loading...

محليات

لماذا يفلت الآباء من السجن بعد سقوط أطفالهم من «البلكونات»؟

جثة طفل - أرشيفية

جثة طفل - أرشيفية



«إوعى يغيب عن عينك».. نصيحة ريفية بسيطة يكاد يُرددها أهل الأباء والأمهات كلما رأوا أطفالهم يعبثون بشيء ما في المنزل، مُحذرين الأمهات على وجه الخصوص بضرورة مراقبة طفلها حتى لا يضر بنفسه عن دون قصد.

مع اللحظات الأخيرة من ساعات الصيام في آخر أيام شهر رمضان الماضي، وبينما يستعد الجميع لاستقبال نفحات عيد الفطر المبارك، كان «أبو عبده» على موعد مع فاجعة لم يتحملها أو تقوى عليها زوجته هي الأخرى؛ إذ فوجئا بطفليهما يقفان بجوار بعضهما البعض أعلى سور البلكونة، ويلوحان لهما ببراءة طفولية.

عجزت الكلمات وتجمدت في حلق الأم، فيما هرع الأب لإنزال طفليه من أعلى السور، قبل أن تنهار الزوجة وتسقط أرضًا بمجرد اطمئنانها على طفليها، ويمر اليوم حاملًا ذكرى لن يمحوها الزمن.

تكررت الحادثة بصورة أكثر بشاعة على مدار الثلاثين يومًا الماضية، إذ تعرض ثلاثة أطفال للسقوط من شرفات منازلهم بمناطق متفرقة بأنحاء محافظة الشرقية، في ظاهرة دقت ناقوس الخطر لكل من له طفل يخشى فقدانه أو غيابه عن ناظره في لحظات قد تكون هي الأخيرة له في الحياة.

الواقعة الأولى جرت في إحدى القرى التابعة لمركز بلبيس، إذ فوجيء أهالي القرية بسقوط «رضا» الطفل ذو السنوات الثلاث، من شرفة الطابق الثاني بمنزل والده، ليسقط أرضًا غارقًا في دمائه، قبل أن يفيق عدد من الأهالي من هول الصدمة، ليصطحبونه إلى مستشفى «الأحرار» التعليمي بمدية الزقازيق، وهناك كشفت الفحوصات عن إصابة الصغير بنزيف داخلي في المخ وحاجته لدخول غرفة العناية المركزة، والتي كان لها بالغ الأثر في إنقاذ حياته.

لم تكد تمر عدة أيام، حتى فوجيء أهل القرية نفسها بحالة سقوط جديدة، لكن هذه المرة حملت معها تفاصيل مختلفة؛ إذ تركت والدة «عمر»الذي بالكاد أتم ربيعه الثاني، طفلها يلعب في البلكونة، قبل أن تفاجأ به مُمددًا على الأرض أسفل البلكونة، لتتكرر مأساة رضا بحذافيرها؛ إذ أصيب عمر هو الآخر بنزيف داخلي في المخ، وكتب الله له النجاة.

ومع الساعات الأخيرة من يوم السبت الماضي، سقط الرضيع «أحمد م.ع.» الذي يبلغ من العمر 18 شهرًا، من بلكونة منزله بمنطقة «ابني بيتك» بمدينة العاشر من رمضان، قبل أن تحضر سيارات إسعاف وتنقله إلى إحدى المستشفيات الخاصة، لكن تكاليف المستشفى حالت دون استقبال الطفل، ليتم إعادته إلى منزله مرةً لنقله إلى مستشفى «الزقازيق» الجامع، وهناك تبين إصابته بشرخين في عظام الجمجمة، وتم احتجازه بغرفة العناية المًركزة، لتلقي الإسعافات اللازمة.

حالات سقوط الأطفال المتكررة، جعلت أصابع الاتهام تشير إلى إهمال الأهل في المقام الأول، فيما أرجعت ردود الأهالي وأقارب الأطفال المصابين السباب إلى «لعب العيال وشقاوتهم»، وفق ما توضحه «عزة» والدة عمر: «العيال شقاوتهم مش على حد ومهما عملنا مش بنعرف نحوشهم عن اللي عاوزين يعملوه»، لافتةً إلى أن سقوط طفلها كان في لحظات معدودة غاب عن ناظرها حال لهوه في بلكونة المنزل.

يقول عمرو فتحي، أستاذ التنمية الذاتية والمعالج السلوكي، إن الإهمال ليس ببعيد عن تصرفات أهل وذوي الأطفال الذين سقطوا من شرفات منازلهم، مشيرًا إلى أن الأطفال قبل بلوغهم السنة الثالثة يحتاجون رعاية خاصة واهتمام مضاعف.

ويشير فتحي لـ«التحرير» إلى أن الإهمال جانب أساسي في سقوط الأطفال من البلكونات، وذلك لعدم توفير سُبل السلامة لهم في البيت، مطالبًا الآباء والأمهات بضرورة تجنيب الأطفال التعرض للأدوات الحادة، أو الاقتراب من شرفات المنزل كي لا يؤذون أنفسهم.

ويوضح رئيس إحدى النيابات العامة بالشرقية، والذي فضل عدم ذكر اسمه، أن القانون يُجرم وقائع الإهمال التي يتعرض لها الأطفال بسبب غياب رقابة الأهل، لافتًا إلى أن روح القانون دائمًا ما تنحاز لعدم اتخاذ أي إجراء ضد أهل الأطفال؛ مراعاةً لمصابهم.

ويضيف رئيس النيابة لـ«التحرير»، أن هناك وقائع كثيرة يكون السبب فيها إهمال الأم أو الأب، وأن القانون وقتها يُتيح توجيه الاتهام لهم وحبسهم على ذمة التحقيقات، لكن «مش هيبقى موت وخراب ديار»، لذا يكتفي المستشارين بالتنبيه على ضرورة تجنب الإهمال، ويتم حفظ التحقيقات أو التصريح بدفن جثث الأطفال في أحيان كثيرة، رأفةً بحال الأهل.