loading...

مقالات

عنبر العقلاء

عنبر العقلاء


نزلاء عنبر العقلاء يقتنعون تمامًا أنهم يحتمون بداخله من جحافل المجانين الذين تزدحم بهم المدينة. لحسن الحظ صارت المدينة بأكملها عنبرًا مفتوحًا للعقلاء ولم تعد هناك ضرورة لوجود عنبر للمجانين.

عندما تصير التكلفة الشهرية لذهاب الموظف البسيط إلى العمل والعودة منه بالمواصلات العامة، واستخدام شفرة حلاقة مرة واحدة فى الأسبوع على الناشف، دون شراء صابون لترطيب البشرة، أكبر من المرتب الذى يحصل عليه أو تتساوى معه، وقتها يصير القعاد فى البيت اختيارًا منطقيًّا إلى أن يفرجها الله عليه بعمل يتيح له تناول وجبة واحدة مشبعة فى اليوم على الأقل، بالإضافة بالطبع إلى الإنفاق على كل ما سبق ذكره من حلاقة ومواصلات، لأن السؤال البسيط الذى سيفرض نفسه هو: طالما ستتورط فى الحالتين فى الاستدانة أو التسول من أجل الحصول على الطعام فلماذا تجهد نفسك إذن فى أداء عمل يهدر وقتك وطاقتك بلا طائل؟

إجابة هذا السؤال توجد فقط فى عنبر العقلاء.

إذا كان تكرار الاستماع إلى النشيد الوطنى بمقدوره أن يصنع الانتماء بمفرده فلماذا تهدر الحكومات فى دول العالم المتقدم وقتها وجهدها فى الاهتمام بالصحة، والتعليم، وتحسين المشروعات الخدمية التى تدفع المواطن إلى المزيد من حب وطنه الذى يوفر له كل سبل الرعاية ليتمتع بحياة راقية؟ ولماذا لا تكتفى بإذاعة الأناشيد الحماسية فى مستشفيات تفتقر إلى أدنى مستويات الرعاية الطبية، وفى وسائل مواصلات مزدحمة متهالكة، وفى محلات غالية لا يقدر سوى المحظوظين على استهلاك بضائعها؟

إجابة هذا السؤال توجد فقط فى عنبر العقلاء.

إذا كانت عبارة "لو مش عاجبك سيب البلد وامشى" يتم توجيهها دائمًا على وسائط التواصل الاجتماعى لكل من يعترض على شىء مستفز لا يقبله أبناء الأوطان المتقدمة، أو عندما يطمح فى الحصول على معاملة كريمة تليق بآدميته، فلماذا إذن لا يوفر له من يقذفون فى وجهه بتلك العبارة تذكرة الطائرة، وختم الفيزا لبلد آخر يعجبه على جواز سفره، باعتبار أنه لن يتمكن غالبًا من تحقيق ذلك بمفرده، حتى لو توفرت له الرغبة، هو وغيره من المعترضين؟

إجابة هذا السؤال توجد فقط فى عنبر العقلاء.

لماذا يطالبك آخرون بأن تحب الشرطى حتى لو أهانك وضربك لأنه يحميك ممن قد يهينك أو يضربك؟

ولماذا يجوع فقير ليدفع ثمن فاتورة فادحة يورطه فيها المتخمون؟

كلها أسئلة لا توجد إجاباتها إلا فى عنبر العقلاء.

عندما تصبح المدينة بأكملها عنبرًا مفتوحًا للمجانين فلربما تحتاج مستشفى الأمراض العقلية بها إلى عنبر للعقلاء.