وربما هو السبب في حديثه عن الثورة الإيرانية أنها أوجدت هذا النظام الرمزي، عبر الدين، أو الدين هو الذي قام بتفعيل هذا النظام الرمزي بين الجماعة.

.......................................................................................................

* الكلام أو الموت- مصطفى صفوان- المنظمة العربية للترجمة- ترجمة د. مصطفي حجازي.

** جاك لاكان. محلل نفسي فرنسي ولد في باريس وتوفي بها. اشتهر بقراءته التفسيرية لسيغموند فرويد ومساهمته في التعريف بالتحليل النفسي الفرويدي في فرنسا في الثلاثينيات من هذا القرن، وبالتغيير العميق الذي أحدثه في مفاهيم التحليل النفسي ومناهجه. الموسوعة الحرة.