loading...

ثقافة و فن

عاطف الطيب.. «البريء» الذي قاد ثورة فنية «ضد الحكومة»

عاطف الطيب (1)

عاطف الطيب (1)



ملخص

عاطف الطيب أحد أهم مخرجي السينما المصرية في القرن الماضي، ولا زالت أعماله حاضرة، تلخص واقع مصر في الفترة التالية لثورة يوليو 52، ومنها "البريء، وضد الحكومة"، وغيرهما.

عاطف الطيب.. الفلاح القادم إلى القاهرة من الصعيد الجوّاني ليصنع نقلة سينمائية في تاريخ الفن المصري، صاحب "البريء" و"التخشيبة" و"ضد الحكومة"، شكّلت رؤيته النقدية الجذرية لنظام الحكم والمجتمع مادته الأساسية، سينماه امتلأت حيوية وإيقاعًا وصوتًا خاصًا لا يشبه أحدًا، صوت الوطن، والألم، مخرج سينما البسطاء الذي ​أعادها لـتيار الواقعية بعدما سيطر عليها جيل الحداثة والاقتباس من الخارج، قيل وسيُقال عنه الكثير، لكنه يبقى أحد أهم مجددي السينما في القرن الماضي.

ولد في مركز المراغة التابع لمحافظة سوهاج في 26 ديسمبر عام 1947، وبحثًا عن ظروف معيشية أفضل انتقل مع أسرته إلى القاهرة ليقطن حي بولاق الدكرور، لم يجد الأب فرصة عمل فقام بإنشاء محل لبيع الألبان، وكان عاطف يساعد والده في تجارته، لكن سرعان ما انهارت وخرج الابن باحثًا عن كسب الرزق، فعمل كنادل بإحدى صالات الأفراح، وحينها كان طالبًا في المرحلة الثانوية، والتي فور أن أنهاها التحق مباشرة بالمعهد العالي للسينما، وهناك درس في قسم اﻹخراج على يد صلاح أبو سيف ويوسف شاهين وغيرهما، وتخرج في عام 1970، وعقب ذلك قضى 5 سنوات في الجيش شارك خلالها بحرب أكتوبر 1973.

خلال فترة الدراسة وما بعدها من سنوات الخدمة العسكرية، كان يُثري الطيب موهبته ويلتقط الكثير من الخبرات، وقدّم أول فيلم تسجيلي له في العام 1972، وحمل اسم "جريدة الصباح"، وعمل كمساعد مع عدد من المخرجين، فعمل مع المخرج شادي عبد السلام في فيلمي "جيوش الشمس" و"المقايضة"، ومع سيد طنطاوي في فيلمي "عيب يا لولو.. يا لولو عيب" و"خدعتني امرأة"، ومع محمد شبل في "أنياب"، ومع يوسف شعبان محمد في "الرغبة والثمن"، ومع محمد بسيوني في فيلم "ابتسامة واحدة تكفي"، ومع يوسف شاهين في فيلم "إسكندرية ليه"، وعمل كمساعد لعدد من مخرجي العديد من الأفلام الأجنبية التي كان يتم تصويرها في مصر آنذاك، مثل لويس جلبرت في فيلم "الجاسوس الذي أحبني"، وجون جيلر في "جريمة على النيل"، ومايكل بانويل في "الصحوة"، وفيليب ليلوك في "توت عنخ أمون"، وفرانكلين شاخر في "أبو الهول".

رحلة الشاب شكّلت مخيلته، اختزن الكثير من الشخصيات والعلاقات والمواقف دون أن يعلم أنها ستكون وقوده القادم في رحلة النجاح، حتى أتته الفرصة وأخرج أول فيلم طويل له في عام 1982 وهو فيلم "الغيرة القاتلة"، ثم واصل مسيرته في اﻹخراج من خلال عدد كبير من الأفلام التي نالت نجاحًا نقديًا وجماهيريًا، وخلال 13 عامًا فقط، قدّم 21 فيلمًا طرح خلالها رؤيته النقدية الجذرية لنظام الحكم والمجتمع ومعارضته لـسياسات الانفتاح الاقتصادي والفساد والقمع، وعكس الكثير من المراحل السياسية والاجتماعية التي عاشتها مصر ومرت بها، ومنذ تقديمه أول أعماله وحتى يوم رحيله، لم يغب عن باله وفنه تلك الرؤية الناقدة.

على يد الطيب، بزغت نجومية عدد من أهم فناني مصر طوال تاريخها، الأول هو نور الشريف الذي رافقه منذ بداية ظهور اسم الأخير بشكل مستقل كمخرج لفيلم سينمائي، حيث كان بطلًا لـ"الغيرة القاتلة"، وكذلك في ثاني أفلامه "سواق الأتوبيس" عام 1982، ليفوز نور بجائزة أفضل ممثل في مهرجان نيودلهي، ويصبح أول ممثل مصري يفوز بجائزة دولية، وينال الطيب جائزة العمل الأول في مهرجان أيام قرطاج السينمائية بتونس، ثم رافقا بعضهما كذلك في أفلام "الزمار" 1985، و"ضربة معلم" 1987، و"قلب الليل" و"كتيبة الإعدام" 1989، و"دماء على الأسفلت" و"ناجي العلي" 1992، و"ليلة ساخنة" 1995، ليكون مجموع أعمالهما 9 أفلام سينمائية. (يمكنك مطالعة.. 9 علامات لعاطف الطيب في سينما نور الشريف).

"عاطف الطيب هو نجيب محفوظ الإخراج".. نور الشريف

الطيب أيضًا كوّن دويتو فني مع النمر الأسود أحمد زكي الذي أطل بطلًا لثالث أفلامه "التخشيبة" 1984، وأفلام "الحب فوق هضبة الهرم" و"البريء" 1986، و"الهروب" 1991، و"ضد الحكومة" 1992، ودويتو ثالث مع الساحر محمود عبد العزيز، في أفلام "البريء"، و"أبناء وقتلة" 1987، و"الدنيا على جناح يمامة" 1989، ومن الفنانات ظهرت معه نبيلة عبيد في "التخشيبة"، و"أبناء وقتلة"، و"كشف المستور" 1994، وليلى علوي في "ضربة معلم"، و"البدرون" 1987، و"إنذار بالطاعة" 1993، ولبلبة التي أعاد اكتشافها من جديد في "ضد الحكومة" و"ليلة ساخنة"، ومن المؤلفين، كوّن الطيب مع بشير الديك، دويتو فني في أفلام "سواق الأتوبيس، ضربة معلم، ناجي العلي، ضد الحكومة، جبر الخواطر"، ومع وحيد حامد في أفلام "البريء، التخشيبة، ملف في الآداب، الدنيا على جناح يمامة، كشف المستور"، ومع مصطفى محرم في أفلام "الحب فوق هضبة الهرم، أبناء وقتلة، الهروب".

"عاطف الطيب هو عميد الخط الواقعي في السينما المصرية الحديثة".. نجيب محفوظ

أعمال الطيب بمثابة سيرة ذاتية للوطن توثق حياة الطبقة المتوسطة في فترة الستينيات والسبعينيات، رحلة مثّلت "دفتر أحوال مصر" ورصدت الكثير مما عاشه المصريون.. "البريء" صوّر اعتقال المشاركين في انتفاضة الخبز عام 1977 وتعذيبهم على يد جنود بسطاء مؤمنين بأنهم يعاقبون أعداء الوطن، وفي اللحظة التي يعي فيها "الجندي/ بطل الفيلم" الخديعة، يصوّب بندقيته باتجاه الضباط، وهي النهاية التي حذّفتها الرقابة قبل أن يُسمح بعرضها بعد ثلاثة عقود.

"الهروب" يروي قصة موظّف يعمل في أحد مكاتب العمل التي فتحت أبوابها في الثمانينيات لتشغيل المصريين في بلدان الخليج، ويقدّم عقودًا مزوّرة مقابل مبالغ كبيرة، فتُدسّ المخدرات في بيته بعد فضحه الأمر، ويُقبض عليه ويهرّبه أحد الضباط الفاسدين ليشغل الرأي العام بقضية موظف هارب من سجنه، وإبعاد الأنظار عن إخفاق السلطة في مواجهة إحدى الجماعات المتطرّفة.

 وفي "ضد الحكومة" ترفض السلطة الاعتراف بفشلها وتعتبر حادثة اصصدام حافلة طلاب مدرسة بعربة القطار مجرّد "قضاء وقدر" يستحق عقاب السائق وعامل سكة الحديد، لكن "المحامي/ بطل الفيلم" ينجح في طلب الوزراء المسؤولين للمثول أمام المحكمة وتقديمهم إلى العدالة.. "سواق الأتوبيس" هو بمثابة مرثية لفترة الستينات في مصر، وما أعقبها من خلل في التركيبة الاجتماعية والاقتصادية بعد تطبيق نظام الانفتاح الاقتصادي، وهكذا كانت كل أعمال الطيب التي فجّر عبرها ثورة من الواقعية الجديدة، ليصبح رائدها المخلص والأوحد.

البُعد الاجتماعي عند عاطف الطيب كان أهم من أي بُعد آخر، فأعطى أفلامه قيمة وتفردًا أكبر، ولم تخدعه فكرة تقديم سينما مختلفة بقدر تقديمه سينما يحبها، واعتمد على السرد الخطي البسيط بأعماله دون تعقيدات إخراجية، كان يصور المشاهد بترتيب انفعالات الممثلين، لكي تظهر بشكل أكثر صدقًا، وأعطى اهتمامًا خاصًا بمضمون القصص التي يتناولها والتي عرضت جميعها قضايا الطبقة المتوسطة التي شغلت باله، عنصر الرومانسية في أفلامه جاء ممزوجًا باليأس ومحاوطًا بالمشاكل المادية والاجتماعية التي تقف عائقًا أمام سعادة الثنائي المحب، وكوميديا أعماله كانت سوداء وجزء من القالب الواقعي الذي تبناه.

وكان عاطف الطيب مريضًا بالقلب ويحتاج لتدخل جراحي، وأقنعه طبيبه أن يجري العملية الجراحية ودخل غرفة العمليات لكن النتيجة لم تكن لصالحه، وتوفي المخرج الكبير في 23 يونيو عام 1995، وكان قد أتم تصوير آخر أفلامه "جبر الخواطر" من بطولة النجمة شريهان، وعُرض الفيلم بعد وفاته بثلاث سنوات عام 1998.. رحل بعد مشوار فني حافل سعى فيه إلى تقديم صورة هي الأكثر واقعية عن المجتمع المصري.