loading...

ثقافة و فن

وردة الجزائرية.. صوت الفرح ومعشوقة بليغ حمدي التي طردها عبد الناصر

وردة الجزائرية وبليغ حمدي

وردة الجزائرية وبليغ حمدي



ملخص

وردة الجزائرية، معشوقة بليغ حمدي التي شدا من أجلها بأجمل الألحان، أميرة الطرب العربي وامتداد الست أم كلثوم وإحدى عمالقة المسرح، بدأت الغناء منذ سن الحادية عشرة من عمرها، وظلت تُغني حتى رحلت في 2012.

وردة الجزائرية.. أميرة الطرب العربي وملكة الشجن، صوت السحر والينابيع ونايات الرعاة، صاحبة النبرة الأيقونية الدافئة، والفخامة الحنجرية المصاحبة للذة السمع ونشوة الذبذبة والرسائل الغرامية وقُبلات المراهقات الحارة، غنّت للثورات والأوطان والحب، وصافحت الرؤساء، وربتت على أكتاف العديد من مشاهير الزمن الجميل، امتداد الست أم كلثوم وإحدى عمالقة المسرح التي أدت ذات مرة أغنية "بلاش تفارق" لمدة ساعتين متواصلتين، معشوقة بليغ حمدي ورحلة حبه وفراقه التي شدا من أجلها بأجمل الألحان.

النشأة.. وبداية المشوار

هي وردة محمد فتوكي، المولودة يوم 22 يوليو 1939، في الحي اللاتيني بمدينة باريس لأب جزائري وأم لبنانية، كبُرت في وسط بعيد عن اللغة العربية، وعُرفت في سن مبكرة بجمال صوتها، واعتادت أن تُغني منذ سن الحادية عشرة داخل مطعم بالفندق الذي كان يمتلكه والدها، لأم كلثوم وأسمهان وعبد الحليم حافظ، وكان يُشرف على تعليمها المغني التونسي الصادق ثريا ومواطنه أحمد التيجاني الذي قدّمها للإذاعة الفرنسية الموجهة لعرب شمال إفريقيا.

خلال غنائها في فرنسا أُعجب ملحن سوري بصوتها فأقنع والدها بضرورة الاهتمام بها فنيًا، وفي عام 1958 سافرت إلى دمشق وغنّت في نادي ضباط سوري، وشاركت في الحفل السوري الكبير "أضواء دمشق" وغنّت "أنا من الجزائر.. أنا عربية"، ونالت بهده الأغنية إعجاب الجمهور الحاضر والعرب لأنه كان منقولًا على الإذاعات المختلفة، لتنتقل بعد ذلك برفقة والدتها إلى العاصمة اللبنانية بيروت، وهناك مارست هوايتها وغنّت من تلحين فيلمون وهبي وكلمات عبد الجليل وهبي، وهناك أيضًا تعرفت على المنتج والمخرج السينمائي المصري حلمي رفلة الذي دعاها إلى مصر وقدّمها في أول أفلامها السينمائية "ألمظ وعبده الحامولي" (1962) مع المغني عادل مأمون، وبذلك كانت أول فنانة من المغرب العربي تنتقل إلى مصر بعد الراقصة ليلى الجزائرية التي تعاونت مع فريد الأطرش.

ناصر.. والمنع

مع ولادة الجمهورية العربية المتحدة بالاتحاد بين مصر وسوريا نهاية الخمسينيات، انطلقت الأغاني الوطنية مرحبة بهذا الإنجاز الذي كان حلمًا للكثير من العرب، ومن بين تلك الأعمال أوبريت "وطني الأكبر" للملحن محمد عبد الوهاب، وخرجت نسخته الأولى باشتراك عبد الحليم حافظ، وصباح، وهدى سلطان، وشادية، ونجاة الصغير، إلا أن الرئيس جمال عبد الناصر طلب أن يُضاف لها مقطع في الأوبريت بعدما سمعها تغني أغاني وطنية جزائرية على الإذاعة السورية، فظهرت نسخة جديدة مع بداية الستينيات باشتراك حليم وصباح ثم فايدة كامل ثم شادية ثم وردة ثم نجاة الصغيرة.

في مطلع الستينيات انتشرت شائعة بوجود علاقة بين وردة وبين المشير عبد الحكيم عامر، وكانت هي من وراء انتشارها محاولةً استغلالها لصالحها حتى يتقرب منها أهل الفن، خاصةً أنها ما زالت في بداية مشوارها في القاهرة، ما أدى إلى صدور قرار بإبعادها خارج البلاد ومنعها من دخول مصر.

العودة إلى الديار.. والزواج

عادت إلى الجزائر بعد استقلالها عن فرنسا عام 1962، وتزوجت من المناضل جمال قصيري وكيل وزارة الاقتصاد الجزائري، واعتزلت الغناء، وأنجبت طفليها "رياض" (اسمه تيمُنًا بالملحن رياض السنباطي) و"وداد"، إلى أن طلب منها الرئيس هواري بومدين الغناء خلال الاحتفالات المخلدة للذكرى العاشرة للثورة الجزائرية عام 1972، فقدّمت أغنية "عدنا إليك يا جزائرنا الحبيبة"، من كلمات الشاعر صالح خرفي، وألحان بليغ حمدي الذي التقت به على هامش الاحتفالات وأقنعها بضرورة العودة إلى مصر.

البليغ

وردة كانت لديه حب كبير لبليغ الملحن، منذ أن استمعت لألحان "تخونوه" التي قدّمها لـعبد الحليم حافظ ضمن فيلم "الوسادة الخالية" (1957)، وحينما جاءت إلى مصر في المرة الأولى طلبت لقاءه، وتعاونا في أغنية "يا نخلتين في العلالي" التي قدّمتها ضمن فيلم "ألمظ وعبده الحامولي"، وحينها افتُتن بها بليغ، وطلبها للزواج، ولكن والدها رفض، وحدثت أزمة طردها من مصر واعتزالها وزواجها، وبدأ بليغ يعبر عن أشواقه لوردة عبر ألحانه للمطربين الآخرين، ومن ذلك أن أم كلثوم قالت له ذات مرة: "أنا كوبري بينك وبين من تحب"، في إشارة منها إلى ألحانه لها "أنساك ده كلام، بعيد عنك، الحب كله"، وبعد لقاء الحبيبين في الجزائر بعد 10 سنوات، أقنعها بليغ بالعودة، وبالفعل انفصلت وردة عن زوجها وديًا وقرر ألا يقف في طريقها، وعادت إلى مصر لتلتقي بليغ، وتبدأ معه مشوار الزواج والفن، انطلاقًا من أغنية "العيون السود" من كلمات محمد حمزة.

استفاد الزوجان في علاقتهما من موهبة الطرف الآخر في إبراز موهبته هو وإبداعه، هي بصوتها الذي جعلها الخيار الأول لغناء الأعمال التي كانت قد أُعدت لـأم كلثوم عند رحيلها، وبليغ بموسيقاه وروحه التلحينية المتدفقة التي احتاجت الصوت، وفي ذلك تقول وردة: "لقد كان بليغ يأخذ رأيي في ألحانه، وعندما كان يلحن لغيري كان ينتظر استيقاظي ليسمعني اللحن، أما عندما كان يلحن لي فقد كان يوقظني ليُسمعني الجمل اللحنية فنؤديها ونتناقش حولها لنستقر على الخيار الذي أعجبنا معًا.

"بليغ فاشل كزوج.. لكنه موسيقي عبقري".. وردة

تلك الرحلة الغنائية والزوجية استمرت حتى وقع الطلاق عام 1979، بعد أن سافر بليغ إلى لبنان ناسيًا زوجته في مصر، وقدّم لها أكثر من 70 لحنًا، أهمها في أغاني "وحشتوني، حكايتي مع الزمان، اشتروني، طب وأنا مالي، دار يا دار، دندنة، ولاد الحلال، خليك هنا، اسمعوني، لو سألوك، على شط بحرنا، ليالينا، ناوي على البعاد"، ورغم الانفصال ظل الحب ينبض حتى غنّت وردة آخر لحن من ألحانه لها "بودعك"، وكان لحنًا غريبًا وكأنما أراد فيه بليغ حمدي أن يجعل الموسيقى والكلمات تعبر تمامًا عن قلبه.

أول قضية حب في دنيا الهوى

أنا وأنت يا قلبي اللي عشناها سوى

لازم نفترق مستحيل يتهنى قلبي وغيره قلبه يتحرق

أنا طريقي من هنا وأنت طريقك من هنا

وكفاية إني في يوم حبيت وأخذت أكتر ما تمنيت

بس لازم نفترق أيوه لازم نفترق

(كلمات: حسين السيد - ألحان: محمد الموجي)

الانطلاقة الثالثة

تعاونت وردة مع العديد من الملحنين الذين قدموا لها ألوانًا مختلفة من الموسيقى على غرار محمد عبد الوهاب، رياض السنباطي، فريد الأطرش، محمد القصبجي، محمد الموجي، كمال الطويل، حلمي بكر، وصلاح الشرنوبي التي غنّت له أحد أشهر أغانيها "بتونس بيك"، وسيد مكاوي التي غنّت له أغنية "أوقاتي بتحلو" عام 1979، والتي كانت تنوي أم كلثوم تقديمها في عام 1975 لكن الموت فاجأها، وظلّت في أدراج مكاوي حتى منحها لوردة، وحين غنّتها أول مرة على المسرح كانت حينها مازالت زوجة لبليغ، وحين فوجئت به على طرف المسرح، تركت الميكروفون، وذهبت إليه وقبّلته، ثم قالت "بقالي شهر ماشفتوش"، ثم بكت.

 

المشوار الفني

نجحت وردة في أن تفرض نفسها مطربة من الصف الأوّل على عدّة عقود وتمكّنت من الغناء بلهجات عربية مختلفة، ومن أبرز أغانيها: "في يوم وليلة، أكذب عليك، شعوري ناحيتك، لولا الملامة، سلام الحبايب، من غير عتاب، يا ليل"، وغنّت بالفصحى في أغنية "لا تودعني حبيبي"، كما غنّت باللهجة الخليجية في أغنية "زمن ماهو زماني" من تلحين النديم وكلمات طارش قطن وبالاشتراك مع الفنان السعودي عبادي الجوهر.

 

ومن المعروف عن وردة حبها الكبير لمصر، حيث عبرت عنه بعدد من الأغاني الوطنية مثل "مصر حلوة بلادي السمرا"، "أنا على الربابة بأغني" و"إحنا الشعب"، وآخر عمل مصور لها كان أغنية وطنية بعنوان "مازال واقفين" بمناسبة احتفال الجزائر بالذكرى الخمسين على الاستقلال، بينما كان آخر ألبوماتها الغنائية بعنوان "اللي ضاع من عمري" في 2011، وضم 6 أغانٍ منها "يا واحشني" و"وعد" و"أمل".

وإلى جانب غنائها قامت ببطولة ستة أفلام مصرية هي "أميرة العرب" (1963)، و"حكايتي مع الزمان" و"صوت الحب" (1973)، و"آه يا ليل يا زمن" (1977)، و"ليه يا دنيا" (1994)، كما شاركت في ثلاثة مسلسلات تليفزيونية هي "الوادي الكبير" (1974)، و"أوراق الورد" (1979)، و"آن الأوان" (2007)، ولها عرض مسرحي واحد في منتصف السبعينيات بعنوان "تمر حنة" مع عزت العلايلي.

حصلت على الكثير من الجوائز والأوسمة، حيث قلّدها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة وسام الأثير 2004، ونالت جائزة المجمع العربي للموسيقى كأفضل مطربة عربية 2009، وتم تكريمها بموريكس الوفاء خلال حفل توزيع جوائز الموريكس دور لعام 2012، كما كُرمت خلال مهرجان كان السينمائي في 2013 بجناح الجزائر من خلال عرض فيديو كليب أغنية أيام الذي صور على شكل فيلم، وغيرها من التكريمات التي حصلت عليها طوال مشوارها الفني.

"صوت وردة فيه فرح".. محمد عبد الوهاب

الغياب

قبل وفاتها خضعت لعملية زراعة الكبد في المستشفى الأميركي بباريس، لكنها فارقت الحياة بعد ذلك بسكتة قلبية في بيتها بالقاهرة مساء يوم الخميس 17 مايو 2012 عن عمر يناهز 73 عامًا، ونقل جثمانها إلى الجزائر عبر طائرة خاصة أرسلها الرئيس بوتفليقة، وودعها الجزائريون في موكب جنائزي مهيب، ودُفنت وسط حضور رسمي وشعبي في مربع الشهداء والمجاهدين بالمقبرة العالية في العاصمة، وهي المقبرة التي يُدفن فيها الرؤساء.

وبعد رحيل وردة، وقّع أولادها فيديو كليب أغنيتها "أيام" التي سجلتها باللهجة اللبنانية قُبيل رحيلها، فأطلقها نجلها رياض قصري في مؤتمر صحفي عُقد في بيروت بعد أن سبقه آخر مماثل له للمناسبة نفسها في وطنها الأم الجزائر، في الذكرى الأولى لوفاتها، فأرفقت مع أسماء رياض وأخته وداد وزوجته يولا وحفيدي الفنانة الراحلة دلال وجمال كعربون وفاء منهم للوالدة والجدة التي شكلت بالنسبة إليهم شخصية استثنائية لن تتكرر.

صوت عظيم.. فنانة أسطورية.. حب مجنون.. معشوقة بليغ حمدي.. سيدة عبّرت مدنًا كثيرة.. كلمات ربما تُعبر عن أميرة الغناء العربي، الباقية رغم الرحيل في الوعي واللا وعي بصوتها الشجي وأغانيها الجميلة الخالدة.