loading...

مقالات

جلطة حمار!!

جلطة حمار!!


عفوية.. تلقائية.. طبيعية.. مشحونة بالمعاني.. مسكونة بالشجن والألم.. متدفقة بالحيرة والدهشة.. مكثفة بغرابتها وغربة صاحبها واغترابه.. تلكم هي هذه الرسالة التي هي كتلة سردية مفعمة بالدلالات.. عنوانها الاغتراب والوحدة رغم ازدحام الميديا وطوفان رسائل ووسائل الاتصال الجماعي والفردي وثرثرة الميديا وغوايتها ووشايتها..

لم يجد صاحب الرسالة إلا حماره يبثه شجنه وحيرته وتعجبه من الحالة التي انتابته أو بالأحرى انتابت حماره.. وللحمار مساحة واسعة في الأدبيات الإنسانية، إذ هو بطل للعديد من الأعمال الروائية والإبداعية.. وقد سلك كبار المبدعين هذا المسلك كحيلة فكرية وفنية ماكرة، قديمًا وحديثًا، سأحدثكم عنها بعد أن ننصت لمشكلة هذا الرجل عبر سطور رسالته الدرامية الدامية..

أما هذه الرسالة التي بين يدي فليست قصة خيالية ولا عملا فنيا بل هي زفرة غضب ذاتي وموضوعي من مواطن بسيط من أنفسنا، والذي حدث أن هذا المواطن كما يروي مشكلته استيقظ ففوجئ بموت حماره، الذي هو عدته وعتاده، ومن هول الصدمة أخذه إلى الطبيب البيطرى ليعرف سبب الموت المفاجئ، فإذا بالطبيب يخبره أن الحمار مات بالجلطة، ارتسمت على وجه المواطن ألف علامة تعجب واستفهام واستنكار.. فأدار الرجل وجهه للحمار وأمسك برأسه وأخذ يكلمه بتعجب وحرقة واستغراب:

جاتلك جلطة ليه؟

قصرت معاك في البرسيم؟ خريج هندسة ومش ﻻقي شغل؟ خريج تجارة إنجليزى وواقف فى سوق الخضار؟ خريج آداب وبتسوق تاكسى؟ خريج حقوق وبتشتغل سمسار؟ خريج زراعة وجالك تعيين فى الطرق والكبارى؟ جمعت كل اللى تملكه وأعطيته لابنك علشان يسافر أوروبا وغرق على شواطئ إيطاليا واليونان؟ مديون ومش عارف تسدد ديونك؟ بتستنى دورك فى التعيين بقالك 10 سنين؟ رحت ترخص العربية ولقيت عليها مخالفات رغم إنك جايبها زيرو؟ مش قادر تشتري ملابس لأولادك؟ مش لاقى شقة؟ 

قولي.. جاتلك جلطة ليه؟

واخد قرض ومتورط بالسداد؟ جاتلك فاتورة كهرباء وما قدرتش تسدد ففصلوا عنك الكهرباء؟ الدنيا ملخبطة حواليك ومخك بطل يجمع من كثرة القوانين الجائرة؟ رفع 
الأسعار مش عاجبك؟ شاعر إنه فيه ثروات ومش مستفيد منها؟

جاتلك جلطة ليه؟

طلعت على المعاش ومعاشك مش مكفي إيجار بيتك؟ جالك فشل كلوى من المياه الملوثة ورحت تغسل قالولك ما فيش مكان انتظر لما حد يموت وادخل مكانه؟

ممكن أعرف جاتلك جلطة ليه؟!

نفسك فى السمك.. والكيلو وصل 50 جنيه؟ روحت تشترى لحمة لقيت الكيلو بـ120 جنيه؟ جيت تشترى رز ولقيت الكيلو بـ10 جنيه؟ رحت تجيب التموين وقالولك ما فيش إلا جبنة دومتى؟

ممكن أعرف جاتلك جلطة ليه؟!

جالك فاتورة غاز بـ150 جنيه؟ جالك فاتورة مياه بـ200 جنيه؟ مركب خط نت بـ140 جنيه والنت ما بيجيش.. وضعيف؟ نفسك فى التين ومش قادر تشتريه؟ المشمش نزل السوق وخلص وانت ما سمعتش عنه؟

ممكن أعرف جاتلك جلطة ليه!!

تعليمكم فاشل؟ بتتفرج على (أ......)؟ (م......) معاه سى دى لحضرتك؟ (ت.......) استضافك فى برنامج له؟

ممكن أعرف جاتلك جلطة ليه؟

عايز تقولى إنك بتحس عننا؟

روح الله يسامحك............» (انتهت).

ولأن الشيء بالشيء يذكر فقد استدعت هذه اللقطة الحياتية مشاهد لثلة من أشهر المبدعين الذين اتخذوا الحمار مادة لإبداعاتهم.. ويعد «توفيق الحكيم» أشهر المبدعين الذين فعلوا ذلك فى روايته «حمار الحكيم» عام 1940 التى تدور فى إطار قصصى بسيط حيث اشترى حمارًا صغيرًا من أحد الفلاحين لمجرد أنه أعجب بشكله، ويسرد الكثير من المواقف الطريفة والمفارقات الساخرة التى حدثت معه ومنه، وقد ركز الحكيم على ذكر أحوال الريف المصرى وما فيه من الفقر وقلة الاهتمام بأمور الصحة، ومن المفارقات الجميلة أن «الحمار» كان سببًا فى منح توفيق الحكيم أكبر وسام فى الدولة.

وهناك الكاتب الإسباني «خوان رامون خيمينيث» ورواية «بلاتيرو وأنا» التى صدرت عام 1914 يصور فيها حياة وموت الحمار «بلاتيرو» الذى يلعب دور المروى له، وتدور الرواية حول الراوى وحماره وهما يجوبان أنحاء القرية يراقبان معًا البشر والحجر والغدران والمروج والأشجار وبقية الحيوانات.

ومن أطرف الكتاب الساخرين الكاتب «محمود السعدنى» فى كتابه المعروف «حمار من الشرق» الذى تفرد بفن السخرية السياسية، حيث تقمص شخصية حمار، وذهب إلى باريس على أنه حمار جاء من الشرق المنتمى إلى العصر الحميرى، وخلف هذا القناع يقدم السعدنى أشهر وأعنف هجائية سياسية اجتماعية ساخرة للأوضاع السائدة فى العالم العربى خاصة والشرق عمومًا.

ولعل أشهر الكتب التراثية فى هذا السياق كتاب «كليلة ودمنة» لمؤلفه «ابن المقفع» الذى عاش فى العصر العباسى وتوفى عام 142هـ، إذ أخذ يسرد روايات وحكايات على ألسنة الحيوانات والطيور، وتدور أحداث القصة فى الغابة على ألسنة هذه الحيوانات، وتحكى قصة العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وتدعو إلى التمسك بالأخلاق والاتصاف بالعادات والمبادئ الحسنة، يرويها الفيلسوف «بَيْدَبا» للملك الظالم «دَبْشَليم» لكى يمنعه من ظلم الرعية ويهديه إلى العدل.

وقدم الروائى «جورج أوريل» روايته «مزرعة الحيوانات» عام 1945 التي تشكل نموذجًا صارخًا فى استلهام الحيوان للتعبير عن رؤيته السياسية، حيث أجرى حكاية ساخرة على ألسنة الحيوانات، ليكشف عن التناقض الحاد بين الشعارات الثورية وممارسات الحكام بعد الثورة، متذرعًا بالرمز حماية لنفسه هوالآخر، وفى ذلك قال جورج أوريل: «اللغة السياسية معدة خصيصًا لتجعل من الأكاذيب حقائق، ولتحول الجريمة إلى عمل محترم، ولتعطى مظهرًا من الجمود إلى الريح المنطلقة».

ومن منا لا يذكر قصة العبقري الروسي تشيكوف (لمن أشكوا حزني؟) وبطلها مواطن بسيط مات ابنه وداهمه الحزن وانصرف عنه الناس فلم يجد إلا حصانه يا لها من وحشة.. ويا لنا من بشر.. «ألن يجد في هذه الآلاف واحدا يصغي إليه؟» أناس فقدوا إنسانيتهم.. يقول لهم» أنا يا سيدي.. هذا الأسبوع يعني.. ابني مات» كان ينتظر فقط أن يسمعوه ويربتوا على كتفه.. فقط هل طلب الكثير! يا إلهي.. حتى مهارة الاستماع للآخرين صارت نادرة جدا! «لو أن صدره انفجر وسالت منه الوحشة فربما أغرقت الدنيا كلها، ومع ذلك لا أحد يراها» لا أحد يريد أن يراها.. في النهاية استسلم للواقع ولم يجد أمامه سوى فرسه ليحدثها فكانت أوفى وأكثر إنسانية من الناس أنفسهم!

لكن.. موقف صاحب رسالتنا هذه مختلف.. هل يجد هذا المواطن الحائر المعذب جوابا؟!

ساعدوه فالسؤال نصف الجواب.