loading...

ثقافة و فن

«التعري مش حرية شخصية».. الفنانون وتجاوز الخطوط الحمراء

رحمة حسن - شيري عادل

رحمة حسن - شيري عادل



ملخص

يميل الفنان للتحرر، والخروج على العادات الثابتة، وقد يتسبب الأمر في مشاكل له، وهو ما حدث في وقائع مختلفة مؤخرًا، تجعلنا نتساءل عن حدود الحرية الشخصية للفنان؟

«الصلة بين الإبداع والحرية كالرابط بين المقدمة والنتيجة، بين الغذاء والكائن الحي، بين الأم ووليدها، فإذا كان الإبداع عطاءً جديدًا نافعًا في ميدان إنساني ما، فهذا العطاء وذلك الثراء للحياة الإنسانية فضاؤه الحرية، الإبداع الحر لا ينبع إلا من الذات الحرة، من النفس التواقة، المغرمة بالكشف عن المجهول وتجاوز المعلوم، في حين أن الحرية مثل الفن، مفهوم لا يمكن، ولا ينبغي، أن يعرف تعريفًا واحدًا، إنه أشبه بالعائلة التي تجمع بداخلها العديد من الأفكار والرؤى والاحتمالات».. الأديب الجزائري بشير خلف في أحد أعداد مجلة "الحوار المتمدن" في عام 2006.

الفنان التشكيلي حسن سليمان في كتابه "حرية الفنان"، يشير إلى أن ميل الفنان للتحرر يزداد شيئًا فشيئًا، وقد كانت هذه النزعة للحرية نتيجة لإحساس الفنان بالضياع، ثم ما لبث أن أصبح هذا الضياع رمزًا للجيل الجديد، من الفنانين والأدباء، وباختصار أصبح الفن الحديث تعبيرًا عن صراع مرير، لا ضد الموت أو القدر، لكن للأسف الشديد ضد المجتمع، وعدة وقائع مختلفة حدثت مؤخرًا تجعلنا نتساءل عن حدود الحرية الحرية الشخصية للفنان، والخلط بين ذلك وحرية الإبداع، وهو ما طرحناه على عدد من النقاد.

طارق الشناوي: مفيش حرية في الغلط

الناقد الفني طارق الشناوي قال لـ"التحرير"، إن الحرية الشخصية للفنان لا تعني خروجه على عادات وتقاليد المجتمع، ويؤكد أن الحرية حاجة وممارسة الممنوعات شيء آخر، ويُضيف: "نشر الفنانة الشابة رحمة حسن مثلًا لصور لها وهي عارية ليس حرية شخصية، مثل ما حدث في السابق مع غادة عبد الرازق أثناء بثها فيديو لها وظهرت منطقة حساسة من جسدها، ليس في ذلك حرية شخصية، حرية الفنان هي أن يقول رأيه فيما يُريد، وأن يفعل ما يشاء، ولكن وفقًا لتقاليد المجتمع، لكن إن حد يعري نفسه إيه الحرية في كده؟".

يؤكد الشناوي أن "القانون يعتبر الفعل الذي أقدّمت عليه رحمة هو علانية في عرض الجسد، وفي ذلك خطأ كبير، فهي لم تعرضه على قريب لها مثلًا، بل تعرضه للملايين، فهل استأذنت الملايين؟"، ويستطرد أن "تجاوز المسموح لأي شخص لا يُعد حرية شخصية، وليس هناك فصلًا بين الحرية الشخصية للفنان وللإنسان العادي، وما ينبطق على الإنسان العادي ينبطق على الفنان، وليس هناك في حرية الفنان ما هو أعلى سموًا من حرية الإنسان، فهل من حرية الإنسان أن يتصور عاريًا وينشر ذلك للعامة؟".

يتابع الناقد الفني: "الفنان يُحسب عليه كل شيء بدقة، أكثر من الإنسان العادي، فعليه أن يُفكر مرتين قبل أن يُقدّم على فعل شيء"، موضحًا أنه في المقابل من حق شيري عادل أن تتزوج ممن تشاء، وليس للعامة حق في التدخل في ذلك.

حنان شومان: في فرق بين حرية الشخص العادي والمشهور

هناك فرق بين الحرية الشخصية للفنان ولأي شخصية عامة، والحرية الشخصية للشخص العادي، هذا ما تؤكده الناقدة حنان شومان، معقبة: "من حق العوام أن يعرفوا أخبار الشخصية العامة، ويقولوا رأيهم فيها، يعني بالبلدي (يجيبوا سيرته)، لكن لأي مدى؟ هذا ما نختلف عليه، شيري عادل ممثلة شابة وشخصية عامة، ومعز مسعود داعية ومنتج وكاتب وشخصية عامة، وطالما الزواج أُعلن من حق الناس أن تُدلي برأيها، ولكننا لدينا خلط ما بين درجة التدخل والتعرض لذلك".

تُضيف لـ"التحرير": "في القانون حساب الشخصية العامة يختلف عن الشخص العادي، الشخص العادي مثلًا يحق له مقاضاة الصحفي الذي يتطرق للحديث عن خصوصيته دون إذن منه، ولكن ذلك لا يحق للشخصية العامة، مثلما حدث مثلًا مؤخرًا مع زينة حينما كانت طرفًا في مشاجرة بدبي، وتناقلت كل المواقع الخبر مع أنه شيء شخصي، وفيما يتعلق بـرحمة حسن فهي حرة في إنها تعمل كده، ولكن طالما أن هذه الصور نُشرت فإذن هي أعطت للجميع الحق في أن يُعطي رأيه فيما فعلت".

تستكمل: "الفنانون في أحيان كثيرة يتزوجون في السر، وطالما لم يُعلن فليس لأحد حق التحدث في ذلك، لكل فنان الحق في أن يُمارس حياته كيفما يشاء ووقتما يشاء، لكنه يظل مقيدًا بحق العوام في التطرق لذلك، والحديث عنه وتقييم ما يفعله، فأنا أرى مثلًا أن زواج شيري ومعز غير متكافئ، داعية يتحدث عن ضرورة الحجاب بينما يتزوج واحدة سافرة بمنطقه! الإعلان إيذان من الفنان للناس أنهم يشاركوه ما يفعله بآرائهم".

ماجدة موريس: حدود الحرية هي احترام تقاليد المجتمع

الناقدة ماجدة موريس، تقول لـ"التحرير"، إن "الحرية الشخصية واحدة سواء أكانت لشخص عادي أو لفنان، وليس هناك حد لها سوى احترام تقاليد المجتمع، أنت حُرّ ولكن وفقًا لتقاليد المجتمع، ونحن مجتمع شرقي مهما كان جزء منا متحرر فكريًا، والفنان على عاتقه جزء إضافي، كونه شخصية عامة ومعروفا للكافة وهناك تتبع له، وبالتالي فعليه أن يكون أكثر حساسية تجاه عادات المجتمع، فحينما يقول رأي مثلًا يكون بأسلوب واضح ودون التباس، وأن تكون سلوكياته واضحة".

تؤكد موريس، أن مسألة نشر الفنانة رحمة حسن صورا عارية لها فيها تجاهل كبير لفكرة إننا مجتمع محافظ وجزء كبير من نسائه يرتدين الحجاب، وتُضيف: "لكن مثلًا اللي بيحصل مع شيري عادل ومعز مسعود، ما يتجوزوا هما أحرار، أومال الناس كانت هتعمل إيه لو كانوا عِرفوا إنهم عايشين مع بعض من غير زواج؟ كل واحد حُرّ".

حرية الفنان.. وحرية الفن

الدكتور نصر حامد أبو زيد يقول من محاضرة "الفن وخطاب التحريم" (الجامعة الأمريكية - مايو 2008)، إن "الفن هو ممارسة أقصى مستويات الحرية، يمارس الإنسان في الفن أقصى درجات التحرر، يتحرر من قيد الجسد في الرقص، من قيود الرتابة في الموسيقى، من قيود المادة في الفن التشكيلي، ومن قيود اللغة التداولية في الشعر والأدب.. في الفن تتحقق إنسانية الإنسان في علاقته بالكون، حيث يستعيد الفن الإنسان من غربته التي فرضتها الثقافة بمفاهيمها وأعرافها ومؤسساتها وقيمها. بالفن وحده يتحرر الإنسان ليُعيد بناء عالمه ويطور ثقافته، ومن أجل هذه الحرية المبدعة التي لا توجد إلا في الفن يكره المتشددون الفن على اختلاف طوائفهم سياسيًا واجتماعيًا وأخلاقيًا".

وتشتمل المشكلة الخاصة بحرية الفن والفنان على حريات مختلفة، منها السياسية والإبداعية، وحرية العرض لأعماله، وتحرر الفن من أي قيد يفرض عليه، ومدى الحرية الأخلاقية المتاحة له، وكذلك استقلال الفنان ماديًا، في حين أنه لا خلاف بين النقاد على أن حريته الشخصية مقرونة في المقام الأول بعادات وتقاليد مجتمعية.