loading...

مقالات

فيها حاجة غلط

فيها حاجة غلط


تعجب الرجل الذى أخذ طفلته الصغيرة فى نزهة إلى حديقة الأسماك عندما اكتشف أنها خالية من الكائنات البحرية، ولا يتناثر بها سوى بضعة أزواج من العشاق الذين يسبحون فى بحار الحب خارج أحواضها الزجاجية الفارغة. بعد ساعات من اللف والدوران، وبصعوبة بالغة تقصم ظهر حوت العنبر العملاق، اكتشفت الطفلة وجود سمكة بلطى وحيدة تتسمر قرب القاع فى حوض ربع مملوء يختفى بعيداً عن أعين الزوار.

هتفت الطفلة بنصف لسان: "بابا فيه ثمكة واحدة بث ف الجنينة دى بحالها؟". سألها الأب مبتسمًا: وتفتكرى ده معناه إيه؟ أخذت الطفلة تفكر مليًّا ثم قالت وعلى وجهها شعور هائل بالأسى والأسف: معناه إنها وحيدة وحزينة قوى. ابتسم الأب بحنان بالغ واحتضنها قائلاً بمرارة: لأ، معناه إن فيه حاجة غلط قوى. 

قال رجل شيك لرفاقه من البهوات الجالسين فى حديقة النادى: كل فئة فى المجتمع تحاول أن تحمى نفسها وهذا من حقها. ابتسم الجرسون بمرارة وهو يضع أمامهم فناجين القهوة وأكواب المشروبات المثلجة. نظر له أحد البهوات مستفهمًا: مالك يا عم عبده؟ عايز تقول حاجة؟ رد الرجل الأشيب بحزن: بنتى ماتت من كام شهر وهى بتولد فى الإسبتاليا الأميرى. ما كانتش بتشتكى من حاجة خالص. كانت زى القمر وصحتها زى الفل.

تمهل ثم أكمل حديثه: وحتى لو كان عندها حاجة دى شغلتهم. مش فيه حاجة اسمها فحوص واختبارات؟ المهم قدمت شكوى في وزارة الصحة علشان أثبت الإهمال واخد لها حقها وحق ابنها اللى سابتهولى حتة لحمة حمرا. عملوا لجنة ولما رحت اسأل على النتيجة لقيت سكرتيرة بلغتنى برفض الشكوى وقالت لى بابتسامة ملزقة: ربنا يعوضك يا حاج. إيش فهمك إنت بس ف الطب والعمليات؟ اللى على البر عوام. فيه حاجة غلط.

رجل على المعاش ينفق يومه فى التحايل على ظروفه الاقتصادية المتعثرة بشتى الطرق. أعجبها أنه يملك فيزتين، يسحب نقودًا بالفيزا الأولى ثم يعيد سدادها قبل موعد استحقاقها النهائى بنقود يسحبها من الفيزا الثانية! يقوم بهذا منذ سنوات بحيث يستمر تبادل السحب والإيداع بين الفيزتين بلا أدنى مشكلة! حيلة بهلوانية ضمنت له استدانة ثروة صغيرة ينفقها بحرص لكى يتمكن من مواصلة العيش فى ظروف طاحنة، ويتمتع فى نفس الوقت بعدم سدادها.

لا تتعجب إن أخبرتك بأنه ينتوى استخدام تلك الحيلة وتبادل الاستدانة والسداد بين الفيزتين إلى أن تحين وفاته. فيه حاجة غلط.

أدمنت مشاهدة قنوات الحياة البرية منذ سنوات. المضحك أن أفلامها التسجيلية تعلق بذاكرتى وتمنح عناوينها لكثير من مشاهد الحياة اليومية بصورة أو بأخرى. حدث ذلك عندما استمعت لراقصة شهيرة ضخمة وهى تدلى برأيها فى أحد البرامج تعليقًا على ارتفاع أسعار المحروقات موجهة خلاصة حكمتها للمشاهدين: بطلوا بقى لف ودوران بالعربيات فى الشوارع على الفاضية والمليانة قبل ما تشتكوا من أسعار البنزين!

الغريب أن المذيع النابه ابتسم وقال لها: والله حضرتك معاكى حق! لم أفهم علاقة تقليل لف ودوران المدللين من أصحاب السيارات فى الشوارع بارتفاع أسعار السلع التموينية التى تتناسب طرديًّا مع ارتفاع سعر السولار! كيف لم تفهم تلك السيدة ومن استضافها أن الغلابة لا يملكون سيارات، ولكنهم سيستمرون فى دفع فروق ارتفاع أسعار نقل المواد الغذائية حتى لو قلل الأغنياء من استخدام سياراتهم؟ بعدها بلحظات تحولت إلى قناة ناشيونال جيوجرافيك وابتسمت عندما قرأت هذا العنوان على الشاشة: "ثدييات عملاقة". فيه حاجة غلط. 

طبعًا بلدنا فيها حاجة حلوة، كما تقول الأغنية الشهيرة. لكنها للأسف حاجة حلوة تسير دائمًا جنبًا إلى جنب مع حاجة غلط تتنمر عليها وتقمعها وتفسد أى فرصة للاستمتاع بها.