loading...

مقالات

السياسي الغائب في حياتنا!

السياسي الغائب في حياتنا!


بين الحين والآخر تثير بعض قرارات وأحاديث بعض الوزراء وكبار المسئولين عديدا من ردود الأفعال، التى تتراوح بين الغضب، والنقد العارم، والسخرية، والرفض على الواقع الافتراضى من مستخدمى مواقع التواصل الاجتماعى، أو فى الواقع الفعلى، على نحو يبدو وكأنه ظاهرة فى الحياة العامة، ومصدر النقد والنزعة الساخرة هو المفارقة بين القرار وموضوعه والواقع الموضوعى، الذى يعايشه المواطنين، ويعرفون مشكلاته، أو لغرابة القرار أو التصريح الصادر عن المسئول، وعدم استيعابه حجم المشكلة وأسبابها وأبعادها المختلفة. بعضهم يرى أن أسعار السلع والخدمات فى مصر تُعد رخيصة مقارنة بالأسعار فى سويسرا، ويتناسى الاختلاف الجذرى بين أوضاع الاقتصاد والحياة الاجتماعية بين كلا البلدين، ومن ثم يبدو التناقض الذى يولد السخرية والضحكات.

الأوضاع الصحية متدهورة، ويعانى منها المواطنون وتبدو مثار للشكوى الدائمة، من تدنى مستوى الخدمات من ضعف تشخيص الأمراض بكفاءة ومهنية، والمعاناه فى إيجاد أسرة لدخول المرضى إلى المستشفيات، أو فى نقص بعض التخصصات، والمستلزمات الطبية، أو الأدوية، وارتفاع أسعار العلاج والاستشفاء، ويفاجأ المواطنون بوزيرة الصحة تصدر قرارًا بأن "على جميع المنشآت الصحية التى بها إذاعة داخلية إذاعة السلام الجمهورى يوميًا الساعة الثامنة صباحا بجميع المستشفيات والوحدات الصحية، على أن يتبع ذلك إذاعة قسم الأطباء"، وذلك "إيمانا منا بالدور الهام الذى تقوم به المنشآت الصحية فى خدمة مصرنا الغالية، وما يتوجب علينا جميعا أن نسهم إسهامًا فاعلًا بما يتفق مع قيمنا وتوجهاتنا".

المفارقة هنا بين الواقع الفعلى لمشكلات السياسة والنظام الصحى المتفاقمة، وبين القرار أثارت النقد الحاد، والسخرية، لأن إذاعة السلام الجمهورى وقسم الأطباء لن يساهمان فى علاج أمراض المنظومة الصحية واختلالاتها الهيكلية المختلفة، ولن يواجه أشكال الإهمال ونقص الخبرة والكفاءة لدى بعض العاملين فى هذا القطاع الحيوى، الذى يمس المواطنين جميعًا.

ما يهم فى هذه الأمثلة وغيرها، هو غياب الملكات والمهارات واللغة السياسية، وكيف يتعامل الوزير أو المسئول مع المواقف والمشكلات المختلفة، وتحديده لأسباب الأختلالات فى القطاعات المسئول عنها، وكيف يجيب عن الأسئلة التى تطرحها الصحافة وأجهزة الإعلام المرئية والمسموعة، أو المواطنين، وذلك من خلال اللغة الرصينة، والإيقاع الهادئ غير المتوتر، ودونما مبالغات وفى روية، ودونما مبالغات، وليس من خلال القفز بعيدا عن المشكلة أو الواقعة موضوع التصريح أو التعليق.

هذا النمط من خطابات الوزراء والمسئولين الكبار، يشكل ظاهرة ممتدة فى تاريخ نظام يوليو 1952، والذى يتمثل فى غياب التكوين السياسى للوزراء وكبار الموظفين العموميين، وهو أمر لم يكن سائدا فى ظل النظام شبه الليبرالى 23-1952، وذلك لعديد من الأسباب، وعلى رأسها:

1- التكوين السياسى والوظيفى للطبقة السياسية الحاكمة، من حيث التعليم فى الجامعة فى مصر، أو فى الجامعات الأوروبية.

2- المشاركة الفعالة فى الحياة السياسية والحزبية التى قامت على التنافس السياسى بين رؤى وبرامج سياسية مختلفة.

3- الارتباط بين الحياة الحزبية والبرلمانية، وبين الحركة الوطنية الدستورية، ومن ثم بين السياسة الداخلية، والسعى نحو الاستقلال الوطنى عن بريطانيا دولة الاحتلال، والحرص على الدستور.

4- انفتاح الحياة السياسية على الحياة الثقافية فى مجتمع شبه مفتوح على تيارات الفكر فى أوروبا والتفاعل بين الجماعة الثقافية والطبقة السياسية.

5- الصحافة الحرة التى تعبر عن المنابر الفكرية، والاتجاهات السياسية المختلفة فى البلاد.

6- التكوين والتنشئة السياسية لأعضاء الأحزاب السياسية، وعلى رأسها حزب الحركة الوطنية الوفد المصرى، والأحرار الدستوريين.. إلخ، وهذه الأحزاب على اختلافها كانت تمنح أعضاءها بعض المهارات السياسية، من خلال العمل الحزبى، ومن خلال انفتاحها على الواقع الموضوعى، ومن خلال الانخراط فى الجدل السياسى حول القضايا المختلفة على الأحزاب الأخرى المنافسة لها. لا شك أن هذه الخبرات، كانت تشكل الرأسمال السياسى لقياداتها العليا، والوسيطة، ومن ثم كان غالب هؤلاء لديهم القدرات على الخطابة السياسية، ومهارات المناورة والنقد لبعضهم بعضا، من خلال بيئة سياسية تحضُ على التفكير السياسى.

7- شكل البرلمان المصرى بمجلسيه النواب والشيوخ، مدرسة سياسية هامة لأعضائه فى كل التشكيلات البرلمانية، من خلال الجدل القانونى والسياسى، على نحو ما تشهد به مضابط كلا المجلسين.

لا شك أن السياق السياسى والتعليم والصحافة الحرة، والجدل السياسى والثقافى، ساهموا بفعالية فى التكوين السياسى للطبقة السياسية، فضلا عن انفتاحها على أوروبا.

من هنا تشكلت الخطابات السياسية بين الأحزاب المتنافسة، وفى البرلمان والصحف والحياة العامة، ومن ثم اتسمت اللغة السياسية بالرصانة لدى غالب العاملين فى الحقل السياسى، سواء أكانوا داخل البرلمان أو الوزارة أو فى المعارضة.

إن نظرة على تصريحات الوزراء فى ظل المرحلة شبه الليبرالية، تشير إلى تمتع بعض السياسيين بالرشد السياسى، وذلك بقطع النظر عن مدى فاعلية الحياة الحزبية، والحكومات المتعاقبة فى حل المشكلات الاقتصادية، والاجتماعية للبلاد. من هنا كانت طبيعة النظام السياسى شبه الليبرالى قادرة على رفد الحياة السياسة ببعض الكفاءات السياسية من ذوى الروية والخبرة، ومن ثم كان خطابهم السياسى يتسم بالرصانة السياسية، وفهم المشكلات فى منابتها وتطوراتها، بقطع النظر عن مدى فاعلية الحلول التى تطرحها الحكومات التى كانوا جزءا من تشكيلها السياسى.

فى أعقاب ثورة يوليو 1952، تم إلغاء الحياة الحزبية التعددية، والمنافسة السياسية السلمية، وفرض عديد من القيود على المجال العام، والجمعيات الأهلية، ومن ثم على المبادرات الفردية والجماعية، وهو ما أدى الى بناء نظام سياسى تسلطى، يعتمد على مفاهيم التعبئة السياسية والاجتماعية، ونظام الحزب الواحد من هيئة التحرير، إلى الاتحاد القومى، ثم الاتحاد الاشتراكى العربى، وهو شكل حزبى يعتمد على تأميم الصراع الاجتماعى والسياسى فى البلاد، مع غلبة الطابع الإدارى والأمنى فى إدارة الدولة وأجهزتها، والنظام السياسى. من هنا طاردت النخبة السياسية الحاكمة، والأجهزة الأمنية، الجماعات السياسية اليسارية، وبقايا الليبراليين وأدخلت بعضهم السجون والمعتقلات، وتركزت العمليات السياسية على عضوية التنظيم الواحد، وخطاباته الإيديولوجية الشعاراتية، التى اختلفت من مرحلة تاريخية إلى أخرى، وهو نمط من التنشئة السياسية الدعوية التى تعتمد على مفهوم الإجماع والتعبئة السياسية، لا التنافس، أو الصراع السياسى بين رؤى وبرامج سياسية مختلفة، ومن ثم اتسم تكوين أعضاء الحزب الواحد بالطابع الأحادى والخطاب الشعارى، والتلقين، دون ممارسة العمل السياسى المفتوكان خطاب الوزراء فى ظل الناصرية والمرحلة الساداتية يعتمد على المزاوجة بين شعارات النظام، وسياسة الوزارة فى مواجهة المشكلات التى تقع فى نطاق اختصاصها، ومن ثم زاوج الخطاب الوزارى بين مدح الحاكم/ الرئيس، وبين طرح سياسة الوزارة إزاء المشكلة موضوع خطابه، سواء فى البرلمان، أو الأحاديث الصحفية أو التلفازية، وفى بعض الأحيان كان غياب التكوين والخبرة السياسية، يؤدى إلى عديد المفارقات التى تثير النقد اللاذع من الجمهور، أو السخرية والضحكات. هذا النمط من الوزراء وبعض كبار المسئولين من قيادات أجهزة الدولة، هو جزء من الطابع التسلطى للنظام السياسى، بقطع النظر عن طبيعة النظام الحزبى السائد من التنظيم السياسى الواحد إلى التعددية الحزبية الشكلية والمقيدة من السادات ومبارك وإلى الآن.

استمرارية غياب الوزير والمسئول السياسى فى الحكومات المتعاقبة تعود إلى عديد الأسباب، وعلى رأسها ما يلى:

1- أزمة الأحزاب السياسية، وهامشية دورها فى المجال العام المحاصر، ومن ثم غياب الأطر التكوينية للتنشئة السياسية، وإنتاج للسياسى، وبناء قدراته ومهاراته من خلال التنافس والصراع الحزبى المفتوح بين الأحزاب السياسية المختلفة.

2- موت السياسة أدى إلى هيمنة المصادر البيروقراطية والتكنقراطية فى اختيار الوزراء وقادة أجهزة الدولة، لأن التكوين البيروقراطى والتكنوقراطى أسلس قيادًا وخضوعًا للهيكلية الهرمية، وللأوامر الصادرة من أعلى دونما نقاش أو رفض أو تعديل لها.

3- الاعتماد على الرقابة الإدارية الأمنية لأجهزة الدولة لأداء الوزارات والوزراء، بديلاً عن الرقابة السياسية، والرأى العام لأعمال الحكومة وأجهزة الدولة.

من هنا غاب الوزير السياسى، فى تشكيلات الحكومات المتعاقبة القادر على إبداء المعالجات والردود السياسية على بعض ما يطرح عليه من أسئلة الإعلام المرئى والمكتوب والمسموع، أو فى البرلمان، أو فى إصداره لقراراته الوزارية فى عديد المجالات. من ثم لا غرابة فى صدور بعض القرارات الوزارية بين الحين والآخر، من بعض الوزراء، وتفتقر إلى الرصانة السياسية، وتثير الضحكات الساخرة فى مواضع الجد، وتحتاج إلى معالجات وقرارات صائبة تتصدى للمشكلات فى جذورها وفروعها.