loading...

مقالات

السنطور صاحب الحنطور

السنطور صاحب الحنطور


السنتور أو السنطور كائن هجين، له جسد حصان يلتحم به النصف العلوى لإنسان فى مكان رقبته، فيصنع منه مخلوقاً إغريقيًّا أسطوريًّا يسمى باليونانية سانتورس. بينما الحنطور هو عربة الركاب القديمة التى تجرها الدواب.

يمكن بالطبع لأى عاشق ولهان أن يغمض عينيه، ويسرح بخياله بعيدًا فيرى نفسه سنتورًا يحمل حبيبته على ظهره وينطلق بها فى نزهة رومانتيكية بعيدًا عن أعين الحاسدين، أو على الأقل يجرى بها كل صباح إلى مقر عملها، ومشاويرها اليومية، ويدافع عنها برفساته القوية ليجنبها رذالة المتحرشين فى المواصلات العامة والطرقات، ويوفر عليها ثمن الأوبر ومذلة انتظار الميكروباصات.

بالإضافة إلى فوزه المؤكد، والعقبى لكم فى المسرات، بمتعة احتضانها لرقبته، واللذة التى سيشعر بها كلاهما عند احتكاك ردفيها وساقيها بعضلات ظهره القوية البارزة. فضلاً عن فحولته التى لا بد وأن تحسده عليها غالبية الذكور البشرية المكتملة.

أما بالنسبة لى فدائمًا ما كان يروق لخيالى المريض أن يربط ذلك الكائن الأسطورى المبهر إلى عربة حنطور متهالكة، وينزع عنه قوس السهام الذى يحمله، ويضع بدلاً منه سوطًا أو خيزرانة رفيعة، ليجعله كائنًا مصريًّا شعبيًّا خالصًا، يرتدى جلابية قصيرة تستر نصفه العلوى فقط، فوقها جاكتة كاكى قديمة بالية، وعلى رأسه طاقية صوفية لها قرنان، واضعًا سيجارة كليوباترا خلف أذنه، بينما يجرى فى الطرقات موبخًا نفسه بأعلى صوت: شى يا بتاع الكلب! ليصبح أنموذجًا مثاليًّا لنصف عربجى يلتحم بنصف حصان، تجمعهما روح واحدة على هيئة كائن عجيب، يمكن لنا أن نضيف صورته إلى موروثاتنا الشعبية اللطيفة القادمة من مطلع القرن الماضى، ونخلده فى الوجدان المصرى تحت اسم السنطور صاحب الحنطور!

سنطور - رسوم: الفنانة جيهان بدراوي

كنت أغمض عينى فى سنوات مراهقتى، وأستمتع بتخيل تلك السناطير المصرية الخالصة وهى تجر الحناطير فى شوارع القاهرة القديمة. انظر معى إلى مشهد العربجى والحصان وهما يجتمعان فى جسد واحد مشترك لكائن يجوب الشوارع المزدحمة، ممسكًا بيده بكرباج يفرقع به فى الهواء، لا لكى يجلد نفسه بالطبع، ولكن لكى يضرب "كرباج ورا" ليمنع الأطفال من تسلق العربة، وربما ليهوّش أيضًا نصفه الخلفى ليستحثه على الجرى بسرعة للانتهاء من المشوار وقبض الأجرة من الزبون!

السناتير كائنات إغريقية رائعة يقال إن أحدها أنقذ زيوس، كبير آلهة الأولمب، فى صباه من أخطار المبيت ليلاً فى الغابة بمفرده، وذلك عندما طرده أبوه كبير العماليق، التايتنز، وألقى به من السماء إلى الأرض. لكن لماذا طرد التايتان الكبير ابنه البكرى زيوس إلى الأرض؟ هل لأنه كان يدخن السجائر الملفوفة خلسة فى كهوف جبال الأولمب؟ أم لأنه فضحه وجعل رقبته بحجم السمسمة عندما عكشه وهو يتحرش بمزة من بنات جيرانهم الأفاضل من آلهة الأولمب فى بئر سلم مجمع أرباب الإغريق؟

ما علينا، يقال أيضًا إن زيوس عندما اشتد عوده انتقم من أبيه ورفاقه العماليق شر انتقام، وأرسلهم إلى منفاهم الأبدى فى العالم السفلى. بعدها قام بما يؤكد نظرية "اللى مالهوش خير ف أبوه مالهوش خير فى حد"، فلم يكافئ السناتير بل جعلهم محاربين مخمورين غير مستقرين يجوبون الوديان والغابات إلى الأبد.

هناك أيضًا أسطورة إغريقية أخرى تؤكد أن السناتير هم ذرية الملك إكسيون الذى استضافه زيوس فى مجلسه بالأولمب، وقدمه إلى زوجته هيرا، ولم يكن يدرى أنه سيشتهيها ويحاول استمالتها جنسيًّا بوضاعة منقطعة النظير بعد أن لعبت برأسه خمر آلهة الأولمب القوية. وقتها غضب زيوس، وخلق شبيهة بزوجته هيرا، وأرسلها إلى إكسيون الذى اختلى بها، متوهمًا أنه المز الفتك الذى يمارس الخطيئة مع زوجة زيوس التى ذابت فى دباديبه، وهبطت له من قمة الأولمب لترتمى فى أحضانه وتخون زوجها معه.

الكوميديا السوداء هنا أن شبيهة هيرا، واسمها نيفيل، حملت سِفاحاً من عشيقها ووضعت له سنتورًا رضيعًا، ليفيق الملك إكسيون من غفوته، وهو الذى كان يحلم برضيع نصف إله تلده هيرا، على انتقام زيوس الذى سخر منه وجعل نيفيل تمنحه سنتورًا ذكرًا من صلبه.

إذن فى البدء وجدت السناتير الذكور كعقاب لملك خائن، وربما جاءت منهم الإناث فيما بعد بطريقة أو بأخرى.

من وقتها تكاثرت السناتير الإغريقية، وصارت أتباعًا لديونيسوس إله الخمر، وعاشت هائمة فى أودية جبال أركاديا بصقلية. لكن خيالى المريض جعل السناطير المصرية، أصحاب الحناطير، تصير أتباعًا لعم سفنجة الخمورجى، إله البوظة المضروبة المصنوعة من منقوع الخبز الأسود المتخمر، الذى يتجرعه العربجية والحمارون فى مواخير روض الفرج القريبة من أركاديا مول المطل على كورنيش النيل بالقاهرة، أى أن أركاديا هى الموطن المشترك للسناطير، سواء فى صقلية أو على شاطئ النيل.

يظن بعض علماء الميثولوجيا، وهذا رأى له وجاهته بلا شك، أن فكرة السنتور نتجت من الدهشة البالغة التى أصابت أبناء القبائل الراجلة، أى التى تنتقل على أرجلها، عندما التقت لأول مرة بأبناء القبائل الراكبة التى تستأنس الخيل وتمتطيها، أى أن وجود الفارس المحارب هو الذى استدعى فكرة السنتور فى خيال القبائل البدائية.

على الجانب الآخر يقول بعض الظرفاء من الحشاشين، وهذا رأى له خباثته، إن السنطور المصرى صاحب الحنطور، هو نتاج خطيئة ارتكبها عربجى مخمور مع أنثى حصان جميلة، بعدما لعبت البوظة الفاسدة برأسه فى ليلة شتوية قضاها بأحد الإسطبلات، بعد أن طردته زوجته من فراشهما اتقاء لرائحة فمه النتنة.

على أية حال ما أجمل أن تحلق بخيالك، وتجوب المدينة متسكعًا كسنتور حر واثق الخطى، خاصة بعد ارتفاع أسعار الوقود التى لن تسمح لمالكى السيارات المتواضعة من أمثالى بالانطلاق بها إلا فى أضيق الحدود.

كن سنتورًا ترى الوجود جميلاً، وترى الوقود رخيصًا.

* رسم السنطور صاحب الحنطور المصاحب للمقال من إبداع الفنانة جيهان بدراوى