loading...

مقالات

بانتومايم

بانتومايم


نهار خارجى - منطقة وسط البلد. ممثل بانتومايم يستعرض مهاراته الفنية بتمثيله الصامت المعتمد على الإيحاء. لا يحمل معه شيئا مريبا، بل لا يحمل شيئا على الإطلاق. يستوقفه ضابط مباحث ليطلع على أوراق بياناته الشخصية. شاب خرج من منزله ليقف فى الطريق بقفازات بيضاء، وبشرة يكسوها الطباشير، مرتديا "تى شيرت" فاتح اللون له خطوط أفقية سوداء. لا يهدف إلا لإمتاع من يتشوقون لابتسامة صادقة من الكبار أو الصغار. فنان متجول، لا متسول، يقدم عروضا بريئة بلا مقابل سوى الشعور بسعادة عندما يلمح الإعجاب بإبداعه فى عيون الآخرين. ما الذى أثار البارانويا الأمنية لدى الشرطى، واستفز بداخله جنون الارتياب تجاه شاب كهذا؟ هل اعتبره إرهابيا يريد أن يطلق الابتسامات على المارة، ويفجر عبوة ناسفة للكآبة فى منطقة حزينة مأهولة بالسكان؟ هل أغضبه منظره لأنه مختلف ويمارس فنا غير مألوف فى مجتمع يضطهد الشباب، ويرفض الاختلاف، ويسعى لتسييد الصوت الواحد والنمط المعتاد؟ صورة رأيتها تتداول على مواقع التواصل الاجتماعى لفنان بانتومايم ترتسم ملامح الحزن الكوميدية على وجهه بعد أن احتجزته الشرطة فى البوكس للاشتباه، فظننت لأول وهلة أنها مأخوذة من فيلم أجنبى ساخر، ولم أصدق أنها يمكن أن تحدث فى مدينة عقلاء.

شرطى محدود الخيال لا يقبل الاختلاف، تدعمه سلطة تسعى لتنميط البشر وتوحيد قناعاتهم، ويمثل ابنا مخلصا لمجتمع تقمع أغلبيته معارضيها، وترفض الاستماع لصوت غير صدى صوتها، وتكره أى صورة لا تكون انعكاسا لصورتها. حركات ممثل البانتومايم البريئة وتعبيرات وجهه المفعمة بالسذاجة والدهشة أثارت ريبة رجل الشرطة المبرمج فتخيل أنها ربما تحمل شفرة سرية للتواصل مع آخرين يكرهون أجهزة السلطة محتكرة الوطنية، ويدبرون لقلب النظام، أو يستخفون برموزه المقدسة، فقرر كسر شوكته.

أى صوت، مهما كان جميلا، لا يعجب من يمسكون بالطبل والعصا لأنه لا يغنى على إيقاعهم وألحانهم. الإيماءات والإشارات البريئة التى لا ترمز لشيء أبعد من مدلولاتها المباشرة تخيف رجال السلطة، وترعب مواطنيها الشرفاء الذين وقعوا ضحية لشحن إعلامى أقنعهم بأن وجهة النظر المختلفة صاحبها خائن أو مرتزق.

البانتومايم فن التعبير الصامت بالوجه، والأداء البدنى المفعم بالإيحاءات، يجسد عالما يراه المشاهد عندما يشترك فى صناعته بخياله. توقيف فنان البانتومايم حدث لإجباره على الإجابة عن أسئلة السلطة بالكلمات، وليس بالإيماءات. تخيل ماذا يمكن أن يحدث له لو أجاب عن أسئلة الشرطى بتعبيرات وجهه الساذجة وحركاته الطفولية؟ 
هل يضربه الشرطى؟ أم يسترد آدميته ويضحك معه؟

مراقبو الجودة الصناعية يتابعون سيور المصانع المتحركة التى تحمل البضائع بعد خروجها من خطوط الإنتاج، ويلمحون المنتجات المختلفة بعيونهم الفاحصة المدربة، ثم يلقون بها إلى صناديق إعادة التدوير، قبل أن تذهب بعيدا، وتختفى بين صفوف المنتجات المطابقة للمواصفات. ضابط الشرطة والمواطن الشريف، من وجهة نظر النظام، يعمل كلاهما كمراقب يقظ للجودة الاجتماعية، يتفحص المواطنين فى الطرقات حتى لا يفلت من قبضته شخص غير مطابق للمواصفات القياسية للسلطة، ويختفى فى المجتمع لينشر سموم اختلافه قبل أن يتم احتجازه وإخضاعه لأجهزة إعادة التدوير.

مجرد محاولة خلق عالم خاص بك، كفنان البانتومايم، يراه متابعوك فى خيالهم فقط، لا بد أن تفشل فى مناخ يمتلئ بالبارانويا، ويفتش فيه مراقبو الجودة الاجتماعية فى الضمائر.

المواطن المختلف فى مجتمعات تسعى إلى تنميط البشر ليس أمامه سوى الانتحار، أو الهروب داخل الذات، أو الرضوخ لمؤسسات إعادة التدوير لتحوله إلى مواطن مطابق للمواصفات القياسية.

أصحاب المواهب التى لا تروق لمحدودى الخيال قد لا يتم منعها فقط من الكلام، ولكن أيضا من الصمت!

كتابة جديدة لمقال قديم