loading...

ثقافة و فن

هنا الزاهد صورت «أيوب» ووالدتها تعاني السرطان.. الألم يولد الإبداع

هنا الزاهد

هنا الزاهد



ملخص

في كثير من الأحيان يكون الألم هو الدافع الحقيقي للإبداع، ومصدر الإلهام في حياة الموهوبين، وبعض الفنانين كان سبب براعتهم في لعب دور ما هو إحساسهم الداخلي بالألم.

هل هناك رابط بين الألم والإبداع؟ في كثير من الأحيان يكون الألم الدافع الحقيقي للإبداع، ومصدر الإلهام والخيال في حياة الموهوبين، فحينما يُصاب إنسان بأي طارئ يسبب له آلاما، يصبح بإمكانه تحويله إلى طاقة كبرى خلاقة للأفكار، وقوة عليا تستقطب الأحاسيس، كل ما عليه أن لا يستسلم له، ويحاول قهره بالتحليق في سماوات واسعة من نسج واقعه، ويوظف قدراته الخاصة بطريقة فنية تستوعب الحزن وتُجسد المعاناة، وبعض الفنانين نجحوا في ذلك، تمر الأيام ونكتشف أن براعتهم في لعب دور ما كان مُحركه الرئيسي إحساسا بالألم الداخلي.

الفنانة الشابة هنا الزاهد، عُرفت منذ بدء ظهورها الفني عام 2014 من خلال مسلسل تامر حسني "فرق توقيت"، وكذلك كل أدوارها التالية، بأنها الفتاة الحسناء التي يُساعدها جمالها في تواجدها ضمن أعمال فنية، بل وقيامها بأدوار بطولة كفيلمها مع حسن الرداد "عقدة الخواجة" (2018)، إلا أن الجميع شهد لها بأنها أجادت للغاية في رمضان المُنقضي بدور "أسماء" في مسلسل "أيوب" مع مصطفى شعبان، وكان هناك شبه إجماع أن الدور هو أول عمل تمثيلي حقيقي لها، وفاجأت الجميع خلال حلولها ضيفةً على الإعلامية منى الشاذلي ببرنامج "معكم" عبر فضائية "سي بي سي"، حينما كشفت أنها عاشت أثناء التصوير أصعب أيام حياتها، حيث كانت والدتها التي تُعاني من مرض السرطان، في أزمة صحية حادة، ما جعلها أغلب الأوقات ولمدة شهرين بصحبتها في مستشفى "بهية".

الفنان أحمد زكي هو أبرز مثال على ذلك، حياته في مجملها عبارة على محاولات للهروب من التعاسة إلى البهجة، ومن البكاء إلى السعادة، ومن القسوة إلى الاحتواء، يكفي أنه خسر والده بوفاته في عامه الأول، وتزوجت أمه لتتركه وحيدًا يصارع الدنيا التي لطالما أحبها، لكنها أدارت له ظهرها وخاصمته كثيرًا، يقول عن نفسه في حوار مع الإعلامي طارق حبيب ببرنامج "من الألف إلى الياء": "في العاشرة كنت وكأنني في العشرين، وفي العشرين شعرت بأنني في الأربعين، عشت دائمًا أكبر من سني، أدركت أن طفولتي وشبابي نشلا مني، حياتي ميلو دراما كأنها من أفلام حسن الإمام"، تلك الأزمات التي عاني منها زكي لم تكن فقط في طفولته، وحتى في عز نجوميته، يكفي أنه كان يعيش وحيدًا في أحد الفنادق، ورغم كل ذلك، إلا أن زكي نجح في أن يكون بـ56 فيلمًا أهم ممثل في تاريخ السينما المصرية. (يمكنك مطالعة هذا التقرير للتعرف أكثر على معاناة أحمد زكي في حياته)

مع نهاية التسعينيات، ومع انطلاق موجة سينما الشباب، واجه أغلب النجوم الكبار أزمة التواجد على الساحة، ومن بينهم الفنان الكبير الراحل محمود عبد العزيز، حيث واجهت أفلامه "الجنتل، هارمونيكا، القبطان" فشلًا ذريعًا في دور العرض، فدخل في مرحلة توهان كبيرة، وانتشرت أخبار أنه اعتزل وتصوف وأطلق لحيته وتفرغ للعبادة وصيد الأسماك، فضلًا عن مرضه وسفره لفرنسا لإجراء عملية جراحية خطيرة، وفقده السيطرة على وزنه، وكذلك خلافات بينه وأم ولديه "محمد وكريم" انتهت بالطلاق، وعلى إثر كل ذلك عاش في عزلة شبه كاملة، ثم عاد من جديد عام 2000، وقدّم 4 أفلام فشلت أيضًا في دور العرض وهم "النمس" و"سوق المتعة" و"رحلة مشبوهة" و"الساحر"، وكان تأثير ذلك على عبد العزيز كبيرا، وعلى إثر ذلك غاب عن السينما 7 أعوام حتى عاد إليها في 2008 من خلال فيلم "ليلة البيبي دول"، لكنه خسر الجولة وفشل أيضًا في دور العرض، وآثر النجم الكبير التراجع مجددًا، وبعد معاناة سنوات، وافق على المشاركة في فيلم "إبراهيم الأبيض" للفنان أحمد السقا، إلا أنه عوض ما فقده بقوة فنية وجماهيرية بدور "عبد الملك زرزور"، ومن بعده مسلسلات "باب الخلق، جبل الحلال، رأس الغول".(يمكنك مطالعة هذا التقرير للتعرف أكثر على معاناة محمود عبد العزيز في حياته)

الفنانة هدى سلطان واجهت رفضًا كبيرًا من أسرتها عملها الفني ببداية مشوارها على الرغم من أن شقيقها هو المطرب محمد فوزي، وبعد معاناة حتى الموافقة على انطلاق صوتها عبر الإذاعة، أقنعها المنتج جبرائيل نحاس بالمشاركة السينمائية الأولى في فيلم "ست الحسن" (1950)، وأثناء تصويرها العمل وفور علِم فوزي، أقام الدنيا ولم يُقعدها، واعترضت أسرتها بشدة، حيث إن قبول دخول الفن بأن تكون الابنة صوتًا بلا صورة ينطلق من الإذاعة، لا صورة يشاهدها الملايين عبر السينما، تقول هدى عن ذلك في حوار لمجلة "الجزيرة" (2005): "عندما قابلت فوزي تبرأ مني، وهددني أن يقتلني بالرصاص، وأوقعني التهديد في رعب شديد"، لدرجة أنه حينما تقدّم الفنان فريد شوقي لطلب يدها للزواج من شقيقها، قال له فوزي: "أنا معنديش أخت اسمها هدى سلطان عشان تطلب إيدها مني"، وعلى الرغم من ذلك واجهت هدى التحديات، وتغلبت على آلامها، وانتصرت، وقدّمت للسينما وللدراما وللأغنية المصرية العديد من الأعمال الخالدة حتى رحلت في يونيو 2006. (يمكنك مطالعة هذا التقرير للتعرف أكثر على معاناة هدى سلطان في حياتها)

العندليب عبد الحليم حافظ، صاغ من آلامه مجدًا، ومن آهاته ترانيم موسيقية باقية بقاء الوطن، صانعًا من معاناته زادًا لإبداعه، ومن أوجاعه وعُزلة قلبه وضربات القدر حالة فنية غير قابلة للتكرار، توفيت أمه بعد ولادته بأيام قليلة، وتوفي والده، ولم يكمل عامه الأول، فعاش مع خاله، ليبدأ حياته مغردًا في دار أيتام بالزقازيق، وبعد تجاوزه معاناة الطفولة، واعتماده مطربًا بالإذاعة عام 1951، حين وقف على خشبة المسرح لأول مرة بنفس العام، رفض الجمهور أغنيته "صافيني مرة"، وقُذف بـ"البيض والطماطم"، لكنه أصرّ على أداء أغنيته، مما دفع متعهد الحفلات إلى طرده، ولم ينس حليم هذه الواقعة بعد مرور عامين، وغنى الأغنية ذاتها مجددًا بحفل أضواء المدينة بالقاهرة في 18 يونيو 1953، ولاقت ترحيبًا كبيرًا، وكانت بداية شهرته الفنية كمطرب، ثم أعقبها بأغان من اللون الجديد نفسه مثل "فوق الشوك، وعلى قد الشوق"، وغيرها من الأغاني الباقية والخالدة، التي جعلت منه أهم مطرب في تاريخ مصر. (يمكنك مطالعة هذا التقرير للتعرف أكثر على معاناة عبد الحليم حافظ في حياته)

تجارب مختلفة تؤكد أن الإبداع يولد ويترعرع من رحم المعاناة، وأن الآلام يمكن أن تكون الفضاء الرحب لنبت إبداع وروائع تحارب الوجع وتتشبث بالحياة، وحينما تصطدم حياة الموهوب بالآلام والظروف القاهرة كالمرض، والفراق، والفقر، والقهر، والظلم، عندئذ يمكن أن يصبح الألم الوقود الذي يُلهب المشاعر والنيران التي تُشعل الأحاسيس حتى تصل بصاحبها إلى قمة التميز.