loading...

مقالات

سرقات صيفية

سرقات صيفية


كان هناك تقليد راسخ ومتداول بين بعض الأفراد المنتمين للمجتمع الثقافى عند بداية تعرفى عليه فى نهاية الثمانينيات، ألا وهو سرقة الكتب، التى كانت محللة ومشروعة. لا أعتقد بوجود هذا التقليد فى جماعات ثقافية من الأجيال السابقة على السبعينيات، ربما كان يعبر بأجوائهم دخان الحشيش أو المشروبات الروحية بوصفهما نوعا من الممارسة المشروعة.

***

عندما كنت أرى كاتبى المفضل، توفيق الحكيم، يعب كؤوس النبيذ واحدًا بعد الآخر وهو فى باريس؛ كنت أشعر، وأنا مراهق، بالحزن له، وأحاول أن أتغاضى وأقفز سريعًا على تلك المشاهد التى يحكيها، وهو يشرب النبيذ، كى لا تترك أثرًا يعكر علاقتى الروحية به. كنت أتعامل مع كؤوس النبيذ كتقليد يمارسه ولكنه منفصل عن الجسم، وليس عضوًا أصيلًا فيه، وأن هذه الكؤوس مملوءة بالماء، لا الخمر، كما يحدث فى الأفلام. 

لا أعرف بدقة، هل ظهر الحشيش فى روايات وأدب الأربعينيات والخمسينيات والستينيات كتقليد مشروع تمارسه الجماعة الثقافية، ويمكن التسامح معه وبدون إدانة مباشرة أو عاقبة تلحق بها، كما حدث مع الخمر؟ مع سيد درويش ظهر الكوكايين كسلوك مجرَّم اجتماعيًّا. وفى الستينيات مس الأجواء المحيطة بأم كلثوم وطربها وهواء حفلاتها دخان "الحشيش الحلال"، تحت سطوة هذه المتعة الأكبر، كأنها الضرورات التى تبيح المحظورات. ظلت أزمنة الضرورة ممتدة، بينما اختلف المؤثر من المتعة للاستهلاك للثورة للعدم. ربما لم يظهر الحشيش بهذه القوة فى حضوره داخل الطبقة المتوسطة المثقفة، إلا مع نجيب محفوظ فى رواية "ثرثرة فوق النيل" ولكن كأحد آثار الهزيمة الروحية التى مست المجتمع بحاله، ثم انتقل لباقى الكتاب فى الأجيال اللاحقة، باختلاف هموم الطبقة التى تمنحه صفة الضرورة، وبالتالى المشروعية.

***

لا أعرف متى نشأ تقليد "سرقة الكتب"، وسط هذا الفصيل الثقافى، وظل سارحا حتى الثمانينيات والتسعينيات؟ كان هناك متخصصون فى السرقة، ينتظرون المعارض الجماعية، وفى ذاكرتهم قائمة بالكتب الهامة، كتبها لهم أصدقاء أقل جرأة، ليقوموا بتنفيذ مهمتهم وسط ضوضاء وصخب المعرض. كانوا يؤدون مهمتهم بحرفية تامة، ويخرجون بموسوعات وأعمال روائية كاملة، بل وقواميس، ومراجع علمية، حسب الطلب، وهو التحدى الأكبر كون الكتب المسروقة عبارة عن سلسلة ضخمة لا تكتمل إلا أن تكون باكتمال أجزائها. فكانت سرقاتهم مثل الأعمال السحرية التى تظل تتردد فى مجالس المثقفين ومقاهيهم. 

ثم يقوم هؤلاء ببيعها بسعر مخفض جدا، ربما هو ثمن هذه الجرأة فقط ولا غير. وأحيانا يهدونها بلا مقابل لمن يحتاج إليها من الباحثين أو الشغوفين بالقراءة، تماما مثل روبين هود الذى كان يسرق من الأغنياء ليعطى الفقراء. الغنى والفقر كانا فى المعرفة. عندما سُئل الكاتب الفرنسى جان جينيه الذى لم يترك ذنبًا اجتماعيًّا إلا واقترفه، بواسطة القاضى الذى حاكمه بسبب سرقة الكتب، "هل تعرف ثمن الكتب التى سرقتها؟ فقال له: لا، ولكن أعرف قيمتها". القيمة أكبر من الثمن، ولكن الثمن هو الذى يسجن القيمة، فيجب القضاء على الثمن، إلغاؤه، بسرقته لتتحرر القيمة. هكذا كان ينظر جان جينيه. 

***

كانت هناك مكتبات ودور نشر تسيطر على هذه الكتب القيمة غالية الثمن، فى ثمانينيات وتسعينيات القاهرة، سواء الصادرة فى مصر أو فى لبنان. كان أحدهم يخرج كل سنة بخسائر فادحة نتيجة هذا التسريب اليومى الذى لا يقاوم من مكتبته، وثراء العناوين التى يعرضها. كان صاحب دور النشر هذه له فرشة كتب أمام مكتبته، لو اقترب منها أحد ولمس أى كتاب يجد أكثر من مخبر متخفٍّ فوق رأسه، فوسواس السرقة أصاب كل العاملين هناك. فى إحدى المرات، وبعد أن وثق فىَّ هذا الناشر وفى اختياراتى للكتب التى أقوم بشرائها، سمح لى بأن أدخل بدروم إحدى العمارات المجاورة التى كان يتخذها مخزنًا له. شعرت بالانبهار الشديد الذى أصابنى بدوار المتعة المعرفية. مساحة مفتوحة كلها ملآنة بالكتب. كلها كتب ثمينة ولها رائحة مستوردة من المغرب ولبنان وتونس وقبرص ولندن وباريس، كأنها مغارة على بابا، انفتحت على جواهر ولآلئ فوق طاقتى على الاحتمال. أتذكر فى ذلك اليوم، فى منتصف الثمانينيات أنى اشتريت فقط، من قوة الدوار، رواية "فقهاء الظلام" لسليم بركات بستة جنيهات.

***

بعد عدة تحولات عميقة مرت بى، بدأت أجرب ذاتى الجديدة وأستحل هذا السلوك. كنت أبحث عن "أخلاق جديدة" ضد أخلاق الطبقة المتوسطة المحافظة، كما كنت أعتقد وقتها. كنت ضد أى قانون أو فكرة لها وجه واحد فقط. كانت الأفكار والتقاليد لها وجهان، ووجهان فقط، كالشىء ونقيضه. كان هذا الوجه الآخر، أو النقيض، هو الطريق المتاح وقتها لاكتشاف وتثبيت هذه الأخلاق. الحب/ الكره، الإخلاص/ الخيانة، وإلى آخر تلك الثنائيات التى لا تنتهى بانتهاء أعمارنا. وهو الشىء الذى ستثبت خطأه الحياة، أن أى فكرة، أو مبدأ، أو سلوك، أو تقليد؛ له أوجه عديدة للغاية ولكن فى البداية لا يظهر سوى هذين الوجهين الخالدين، وعلينا فى حياتنا أن نكتشف بالتة التنوع اللونى فى الأخلاق والتقاليد والحب والمبادئ، ليكون لحياتنا هذا المذاق الخاص. 

***

كانت هناك مكتبة تبيع الكتب القديمة بالإسكندرية، عرفنى عليها أحد الأصدقاء الخلصاء للقراءة. كان بها كلاسيكيات الفلسفة والأدب والشعر، وأحيانا تجد بها كتبا حديثة لها عناوين جذابة حداثية تساير توقى لهذا النوع من المعرفة التى لم تكن معروفة فى مصر وقتها، أو محصورة فى نطاق ضيق للغاية. كان هذا الوقت بداية لتعثر الثقافة فى مصر وظهور هذا التعثر واضحا على نوع الكتب المعروضة فى الأسواق والمعارض والأفكار المنتجة.

كان "عم كمال"، صاحب المكتبة، محترفا فى صيد هذه النوعية من المكتبات التى يبيعها أصحابها إما بسبب الموت، أو اليأس من المعرفة، وقد كان المناخ فى ذلك الوقت مهيأ لليأس عن أى شىء آخر. عند أى زيارة له أشترى كتابين أو ثلاثة أو أربعة، وأخرج بمثيلها، تحت ملابسى، أو أدسها فى الحقيبة الصغيرة التى لازمتنى لسنوات طويلة وحتى الآن. لم أكن أشعر بأى ذنب من سلوكى هذا، وربما هذا ما بثَّ فىَّ شعور الانتصار من نجاحى فى تثبيت أول أساسات هذه الأخلاق الجديدة التى كنت أبحث عنها، وانحرافى بمسافة عن أخلاق هذه الطبقة المتوسطة الغارقة فى الإحساس بالذنب! 

كنت أجرب نفسى فى مكان جديد. وطورت مهارتى ونفذت المهمة فى مكتبة فاخرة مثل القلعة الحصينة، يكثر فيها عدد المراقبين عن عدد المشترين، وليست آمنة مثل مكتبة "عم كمال" التى كان يتركنا داخلها دون رقابة، ويجلس يدخن الشيشة المعسل على الباب، غير مبال بفئران الكتب الذين يرتعون داخل مكتبته. كنت أشك أحيانا، بسبب تساهله فى مراقبة المكتبة، بأنه يعرف كل شىء، ولا يبالى.

***

فى إحدى المرات كان بصحبتى صديق من ذوى البعد الأخلاقى الواحد، لم يصدق ما رآه بأم عينه، كان يسير بجانبى بعد خروجنا من المكتبة صامتا، كأن لدغته حية. كان يحاول بصمته هذا لا أن يشعرنى بمحاولة تفهمه لتصرفى، بل ليستفز عندى الذنب ويلفه حول عنقي. كان يقف فى ضفة، وأنا فى ضفة أخرى. ما زالت هذه القسمة وهذه المسافة موجودة حتى الآن بين الضفتين، بالرغم من تغير مواقفنا تجاه الحياة، بعد أن اكتشفت العديد من الألوان للأخلاق المتباينة، ولكن ظلت هذه المسافة ثابتة لم تتغير.

***

فى تلك السنوات لم نجرب هذه الأخلاق الجديدة خارج ملكية الكتب، والعلاقة مع المرأة أو الأصدقاء. وجميعها أماكن حميمة ستجرح فيها نفسك لتتعلم. لا أعرف متى أقلعت عن هذه العادة، أو التقليد، ربما مللت منها، وحلت أشياء أخرى، ونسيت فكرة "الأخلاق الجديدة" تماما. 

***

فى تلك السنوات ترك "عم كمال" مكانه القديم، وأخذ مكانًا جديدًا فى شرق المدينة. كنت أزوره باستمرار وأشترى منه الكتب بالثمن الذى يحدده هو، والذى أعرف تمامًا أنه مغالٍ فيه. كنت أريد أن أسدد هذا الدين القديم بدون أن يعرف. تسويات تحدث بدون اعتراف. أشعر بأن أخلاق أى فرد قابلة للتحول، للتقدم والتراجع والكمون، ثم التفتح. وقد يبحث عن مصالحة قد لا تكون سريعة ويطول أمدها، لأن عمره قصير، ولأنه ليس مثالًا ومجسدًا لفكرة واحدة مهما كانت قوتها وعدالتها. أما الجماعة فهى التى لها الحق فى أن تسير للأمام بدون مراجعات، لأنها ستتحمل أى عودة مستقبلية للإحساس بالذنب. وعند هذه اللحظة لن يجد الذنب شخصا بعينه ليتلبسه. كأن هذه الجماعة، باتفاق مسبق، تقتل هذا المجرم/ المذنب داخلها فى الوقت نفسه. الجماعة يحق لها أن تكون مثالًا، وليس الفرد.