loading...

مقالات

ما وراء ظاهرة محمد صلاح؟ الأبعاد الاجتماعية

ما وراء ظاهرة محمد صلاح؟ الأبعاد الاجتماعية


عندما يذكر اسم اللاعب محمد صلاح (مو) أمام المصريين أو فيما بينهم فإنه يجلب الفرح، والفخر والاعتزاز بأنه ينتمي إليهم، حالة من التماهي، والإحساس الجمعي بالنجاح، لأنه واحد مثلهم يحملُ ملامح حياة كثيرين من أبناء الريف المصري، جاء من قرية نجريج التابعة لمدينة بسيون بمحافظة الغربية -ولد في 15 يونيو 1995- تعلم في معهد اللاسلكي، ولم يحصل على تعليم جامعي، ومع ذلك استطاع من خلال موهبته الاستثنائية في لعب كرة القدم أن يلعب بنادي المقاولين، وانتقل كلاعب محترف بنوادي بازل السويسري، ثم تشلسي، وفيرونتينا ثم روما، وليفربول. خلال هذه المسيرة أصبح هداف الدوري الإنجليزي، وحصل على جوائز الحذاء الذهبي 2018، وجائزة أفضل لاعب في إنجلترا 2018، وقبلها جائزة أفضل لاعب أفريقي عن الـ بي.بي. سي 2017. حالة محمد صلاح تمثل أحد المرايا، التي تظهر من خلال وجوهها المتعددة عديد من الظواهر الاجتماعية التي يمكن لنا رصدها، وعلى رأسها تحوله إلى أيقونة مصرية من خلال عشق المصريين له، وللمكانة التي حققها في ملاعب الكرة الأوروبية، لا سيما الدوري الإنجليزي، والسؤال هل هي حالة كروية فقط التي تبرر هذا الحب الجارف أم أنها تحملُ في أعطافها أسباب ودلالات أخرى؟

لماذا تحول محمد صلاح إلى أيقونة وطنية وكروية مصرية؟

إن نظرة على مساره كلاعب كروي في مصر، تشير إلى تعامل بعض الإداريين والمدربين على أنه لاعب ضمن عشرات أو مئات اللاعبين رغم تميزه عن أقرانه، ولم تكن ثمة نظرة أكثر عمقًا لموهبته وإمكاناته الكامنة، وذكاءه وإرادته ورغبته في النجاح والتميز والتفوق فيما هو أبعد من حدود الكرة المصرية ومسابقاتها المحدودة، ويعود ذلك إلى بعض العفوية والقواعد اللا مهنية التي تسيطر على بعض قرارات رؤساء الأندية والمدربين والمديرين الفنيين في هذا المجال وغيره من المجالات الرياضية، ناهيك بالتداخل والخلط بين المعايير والمصالح الذاتية، وبين القرارات الفنية والإدارية المدروسة التي يجب أن تعتمد على الحيدة والخبرة والنزاهة وحسن تقييم أداء اللاعبين. حالة محمد صلاح وغيره من اللاعبين تشير إلى بعض من الخلل أو الضعف في النظام الكروي في الإدارة والتدريب، وفي نمط الحياة المطلوب للاعب كرة القدم في علاقته بالإدارة واللاعبين وداخل الملاعب.

السؤال الذي نطرحه هنا مع آخرين لو استمر محمد صلاح (مو) في اللعب لبعض الفرق المصرية هل كان يمكنه أن يصل إلى المستوى الفني والمكانة التي وصل إليها من خلال الاحتراف في بعض الأندية الأوروبية؟

الإجابة الصريحة لا، لأن النظام التدريبي، والإدارة الفنية، ومستوى المنافسات الكروية المحلية أو الوطنية لا يمكنهم أن يطوروا إمكانياته ومهاراته وذكاءه، ناهيك باحتمال إهداره جزءًا من طاقاته في مهاترات بعض الأجهزة الإدارية المصرية، وقصارى ما يمكن أن يصل إليه لاعب كرة متميز نسبيًا، أن يغدو واحدًا من نجوم الكرة المحلية، وسرعان ما يتوارى ويصبح لاعب ضمن لاعبين آخرين يهدر جزءًا من وقته في اللغو الإعلامي الرياضي، ومع مديري الكرة والمدربين، وصراعات مجالس إدارات الأندية، أو مع لاعبين آخرين.

لماذا تحول محمد صلاح إلى أيقونة لدى المصريين؟

الإجابة البسيطة تدور حول إنجازه كلاعب محترف لديه مهارات وموهبة وقدرات ديناميكية في المباريات، من حيث المناورة والذكاء والخيال الكروي المنتج، وسيطرته على الكرة، وفي توجيهها، وتسديدها في مرمي الخصم وإحرازه للأهداف، ووصوله إلى المركز الأول بوصفه اللاعب الأكثر تهديفًا في الدوري الإنجليزي، وفي ارتفاع سعره -يطالب ليفربول بمبلغ 150 مليون جنيه استرليني للتنازل عنه- في السوق الكروي العولمي.

هذا النجاح لمحمد صلاح هو تعبير مكثف عن موهبته وكفاءته وخبرته وإرادته وخياله وخضوعه لنظام تدريبي وإداري مختلف، ولا علاقة له نسبيًا بما يجري في عالم كرة القدم المحلية، لأن هناك بعض اللاعبين الموهوبين والأكفاء يظهرون فجأة ثم يطويهم النسيان بعد ذيوع أسمائهم في الإعلام المرئي، والمكتوب وعلى ألسنة وهتافات المشجعين. محمد صلاح (مو) هو تعبير عن إمكانات وقدرات بعض المصريين الموهوبين والأكفاء عندما يتم وضعهم في إطار نظام كفء قائم على العلم والإدارة والتدريب وتنمية القدرات والمهارات، ويظهرون طاقات استثنائية من المواهب والقدرات. الأمر هنا لا يقتصر على كرة القدم وجمالياتها وتشويقها، إنما في عديد المجالات في العلوم الطبيعية، في المعامل/ المختبرات، ومثالها الأشهر أحمد زويل وحصوله على جائزة نوبل، وفي الهندسة والطب والعلوم الإنسانية في الفلسفة، والتاريخ، والآداب والفنون.. إلخ.

الموهبة والكفاءة مهمتان، لكن ليست كافيتين، إنما هما جزءان من نظام كامل قادر على تنمية الكفاءة وتطوير الموهبة واستثمار الذكاء. من هنا لا يمكن اعتبار محمد صلاح (مو) النجم الكروي العولمي هو ابن للكرة المصرية، كما قد يتبادر إلى الأذهان، إنما هو ابن نظام الكرة الأوروبية والأندية، والاحتراف ونظام التدريب والمهارات والخبرات الأوروبية، ودون ذلك لأصبح لاعب كرة محلي، أو معروف أفريقيًا إلى حد ما.

الميلُ الإدراكي الجماعي لنسبة نجاح (مو) إلى جنسيته المصرية، هو تعبير عن إحساس عميق في اللاوعي -ووعي بعضهم- بعدم الإنجاز الجماعي، ومن ثم التوق العارم إلى نجاح كبير يُنسب إلى الذات الجماعية المصرية، ويتم التماهي معه. من هنا يأتي هذا الوله والعشق والافتتان بشخصية (مو). ثمة سمات سلوكية تدعم هذا الحب الجماعي تتمثل في ذكائه وتواضعه وتهذبه ومحبته لبلده، وسلوكه الخيري في بعض تبرعاته إلى المحتاجين من أهل قريته.. إلخ.

من هنا يبدو لي أن تجمع واهتمام الملايين بمحمد صلاح هي تعبير عن تطلعهم إلى نجاح ما، وأداء مشرف، يعطي الأمل في إمكانية خروج مصر والمصريين من مشكلاتهم الاجتماعية والاقتصادية، ومن حالة الاضطراب والغيوم التي تحيط بأدائهم العام في أعمالهم، وفي إصلاح سلوكهم الجماعي، ومواجهتهم لانفجار قيم العنف والمخاتلة ورغبتهم الجماعية في مكافحة فعالة للفساد في الوظيفة العامة. إنها محاولة سوسيو-نفسية -في اللاوعي وبعض الوعي الجماعي- للتحرر من أثار الفشل ولو لبعض الوقت أو نسيانه.

إن نظرة على نجاح (مو) تشير إلى أن المشكلة في السياقات والنظم الاجتماعية التي تتسم بالاختلال والفوضى وعدم الانضباط، وكبح المواهب، واستبعاد الكفاءات، واختلال القيم وأنماط الخلل في السلوك الاجتماعي والوظيفي/ الإداري. إن حالة (مو) تشير إلى أن هناك مواهب وكفاءات مصرية ونموها وتطورها رهين بالبيئة الحاضنة للمواهب ورعايتها. من هنا تبدو بيئة الفوضى وكراهية المواهب طاردة لها خارج البلاد لمن استطاع إلى الهجرة سبيلا. إن دروس تجربة ومسار محمد صلاح تحملُ عديد الدلالات، وعلى رأسها ضرورة فرض الأنظمة الإدارية والفنية المتطورة القادرة على حفز الكفاءات وإنمائها وتطويرها وتقديرها كي تستطيع تقديم أفضل ما لديها من إمكانات وقدرات تتجاوز حدود المحلية/ الوطنية إلى آفاق إنسانية رحبة.