loading...

مقالات

أين نحن مما يجري حولنا في العالم؟!

أين نحن مما يجري حولنا في العالم؟!


أين نحن مما يجري في عالمنا في الفلسفة، وعلم الاجتماع، وفي العلوم الاجتماعية عمومًا، وفي مجال التقنيات الرقمية وتحولاتها السريعة وطفرات تطورها، وانعكاساتها على طرائق تفكيرنا وعلى لغتنا وسلوكنا الاجتماعي؟ كيف يفسر العلماء والباحثون، ما يحدث حولنا وداخلنا؟ ما الذي يحدث في العلوم الطبيعية؟ وفي مجال الذكاء الصناعي؟ ما الذي يحدث في مجال التنمية والتطور التكنولوجي المذهل في الصين والهند وكوريا الجنوبية، وسنغافورة، وماليزيا؟ كيف تطورت هذه الدول ومجتمعاتها، وبعضها بدأ معنا في عقد الستينيات من القرن الماضي، ما الذي حدث هناك، ولماذا تأخرنا عنهم؟

الأسئلة السابقة وغيرها هي أمثلة يطرحها هذا الغياب الذي يبدو للعالم الذي نعيش في سياقاته متأخرين، ويبدو غائبًا عن مناقشاتنا وكتاباتنا التي أصبحت مغرقة فى محليتها، بل إن ما يجري في الإقليم وفي المجتمعات العربية، يبدو غريبًا عنا، ولا نكاد نعرف عنه إلا بعض الأخبار عن الأزمات والحروب الأهلية، والمشكلات الاقتصادية والاجتماعية، ونكاد لا نتجاوز العموميات إلى عمق هذه المشكلات وتاريخها وجذورها وتحولاتها؟

هذه الحالة الفكرية تبدو عامة وشائعة في وسط النخب السياسية والاستثناءات محدودة. لا تكاد تسمع حديثًا أو حوارًا أو تقرأ مقالاً، بل وفي بعض الدراسات، ونجد هناك إشارة إلى ما يجري في عالمنا من تغيرات واتجاهات جديدة، وبين ما يجري داخلنا وحولنا من ظواهر أو مشكلات وهل هناك ارتباطات مباشرة أو غير مباشرة بها؟

من المثير للفكر أن هذه الظاهرة الفكرية والسياسية تبدو جديدة على الرغم من أن العالم يبدو عند أطراف الأصابع، وتتدفق المعلومات والأخبار من مختلف المصادر واللغات، وهناك وسائط وبرامج للترجمة الآلية من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية، ومع ذلك نجد اهتمامات بعض مستهلكي الأخبار والتعليقات والتغريدات على مواقع التواصل الاجتماعي، لا تهتم كثيرًا بما يجري حولنا وأسبابه، واحتمالاته، وإنما تدور التعليقات على بعض الأخبار المثيرة، أو الأخبار غير الدقيقة وتتدفق حولها ردود الأفعال.

إن نظرة على العالم الذي يبدو غائبًا حينًا أو غائمًا حينًا آخر في أحاديثنا، نجد أن ثمة تغيرا ما في نظراتنا وإدراكنا ورؤيتنا للعالم، منذ نهاية القرن التاسع عشر، كان العالم المتقدم موضوعًا للقراءة والدرس ومحاولات استلهام اتجاهات التقدم والتطور داخله، ومحاولة استيعابها وتمثل بعضها لدى بعض اتجاهات الفكر والعمل السياسي في بلادنا.

العالم وأخباره ومعلوماته وتغيراته في عديد المجالات باتت عند أطراف الأصابع على الهواتف المحمولة، ومع ذلك لا نكاد نرى أثرًا كبيرًا لما يجري حولنا في محاوراتنا وكتاباتنا، بينما كانت مصادر معرفة ما يدور في العالم -في الكتب والأبحاث والدراسات والمقالات- تبدو شحيحة وخاضعة للرقابة، وكان هناك ولع شديد ولهاث وراء كتاب ما أو مجلة ما لمتابعة وقراءة بعض أبحاثها، أو مقالاتها من المثقفين، ما الذي حدث؟

يبدو لي أن وراء هذه الظاهرة عديد الأسباب، وعلى رأسها ما يلي:

1- أن الضوابط المفروضة على المجال العام، وتمدد ظاهرة موت السياسة، وهامشية الأحزاب السياسية، وتراجع حريات الرأي والتعبير عن كل الاتجاهات الفكرية والسياسية في البلاد، أدت إلى وجود مشكلة تعبير تبدو شبه جماعية لا سيما لدى المتعلمين، على نحو أدى إلى تحول غالبيتهم من الواقع الفعلي وقيوده وضوابطه الثقيلة إلى الواقع الافتراضي وحرياته التي تبدو ظاهريًا وكأن لا حدود لها، وكأن لا رقابات عليها على نحو ما أدركه بعضهم لحالة الحريات الافتراضية، من هنا تحول الواقع الافتراضي إلى ملاذ للحديث عن الهموم والمشكلات والاهتمامات والرغبات والهوايات الشخصية.

تحولت مواقع التفاعل الاجتماعي إلى حالة من الانكشاف الذاتي، الذي يبدو في التعبير عن كل ما هو شخص، بما فيها ولع بعض مستخدمي شبكات ومواقع التواصل الاجتماعي بالبوح وتصوير الذات في حالات متعددة، والتعبير عن الأحزان في حال وفاة عزيز، أو الفرح في كل وقائعه ومصادره وحالاته. هذه الحالة من تمركز الاهتمام بالذات والآخرين حولها، تطورت مع الظواهر الاجتماعية الرقمية الجديدة وعلى رأسها الصداقات الرقمية، والجماعات الرقمية، والحب الرقمي، والجنس الرقمي، والألعاب الرقمية، وتحول المجال العام الرقمي ليشغل خيرًا زمنيًا من الزمن العام والشخصى لمستخدميه.

من هنا يبدو لي أن الحالة المصرية تحتاج إلى دراسة عينات مختلفة من مستخدمي فيسبوك وتويتر وإنستجرام والجماعات الرقمية، وتحليل خريطة اهتماماتهم وأولوياتهم واتجاهاتهم الأساسية، وتحديد نسب الشخصى من هذه الاهتمامات مقارنة بالقضايا العامة، ودراسة طبيعة ما يتم تداوله من أخبار ومعلومات حول ما يتم في العالم والإقليم ومدى دقتها.

من ناحية أخرى التحليل السوسيو-نفسي للخطاب الذاتي المشغول بالتمحور والتمركز حول هموم الذات. ثمة فرضية أساسية أن هناك حاجة نحو البوح والاهتمام بالذات، تعود إلى الرغبة في التحرر من القيود التي يفرضها الواقع الفعلي والعلاقات داخل الأسرة والعائلة والوظيفة، والضغوط الاجتماعية والسياسية، ورغبة الأشخاص في تحولهم إلى أفراد ذوي مشيئة وإرادة مستقلة، يهتمون بذواتهم ورغباتهم الشخصية.

من هنا يبدو التركيز على الذوات الطامحة للفردية وتحررها، يبدو مستأثرًا باهتمامات بعض مستخدمي الواقع الافتراضي ومواقعه ومجالاته ومن ثم لا يأبهون كثيرًا بما يجري في العالم حولهم من قضايا كبرى ولا يهتمون إلا ببعض الوقائع التي تدخل ضمن اهتمامات وذواتهم.

من ناحية أخرى يبدو أن وطأة وضغوط المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، تدفع الأشخاص إلى حالة من الإحباط بأن الإمكانيات المتاحة للخروج من هذه الوضعية تبدو صعبة المنال، ومن هنا تحدث حالة من الهروب من القضايا الكبرى التي تشغل عالمنا في السياسة والتكنولوجيا والأفكار، لأن الاهتمام بها يجلب الأسى والحزن، في ظل واقع غير موات للتقدم.

2- إن اهتمامات أجيال وراء أخرى من المثقفين -وبعض المتعلمين من المصريين- بما كان يدور في العالم الأكثر تقدمًا في أوروبا، وأمريكا، ثم الاتحاد السوفييتي السابق، كان جزءًا من شواغل واهتمامات النخبة المصرية المثقفة بسؤال لماذا تقدموا ولماذا تخلفنا؟

ومشكلات التحديث وإشكاليات الحداثة في الفكر المصري والعرب؟ كانت أسئلة وإشكاليات وجودية وعقلية وواقعية، ومن ثم كان الاهتمام الفكري بما يجري في أوروبا والغرب عمومًا بالغ الأهمية، إلا أن هذا الاهتمام تراجع مع تراجع مشروعات التنمية المستقلة وعدم تحقيقها لأهدافها، ومن ثم تمدد أنماط التفكير المحلي الطابع، والتركيز على المشكلات الداخلية، وتراجع النظرة المقارنة على المستوى العولمي أو مع تجارب تنموية ناجحة في جنوب شرق آسيا الناهضة حول الصين وكوريا الجنوبية وسنغافورة وماليزيا والهند.

3- تراجع مستويات تكوين النخبة المثقفة من الأجيال الجديدة، نظرًا لضعف مستويات التعليم وتراجعه، وهو ما أثر سلبًا على طرائق ومناهج طرح المشكلات المصرية في أطر مقارنة.

من ناحية ثانية: ضعف مستويات التكوين والخبرات السياسية للنخبة السياسية، نظرًا لموت السياسة وأساليب اختيار أعضاء النخبة السياسية -التشكيلات الوزارية والحزب الحاكم وأعضاء البرلمان- التي اعتمدت على الموالاة والطاعة للنظام وقياداته الرئيسة، ومن ثم لم تكن الخبرة أو الثقافة السياسية أو العامة جزءًا من معايير الاختيار.

من ناحية ثالثة: اعتماد النظام في اختياراته للمواقع العليا على المورد البيروقراطي وكبار الموظفين، والتكنوقراط من أساتذة الجامعات، وهؤلاء جلُ اهتماماتهم بوظائفهم في الجهاز البيروقراطي، أو في جامعات الأعداد الكبيرة التي انقطع صلة غالبها بما يجري في جامعات العالم من تطورات كبرى.

عالم يبدو أكثر تعقيدًا في تغيراته وصيروراته، ويحتاج إلى متابعات دءوبة ومتخصصة، لا سيما في التداخلات بين بقايا عالم الحداثة الفائقة أو العليا، أو ما بعد الحداثة، والتغير نحو ما بعدهما، حيث تنهار وتتداعى بعض ما آلفناه من أدوات للمقاربة والمصطلحات والمفاهيم التي كنا نستخدمها لفهم الظواهر الاجتماعية والسياسية، وبروز متغيرات جديدة، تحتاج إلى يقظة فكرية حتى نستطيع السعي لإبداع مقاربات ومسميات ومفاهيم قادرة على رصد التغيرات وفهمها وتحليلها.

من هنا تبدو مخاطر غياب العالم الذي لا يبدو حاضرًا في كتاباتنا ونقاشاتنا، وهي ظاهرة تؤثر سلبًا على وضع السياسات وإدارتها في كل المجالات، بل وعلى الوعي باللحظة التاريخية السائلة والمتغيرة، وعلى ثقافتنا وإبداعنا.