loading...

مقالات

وداعا مقهى كوستا البيروتى!

وداعا مقهى كوستا البيروتى!


​بيروت مدينة ساحرة، هذا الوصف قد يبدو عاديا ومستهلكا ويطلقه بعضهم على عديد من المدن تعبيرا عن عشقهم لعاصمة ما أو مدينة أو حى أو شارع أو مقهى داخلها، لكن عندما يقال هذا النعت على بيروت يسترد هيبته وجماله وذاكرته الأولى، ويعود السحر حالة من الواقعية المتداخلة مع ما فوق الواقعية، وذلك على الرغم من تحولات المدينة الاجتماعية والمعمارية. ثمة سر ما يجعل هذه المدينة حاملة لشغفها الخاص، وعندما تمر بأحيائها وشوارعها الرئيسة ومقاهيها تجدها قد استردت بهاءها وذاكرتها وبدا أمامك ظل أجيال عاشت وعبرت مساراتها وأبدعت حياة المدينة. جمال المدن ومقاهيها وسحرها وألقها قد تكتسب من الجغرافيا وحركة البشر فى إطارها، ومن إنتاجهم الثقافى والجمالى والرمزى، أو نمط معاشهم الذى صاغوه عبر الزمن. من هنا يتداخل التاريخ مع الذاكرة الجمعية، والبشر، والجغرافيا، والأمكنة الحاملة لثقافة المدينة والمكان والإنسان. الذاكرة الجمعية حول الأمكنة تدور حول الأحياء والشوارع والمقاهى، وداخلها أيضًا حول الأماكن الأثرية والمنازل، والقصور، والأبنية العامة، والتماثيل فى الميادين أو فى الشوارع الحاملة لإبداع الفنانين حول شخصيات عامة لعبت دورا مهما فى حياة المدينة والشعب على الصعيد الوطنى فى إطار حركة الاستقلال، أو فى تأسيس الدولة أو تطور نظامها السياسى. تماثيل المدن والأحياء والشوارع تشير إلى أحداث تاريخية فارقة فى حياة الشعب، أو إلى شخصيات سياسية أدت أدوارا بارزة فى تطور الجماعة السياسية، أو فى ترسيخ المعانى الكلية والجامعة حول قيم المواطنة والمساواة والتعايش المشترك، أو دور بعضهم داخل جماعة أو طائفة كما الحال فى بعض المناطق اللبنانية. 
ليست التماثيل وأسماء الشوارع والميادين قصرًا فقط على الزعماء والسياسيين، وإنما هناك التماثيل والمنحوتات والجداريات التى تشير إلى بعض المبدعين البارزين فى تشكيل وجدان وأحاسيس ومخيلة المواطنين فى الموسيقى والغناء والشعر والرواية والفنون الجميلة، أو مفكرين أسهموا باقتدار فى إنتاج الأفكار والمعانى الكبرى التى ألهمت أجيالا وطورت من الوعى الجمعى، وأسهمت فى تطور ثقافة الشعب. 
التماثيل فى الميادين رموز ومحفزات للذاكرة وتضفى على الأمكنة سحرها وجمالها الفاتن وسحرها الخفى الكامن فى المسارات الحية للمدينة والكامنة فيما وراء المنحوتات. بيروت سحرها وجمالها الفاتن لا يكمن فى الجغرافيا أو فى منازلها ومقاهيها فقط، وإنما أيضا فى نمط معاشها الجمعى المتعدد، والعيش المشترك بين اللبنانيين متعددى الأديان والمذاهب والأفكار والطوائف، الجميع يتفاعلون معًا فى المدينة وأحيائها وشوارعها ومقاهيها، فى نمط من الحياة الجماعية بها مساحات من الحرية تبدو نادرة فى عديد من المدن العربية الأخرى. بيروت عاصمة مفتوحة عن سعة للوافدين إليها من بلدان أخرى. هى مدينة محمولة على التحديث والحداثة المبتسرة، والانفتاح الثقافى على عالمها، ومن ثم تبدو تاريخيا قادرة على الاستيعاب والهضم والتمثل الثقافى، وعلى الجمع بين روحها الخاصة وذاتيتها الثقافية وقدرتها على الانفتاح الضارى على ثقافات العالم. هى قدرات وملكات اللبنانيين ومواهبهم على الحياة فى التعدد وفى سياق التناقضات والتعامل الخلاق معهما.

سحر المدينة والشغف بها ليس قصرًا على البيروتيين واللبنانيين، وإنما غالب من مروا عبر بوابات المدينة وشوارعها ومقاهيها وفضائها العام وحيويته وتعدديات الخلاقة رغم النظام الطائفى. مقاهى بيروت وشارع الحمرا تعد أهم مساحات الحيوية والعيش المشترك والتفاعل الإنسانى داخل الفضاء العام مثلها مثل المقاهى فى المدن العربية الكبرى القاهرة، وبغداد، ودمشق التى شكلت تاريخيا علامات على الخروج من الفضاء/ المجال الخاص إلى رحابة الفضاء/ المجال العام فى عديد مجالاته السياسية والاجتماعية والثقافية. من هنا لعبت المقاهى أدوارا مهمة فى التفاعلات بين "المواطنين" على تعدد انتماءاتهم الاجتماعية والسياسية، وذلك من خلال النقاشات، واللهو والمسارات المشتركة. بعض المقاهى فى المدن العربية لعبت أدوارا سياسية مهمة فى الحركة الوطنية والفكرية، ومنها مقهى متاتيا الذى كان يقع وراء دار الأوبرا المصرية التاريخية فى القاهرة، حيث كان يجلس جمال الدين الأفغانى وصحبه وتلاميذه ومعهم الإمام محمد عبده يوزع السعوط -الدخان- بيمينه والثورة بيساره، وفق وصف أحمد بهاء الدين الذائع.

تداعت متاتيا وهدمت مع مبناها وكذلك دار الأوبرا، ولا يزال المكان وذاكرته يحملان تاريخها الثقافى والسياسى فى التاريخ المصرى الحديث. المقاهى اللبنانية والمصرية تمتد أصولها التاريخية ونشأتها إلى الأصول الفرنسية والأوروبية. بعض المقاهى ذات الدور الثقافى تبدو بارزة فى تاريخ مدينة باريس التى لعبت دورا مهما فى الحياة الفرنسية الثقافية كمقهى الفلور أو الديماجو فى حى السان جيرمان، حيث كان يجلس جان بوك سارتر وسيمون دى بوفوار والوجوديون، ومقاهى المونبرناس التى شهدت الحركة السوريالية التى رادها أندريه بريتون.

المقاهى الباريسية الشهيرة ولدت بها الوجودية والسوريالية والدادائية، وكانت أمكنة للحوارات بين المثقفين البارزين الذين أسهموا فى تشكيل بعض من سحر باريس ضمن موروثها الجمالى والرمزى والسياسى والتاريخى.

هذا الحديث عن سحر الأمكنة وذاكرتها وبعض تفاصيل الحياة والعبور من خلالها، هو ما تثيره بيروت عموما فى الذاكرة والوعى، لا سيما بعد إغلاق مقهى الكوستا بشارع الحمرا مؤخرًا، وهو ما يعيد إلى الذاكرة الدور الثقافى الذى لعبته بيروت ومقاهيها فى الحياة الفكرية العربية المعاصرة التى تحولت خلالها إلى المطبعة والناشر الأبرز للإنتاج الفكرى المميز للمفكرين والمثقفين والصحفيين العرب البارزين، لا سيما الكتابات الأكثر جرأة وشجاعة والتى رحلت أو تم تهريبها من مدن وبلدان عربية أخرى، ساعية وباحثة عن مساحات من الحرية كى تتنفس من خلالها الكلمات، وتجد طريقها للحياة من خلال دور النشر متعددة التوجهات السياسية والفكرية فى بيروت منذ نهاية عقد الخمسينيات حتى أوائل الثمانينيات من القرن الماضى، من هنا ذاعت مقولة أن القاهرة تكتب، وبيروت تنشر، وبغداد تقرأ، هذه المقولة فيها ظلم للمثقفين اللبنانيين الذين كانوا يقرؤون ويؤلفون عديد الكتب المهمة. لم يقتصر دور بيروت على نشر الكتب وإنما لعبت الصحافة اللبنانية دورا مهما فى نشر المقالات، والدراسات التى لا تجد لها سبيلا للمرور عبر حراس البوابات فى الصحف العربية الأخرى لأسباب سياسية.

بيروت ومقاهيها التاريخية فى شارع الحمرا شكلوا حالة اجتماعية كفضاء للعيش المشترك بين المثقفين والصحفيين من أديان ومذاهب وطوائف واتجاهات سياسية، ومن ثم كانت فضاء ثقافيا متميزا من الحوارات والجدل بين الأفكار والمذاهب السياسية، واستطاعت المدينة ومقاهيها ومثقفيها أن توظف مناخها التعددى فى استقطاب اهتمام وولع المثقفين العرب بها، واستثمار مناخ القمع والتسلط السياسى فى عديد البلدان العربية.

فى قلب هذا المناخ التعددى، لعبت المقاهى البيروتية دورا مهما كرئة ثقافية لحرية الفكر والتعبير، لا سيما قبل الحرب الأهلية اللبنانية، حيث كانت مقاهى الحمرا الشهيرة بمثابة مراكز ثقافية وعلى رأسها السيتي كافيه، ولو بارى، والموتكا. مع الحرب الأهلية تغير كثير من أحوال المدينة الجميلة الساحرة ومقاهيها، خاصة مع هجرة أعداد كبيرة من المثقفين والصحفيين اللبنانيين والعرب إلى باريس ولندن، وإلى بعض المدن العربية كبغداد، وعواصم بلدان الخليج والسعودية، وبقيت بيروت ومقاهيها فى ذاكرة غالب هؤلاء، علامة حاملة لسحرها المعلن والخفى. في المهجر الباريسي تحولت بعض مقاهى السان جيرمان، وحول جامعة السوربون إلى أماكن لقاء وحوارات المثقفين العرب من المشرق والمغرب، وكانت مرحلة للتلاقى بين المنطقة المغاربية والمشرق العربى، وتشكلت من خلالها علاقات وحوارات بين المثقفين، وتفهم أكثر لبعضهم وبعض، ولمشكلات وخصوصيات بلدان كل منطقة ودولها ومجتمعاتها.

شكلت مقاهى السوربون والسان جيرمان أحد محركات تبادل الوعى الجمعى والشعور العربى المشترك وللخصوصيات التى تميز الثقافات العربية ومناطق الوحدة الجامعة بين بعضها وبعض.

مع نهاية الحرب الأهلية اللبنانية، وعودة بعض المثقفين والصحفيين من المهاجر الأوروبية، لا سيما باريس، إلى بيروت، عادت الحياة والحيوية إلى مقاهى شارع الحمرا كانت السيتى كافيه قد أغلقت، وتراجع المثقفون عن الجلوس فى مقهى لوبارى، واستمرت الموتكا مقرا لبعض الصحفيين والمثقفين، وظهرت بعض المقاهى الجديدة على النمط الأمريكى ومنها مقهى كوستا. أخذ بعض المثقفين يتحول إلى كوستا مع إغلاق الموتكا وتحول قلة قليلة مع بعض السياسيين إلى السيتى كافيه -خارج شارع الحمرا- التى تميزت بالأناقة الباريسية، واللوحات الأصلية لبعض الرسامين اللبنانيين على حوائطها وارتفاع أثمان خدماتها. غزت الأمركة مقاهى ومحلات الشارع الشهير التى تبيع السلع الصينية الرخيصة الثمن. تقلصت المقاهى على النمط الباريسى التى وسمت تاريخ الشارع وحياته وذاكرته، وتحولت الكوستا -على النمط الأمريكى- إلى مركز هجرة بعض المثقفين اللبنانيين والعرب الأخير، يتقابلون بمواعيد أو بدونها، وتأسست محلات ومقاهٍ جديدة تغير من وجه الشارع الشهير وشوارعه الفرعية، خاصة مع انتقال صحيفة النهار إلى وسط المدينة، ثم إغلاق صحيفة السفير وبروز أزمات الصحافة اللبنانية المالية وعسر تكيف بعضها مع التغيرات الرقمية والاقتصادية والسياسية فى الإقليم.

ما حدث لمقاهي المثقفين والصحفيين في شارع الحمرا، تم في بعض حانات ومقاهي باريس كما يذكر آلان فونتان صاحب مقهى "لومستوريه" ومؤسس حركة "حانات وشرفات باريس" أن حانات ومقاهي مدينة النور قبل ثلاثين عامًا كانت تمثل نصف مطاعم المدينة، لكنها تراجعت إلى 14% مع انتشار -سلاسل الوجبات السريعة وأكشاك المشروبات والمأكولات. (رويترز - الأهرام 24 يونيو 2018، ص 17). غالب التغيرات، جاءت نتيجة نمط الأمركة، ومحلات الوجبات السريعة، والمقاهي على النمط الأمريكي مثل سلسلة كوستا، بديلا عن نمط المقهى الفرنسي الشهير. ومقاهي المثقفين والصحفيين وطاولاتها وكراسيها وحوائطها تحملُ في أعطافها وظلالها ذاكرة المكان التي أسسها الكتاب والروائيون والشعراء والمثقفون والسياسيون الذين عاشوا جزءًا من حياتهم ونقاشاتهم وسجالاتهم في بعض المقاهي الشهيرة في باريس، وبيروت، والقاهرة وبغداد ودمشق، وكثيرًا ما سافر بعض المثقفين والمبدعين "سفر طويل في الغروب نحو الأبدية" وبقيت أسماؤهم رموزًا على الأمكنة والمقاهي.

ها هى أخيرا الكوستا الخيمة الأخيرة لبعض المثقفين تغلق، ومعها كالعادة تتدفق مشاعر الحزن العميق، واستعادة الذكريات، ودخلت مع السيتى كافيه، ولوبارى والموتكا إلى تاريخ المدينة الجميلة والشارع الشهير، والسؤال إلى أين سيذهب المثقفون؟ 
من سيكتب منهم تاريخ المقاهى والأمكنة التى شهدت حواراتهم وأسئلتهم وميلاد أفكار كتبهم أو أشعارهم ودراساتهم ومقالاتهم؟

وداعًا مقهى كوستا.