loading...

ثقافة و فن

يوسف وهبي في مذكراته: عشت مغامرات تفوق الخيال مع النساء

يوسف وهبي

يوسف وهبي



ملخص

"عشت مغامرات مع الجنس اللطيف تفوق حد الخيال، كنت أستجيب أحيانًا للإغراء والجمال في شيء من النهم".. يوسف وهبي في مذكراته "عشتُ ألف عام" الصادرة في أجزاء ثلاثة عن "دار المعارف" (1962).

يوسف وهبي.. عميد المسرح العربي، بدأ حياته الفنية في العشرينيات بأعمال مسرحية وسينمائية وإذاعية، حتى صار النجم الأول في الثلاثينيات والأربعينيات، بأفلام لاقت نجاحًا كبيرًا، منها "ليلى بنت الريف، ابن الحداد، أولاد الفقراء، الطريق المستقيم، سفير جهنم"، وغيرها، ورغم التراجيديا التي كان يؤديها ببراعة على شاشة السينما، إلا أن قلبه الكبير اتسع للعديد من النساء، فكانت له صولات وجولات مع الجنس الناعم، وكانت زوجته التي أحبها كثيرًا، السيدة سعيدة منصور، تتجاهل ذلك وتصفح وتنسى، لأنه كان يعود دائمًا نادمًا مستغفرًا.

ولد يوسف عبد الله وهبي يوم  14 يوليو 1898 في مدينة الفيوم، ونشأ في بيت أسرة من علية القوم، ذوي الشأن المادي والأدبي الكبير، تلقى تعليمه بالمدرسة السعيدية بالجيزة، ثم بالمدرسة الزراعية بمشتهر بالقليوبية، حيث كان الأب يرغب في أن يصبح ابنه مهندسًا زراعيًا، لكن عشقه التمثيل دفعه بعيدًا تماما عن هذا الطريق، ووسط دهشة عائلته كلها التحق بالسيرك للعمل كممثل، وهكذا انتقل من أعلى طبقة في المجتمع إلى أدنى طبقة، وهي طبقة "المشخصاتية"، التي لم يكن معترفًا بشهادتها أمام محاكم الدولة في ذلك الوقت، فقام والده بطرده من بيت العائلة، فهرب إلى إيطاليا لتعلم المسرح، ولكي يهرب من ملاحقة عائلته قام بتغيير اسمه إلى رمسيس، ولم يعد إلى مصر إلا بعد أن وصله خبر وفاة والده الباشا، والذي توفي وترك له ولأخوته ثروة كبيرة.

"عشت مغامرات مع الجنس اللطيف تفوق حد الخيال، راغبات في خلق علاقة مع ذوي الشهرة، وفضوليات متعطشات للتذوق والتجربة، فراشات تُغريها الأضواء ثم يتساقطن في أتون النار، لكنني كثيرًا ما كنت ضحية للمغريات، أنا لا أدعي أنني كنت قديسًا أو راهبًا أعيش في محراب أو متصوفًا في صومعة أو معصومًا من الخطأ والشهوات، لكنني كغيري أيام الشباب والفتوة كنت أستجيب أحيانًا للإغراء والجمال".. هذا ما ذكره يوسف وهبي في مذكراته "عشتُ ألف عام" الصادرة في أجزاء ثلاثة عن "دار المعارف" (1962)، عاش حياة غير تقليدية شديدة الصخب والثراء والتمرد، عاش في قصور فاخرة، وأيضًا قضى أوقاتًا في الشارع بلا مأوى، بل نام في عشش الفراخ، ورث رأسمالا ضخمًا وأضاعه ثم استرده ثم فقده، قامر وربح وخسر، انتصر وانهزم، عاش في الظلام وفي بهرة الأضواء، لكنه لم يسلم سلاحه ويغتر بالثراء أو يجزع من الإفلاس.

"شرف البنت زي عود الكبريت ما يولعش إلا مرة واحدة".. يوسف وهبي

علاقته مع صديقة والدته
"عشت ألف عام"، واحدة من أجرأ المذكرات الفنية وأمتعها في تاريخ الفن، خاصةً أنها تضمنت اعترافات عارية، بل صادمة أحيانًا، صاحبها امتلك الجرأة والشجاعة، لأنه يعترف بأنه أقام علاقة جنسية كاملة مع صديقة والدته، وهو لم يزل تلميذًا يافعًا في المدرسة، حسب الهيئة العربية للمسرح، ووفقًا لمقال للناقد إبراهيم العريس، في "الحياة" اللندنية (أكتوبر 2016)، فأن ما شطبه يوسف أثناء تنقيحه للمذكرات لا يقل جرأة بل يزيد عما ذكره.

قصة اتهامه بذبح فتاة في إيطاليا
يروي يوسف وهبي في مذكراته "عشتُ ألف عام"، قصة سفره إلى إيطاليا، أثناء الحرب العالمية الأولى، فبعدما مضى عليه ليلتين متلحفًا بالنجوم، وتدثر بالعراء دون وجود غطاء ثقيل من الصقيع، اتفق لهُ ممثل هناك على العمل في أحد بيوت الممثلات الثانويات، مقابل 100 ليرة، وهو مبلغ شهري زهيد، ويقول: "كانت فتاة جميلة، تُدعَى (كاترينا) ركبتُ معها العربة، وقلت لها إنني لم أتناول طعامًا، فأجابت بالإشارة إلى أن عندها ما يلزمنا، وكانت الفتاة تسكن بمفردها داخل منزل بسيط يوجد به أثاث أنيق"، واستمر عمله لدى الفتاة بالتوازي مع سعيه نحو حلم التمثيل في المسرح.

وفي إحدى الليالي قابل رجلًا من مصر، ولم يصدق نفسه آنذاك، ثم طلب الرجل منه الخروج للسهر في ليلتها، فذهبا إلى بار قديم، وهناك شربا النبيذ المعتق، وفي مطلع الفجر، عاد يوسف إلى المنزل الذي يعمل به، ولكنه وجد الشرطة تقف أمام الشقة، وعندما علموا أنه يسكُن مع "كاترينا"، صاح في وجهه المحقق، قائلًا: "أنت الذي قتلتها؟".

ويقول: "غمرني المحقق بوابل من الأسئلة لم أفهم لمعظمها معنى، فهبّ المحقق، وأمر شرطيًا قادني من ذراعي إلى غرفة كاترينا، ويالهول ما رأت عيناي، مشهد يشيب لهُ الولدان، الفتاة مذبوحة من الوريد إلى الوريد، ممزقة الثياب، تسبح في بحر من الدماء، بينما المحقق يردد (لا تحاول الإنكار، التهمة ثابتة ضدك)"، حينها لم يتمالك يوسف وهبي نفسه، وعندما سُئل عن طبيعة سكنه مع الفتاة، قال: "كانت تعمل معي ككومبارس في فرقة كيانتوني"، فصارحوه حينها بأنها كانت من بنات الهوى، وأن الشارع الذي توجد به الشقة، شارع مخصص للدعارة في ميلانو، لكن وهبي لم يكن يعلم عن ذلك شيئًا، وقضى في السجن 48 ساعة، وخرج بعدها من السجن بعد وقت عصيب، بسبب قرار الطبيب الشرعي أن ذبح الفتاة حدث خلال تواجده بالخارج.

الزيجة الأولى
في عام 1922 أثناء فترة الدراسة في إيطاليا حيث التحق بمسرح "إيدن" في ميلانو، ثم معهد التمثيل في روما، التقى بالممثلة الإيطالية إلينا لوندا، عاش معها قصة حب طويلة تكللت بالزواج، وكان عمره حينها 18 عاما، فاستطاعت أن تصقل مواهبه السينمائية، وانتقل من أدوار الكومبارس إلى الأدوار الثانوية، وبعد عودته إلى القاهرة ظهرت غيرتها الشديدة لارتباطه بعزيزة أمير التي تقاسمت معه أدوار البطولة، وظهرت معه في الموسم الرابع في فرقة "رمسيس"، ودخلت على يوسف وعزيزة المسرح شاهرة مسدسها بالقتل إن لم تغادر الأخيرة المسرح، وهكذا هربت عزيزة من المسرح بلا رجعة، في إثر ذلك، سافرت زوجة يوسف إلى جنوى، ومن هناك أرسلت إليه محاميًا يطالبه بنفقة، ولم يتردد في أن يرسل إليها وثيقة الطلاق بعد 4 أعوام زواج.

عائشة هانم
وفي باريس تزوج يوسف وهبي من عائشة فهمي، وكانت أغني سيدة في مصر وتكبره بستة عشر عامًا، ويقول في مذكراته: "استمر النجاح حليفنا ثم بدأت عوامل الغيرة تتكشف في خلق السيدة عائشة زوجتي لحد مراقبة حركاتي وسكناتي، وبعد أن كانت تُبدي مظاهر التشجيع لفني ومسرحي انقلب الحال، فأصبحت تضيق ذرعُا لانعكافي على التأليف والتمثيل والإخراج وحولت حياتي إلى جحيم لا يُطاق"، وانتهى ذلك بهجره منزل الزوجية فأرسلت إليه عائشة تعرض أن يعود إليها على أن تقتطع من أرضها الخصبة في صعيد مصر خمسمائة فدان تكتبها باسمه، ورفض وهبي وقام برحلة خارج البلاد عاد بعدها ليجدها رفعت عليه دعوى نفقة وأوقع محاميها الحجز على مدينة رمسيس، وما زالت تلاحقه حتى أشهر إفلاسه.

أمينة رزق.. حب من طرف واحد
صعدت الفنانة أمينة رزق لأول مرة على خشبة المسرح عام 1922 وهي في الثانية عشرة من عمرها، حيث اشتركت مع خالتها الفنانة أمينة محمد، والتي كانت تكبرها بعامين فقط، في الغناء مع الكورال، في إحدى مسرحيات فرقة علي الكسار بروض الفرج، ثم انتقلت للعمل مع فرقة رمسيس المسرحية التي أسسها يوسف وهبي 1924، فظهرت ممثلةً لأول مرة في مسرحية "راسبوتين"، وبدأ الاعتماد عليها في معظم الأدوار النسائية للفرقة، وارتبطت بالفرقة ارتباطًا كبيرًا، ومثّلت في أغلب مسرحيات العميد الذي ارتبطت به أستاذًا وفنانًا وممثلًا، ولم يتزوجها رغم حبها الشديد له، ولكنها لم تبح له يومًا بهذا الحب الذي رفضت من أجله الارتباط بأي رجل آخر، هذا الحب وصل بها إلى أن تنكّرت مرة في زي خادمة، لتلعب دور مرسال الغرام بينه وبين سعيدة منصور، وكانت حينها متزوجة، وظلت أمينة توصل لها رسائله الغرامية حتى تم طلاقها من زوجها، وتزوجها وهبي في النهاية، بينما هي ظلت حتى رحيلها دون زوج، ولُقبت بـ"عذراء السينما المصرية".

ووفقًا لكتاب "يوسف وهبي، سنوات المجد والدموع"، لصاحبته راوية راشد، فإن أمينة رزق، استأجرت أثناء أزمة يوسف المالية، شقة في حي المنيرة قريبة من القصر العيني، وفرشتها بأجمل الأثاث ليُقيم فيها، بعيدًا عن أعين المتطفلين، والحاقدين حتى تنتهي أزمته، وعلى الرغم من ذلك لم يتزوج وهبي من أمينة رزق، وكان يتعلل بأنها أعظم من أن يظلمها بالزواج.

وجد حب عمره يوم إشهار إفلاسه

"هذه عملية حسابية تحتاج إلى خبير في مسك الدفاتر، لكنني أحببت لأول مرة مبكرًا وقبل البلوغ وكان عمري ٨ سنوات.. يوسف وهبي ردًا على سؤال: "كم مرة أحببت؟"

يقول عميد المسرح العربي في مذكراته: "زوجتي سعيدة منصور هي حبي الحقيقي، والوحيد الذي أدركت أني في حاجة إليه بمقدار حاجتي للحياة، فهي أثبتت ذلك بالبراهين خاصة أنها أعادت إليّ مكانتي الفنية والاجتماعية التي كنت على وشك أن أفقدها، عندما تزوجتها كان يوم إشهار إفلاسي، وقفت هذه المرأة بجانبي وجعلتني أنسى أني في محنة، وشجعتني على العمل حتى ضاعفت ما ضاع مني، المرأة التي تحب حب حقيقي هي عناية من الله".

وبحسب ما نقلت الكاتبة لوتس عبد الكريم في كتابها "يوسف وهبي: السيرة الأخرى لأسطورة المسرح"، أنها سافرت معه وزوجته سعيدة إلى أماكن كثيرة في سويسرا وفرنسا ولبنان وإنجلترا، وذهبت معها لترى وهبي في حلبات السباق من باب الفضول، فكان لا يملّ من لعب القمار والرهان في سباقات الخيل والكلاب، وكانت تراقبه وهو يخسر الجولة بعد الجولة، ثم يكسب ثم يخسر إلى أن يخسر كل ما معه ويلعب بأموال زوجته، وفي سنوات عمره الأخيرة، كان لا يملك شيئًا من الثروة الكبيرة التي حققها، فكانت ثروة زوجته هي التي حفظت له مظهره حتى آخر يوم.

انتحار ابنة زوجته
الكاتب والناقد رمزي صوفيا يروي قصة لقائه بوهبي وإجرائه معه حوارًا صحفيًا عام 1954، ويقول في مقال له بجريدة "الأسبوع" (مارس 2016): "لمست خلال الحوار عظمة شخصيته وقوة حضوره، وكان ذلك عندما جاء إلى بغداد رئيسًا للفرقة القومية المصرية، وكانت معه في تلك الرحلة زوجته سعيدة هانم وابنتها من زوج آخر، وكانت الابنة فتاة رائعة الجمال في العشرين من عمرها، خضراء العينين، شقراء الشعر، ولها نظرات تفتك بألف رجل ورجل، جلسنا جميعًا على نفس المائدة لتناول طعام الغذاء بأحد أشهر مطاعم بغداد، وكانت الشابة تبدو كئيبة وحزينة رغم جمالها الآخاذ وشبابها الريان".

الناقد الفني شعر أنها تعاني من غدر حبيب، وبعد مدة نسج معها علاقة صداقة، حيث صارت تتصل به باستمرار وتحكي له كل شيء، وذات مرة تجرأ وسألها عن سر كآبتها الدائمة، فقالت: (أنا حزينة وأعاني من جرح في قلبي لن يندمل أبدًا، وهذا الجرح جعل حياتي عبارة عن جحيم حقيقي)، سألها عن السبب فبكت وأجابت: (لا أستطيع، كل ما أستطيع قوله إني كرهت الحياة وأتمنى مغادرتها قريبًا).. بعد يومين فقط فوجئ بخبر انتحارها، حيث سمع أنها سقطت من شرفة فندق سان جورج في بيروت، وانتشرت أخبار مفادها بأنها انتحرت لأنها كانت على علاقة غير شرعية مع زوج والدتها يوسف وهبي، وأنها كانت حاملًا منه، فخافت من الفضيحة وهربت من هذا العالم، ويعقب الناقد قائلًا: "لكن الله حق، وأنا شخصيًا طيلة عشرتي مع عائلة يوسف وهبي لم ألاحظ شيئًا كهذا، وكان يُدللها مثل الطفلة ويناديها بلقب ابنتي، وأنا مقتنع بأن كل ما راج بعد وفاة الفتاة شائعات خالية من الصحة، وحتى إذا كانت انتحرت فعلًا فلا شك إنها قد فعلت ذلك مع رجل آخر وليس زوج والدتها يوسف وهبي".

وتوفى عميد المسرح العربي ومبعوث العناية الإلهية لإنقاذ الفن يوسف وهبي، كما وصف نفسه في مذكراته، في 17 أكتوبر عام 1982، بعد دخوله لمستشفى المقاولون العرب إثر إصابته بكسر في عظام الحوض نتيجة سقوطه في الحمام، توفي أثناء العلاج إثر إصابته بسكتة قلبية مفاجئة، بعد حياة حافلة بالإبداع.