loading...

ثقافة و فن

سينما محمد خان.. قصة واحدة بطلها المواطن

محمد خان - أرشيفية

محمد خان - أرشيفية



ملخص

محمد خان، عشق الفن والحياة فقدّم لنا حكايات من الشارع، وتناولت أعماله الواقع السياسي والاجتماعي فصار أحد أبرز مخرجي الواقعية، وغيّر بأفلامه شكل السينما المصرية.

محمد خان.. أحد أهم مخرجي السينما المصرية طوال تاريخها، وأحد أبرز مخرجي الواقعية، صاحب الحضور الإنساني والفني المميز، والطاقة الإيجابية المدهشة، والروح المصرية الأصيلة، والعشق الأبدي للسينما وللحياة، تواصل إبداعه وتنوع عبر سنوات طويلة، وتناولت أعماله الواقع السياسي والاجتماعي، وغيّر بأفلامه شكل السينما المصرية من داخلها، حيث عمل مع نفس المنتجين، ومع نفس النجوم والنجمات، وفي ظل نفس الإمكانيات التي يعمل بها المخرجون الآخرون، إلا أنه قدّم أعمالًا مختلفة، وأصبح له لونه وبصمته داخل تيار السينما الجديدة.

"الفن وسيلة تعبير الفنان عن وجهة نظره في كل شيء، ويمكن للفنان أن يقول ما يريده من خلال أعماله، وهنا تكون الرسالة أوضح".. محمد خان

ولد محمد خان في مصر بحي السكاكيني الشعبي في القاهرة يوم 26 أكتوبر 1942 لأب باكستاني وأم مصرية، سافر إلى إنجلترا عام 1956 لدراسة الهندسة المعمارية، لكنه التقى هناك بصديق سويسري يدرس السينما، فأثر على محمد خان الذي ترك الهندسة، وانطلق يدرس السينما، وأنهى دراسته عام 1963، عاد إلى القاهرة، ودخل في تجارب سينمائية، حيث عمل بقسم السيناريو في شركة إنتاج سينمائي تحت إشراف المخرج صلاح أبو سيف، ثم ما لبث أن غادر إلى لبنان وعمل مساعد مخرج، غير أنه مرة أخرى فضل العودة إلى إنجلترا، وأنشأ دار نشر، وأصدر كتابين عن السينما المصرية والتشيكية.

في عام 1977 عاد إلى القاهرة، وقدّم أول أفلامه "ضربة شمس" (1978)، وحقق الفيلم نجاحًا عريضًا رغم أن بطله نور الشريف حين شاهده في العرض الخاص، قبل إضافة المؤثرات الصوتية والموسيقى، خرج دون كلمة واحدة وكان منتظرًا لفشل ضخم، إلا أن العمل أكد أن الجمهور بحاجة إلى سينما مختلفة، وفتح الباب لجيل كامل من صناع الأفلام ينزل بالكاميرا إلى الشارع، ويحاول التقاط الحقيقة كما هي، كما أنه مرثية كبرى لعلاقة شخص بمدينته القاهرية.

عام 1982 كان شاهدًا على طرح فيلمه "موعد على العشاء"، بطولة سعاد حسني وحسين فهمي وأحمد زكي، وفيه علاقة حب ثلاثية، رجلان يحبان نفس المرأة، أحدهما متسلحًا بالنفوذ، والآخر بالحب، تذهب ناحية الأخير ولكن الأول يدمر حياتهما، وينتهي الفيلم بطريقة مدهشة حين تقول "نوال" جملتها "لا أنا ولا أنت نستحق نعيش يا عزت" ويختتم الفيلم بموسيقى كمال بكير ودقات البيانو، مشهد قتل الزوجة لزوجها السابق يدعو إلى التأمل، وليس إلى الاشمئزاز، ويبقى الفيلم في الذاكرة للأبد.

رائعة جديدة من روائع خان في "نص أرنب" (1983) بطولة محمود عبد العزيز ويحيى الفخراني وسعيد صالح، معتمدًا على خدعته المفضلة، التصوير في الشارع، لتكون النتيجة هي فيلم حركة وعصابات مختلف ومهم جدًا، أقرب لسينما الموجة الفرنسية الجديدة، وبمشاهد مطاردة خارجية من أفضل ما قدمته الأفلام في مصر.

في "خرج ولم يعد" (1984) بطولة يحيى الفخراني وفريد شوقي وليلى علوي، قدّم خان الفيلم الكوميدي الوحيد في مسيرته، قال عنه إنه أقرب لـ"قطعة الشوكولاتة"، لا يحاول فيه أن يكون جديًا أو يصنع مقارنة حقيقية بين الريف والمدينة، بقدر ما يحكي قصة بسيطة بها احتفاء بالحياة الخضراء وصوت الطبيعة.

وتعد رائعة "الحريف" (1984) بطولة عادل إمام وفردوس عبد الحميد، هي أهم ما قدّمه خان طوال مسيرته، أيقونة الخان، وأسطورة التعبير عن الأمل والمحاولة والرهانات الخاطئة، وينتهي الفيلم بجملته الخالدة "زمن اللعب راح يا بكر"، بلحظة النهاية والهزيمة، حين يتوقف الفارس بداخلنا عن "اللعب" ويرضخ لمنطق الواقع.

وفي "عودة مواطن" (1985) بطولة يحيى الفخراني وميرفت أمين، يصنع لنا خان رؤية بانورامية للوضع الاجتماعي في مصر بتلك الفترة، أخ عائد من إحدى الدول الخليجية ليجد أخوته الأربعة في أحوال مختلفة، أحدهم محبط والآخر ثوري والأخرى منضمة لعالم الانفتاح الاقتصادي والرابعة تعافر وسط ظروف اجتماعية صعبة.

في المرتبة الثانية لأهم أفلام خان يقع "زوجة رجل مهم" (1987) بطولة أحمد زكي وميرفت أمين، أحد أهم الأفلام في تاريخ السينما المصرية، ورغم أن الفيلم يبدو سياسيًا، إلا أنه يُقرأ بشكل أفضل كمرثية لغياب الرومانسية، يبدأ العمل بحكاية رومانسية بين فتاة مراهقة تحب عبد الحليم حافظ، ورجل يعمل في الشرطة، وخلال الأحداث يتتبع السيناريو بدقة وقرب كي تتغير الشخصيات، وفي النهاية ينهار هذا الحب تحت وطأة نهاية مأساوية، في واحدة من أعظم أداءات زكي وميرفت للسينما.

وفي نهاية مرحلة ما قبل الألفية الجديدة، أنتج خان لنفسه فيلم "فارس المدينة" (1993)، بطولة محمود حميدة ولوسي وحسن حسني، ويقوم فيه بجمع أغلب شخصيات أفلامه القديمة: فارس وزوجته وابنه (الحريف) عمر (مشوار عمر) المهندس شاكر (عودة مواطن) أحلام (أحلام هند وكاميليا)، يجمعهم كلهم وينظر إلى مصائرهم ضمن رحلة بطل الفيلم، وكأنهم شخصيات حقيقية، وكأن الفيلم هو تتويج للخمس عشرة سنة الأولى من مسيرة مخرجه السينمائية، قبل أن تبدأ رحلة معاناته مع الإنتاج.

يعود الفارس من جديد وبرفقة أحمد زكي أيضًا ليُقدّم فيلم "أيام السادات" (2001)، الذي يحكي قصة حياة الرئيس الراحل محمد أنور السادات منذ أيامه الأولى وحتى حادثة اغتياله عام 1981 في المنصة أثناء الاحتفالات بنصر 6 أكتوبر، وقد جمع فيلم آخر بين رفيقي درب الفن السابع محمد خان وأحمد زكي، هو "مستر كاراتيه" (1993).

ويُقدّم خان، في فيلمه "في شقة مصر الجديدة" (2007) بطولة غادة عادل وخالد أبو النجا، تحية خالصة لعاطفة الحب، رغم تفصيلاته الواقعية الواضحة، من خلال مدّرسة الموسيقى الفتاة الصعيدية الحالمة "نجوى" التي تتحول رحلتها بالقاهرة إلى سلسلة من المغامرات، ووسط ذلك لا تتخلى عن تفاؤلها وقوتها وخجلها العذب، وتصبح شقة مصر الجديدة مكانا يتلاقي فيه اثنان من عالمين مختلفين، وتقدّمت مصر بالفيلم رسميًا لجوائز الأوسكار عام 2008.

ينقطع عدة أعوام قبل أن يُقدّم لنا رائعة جديدة وهي "فتاة المصنع" (2014) بطولة ياسمين رئيس، الفتاة المصرية الكادحة التي لم يمنعها وضعها الاجتماعي المتردي من الحلم بفارس يحملها بين ذراعيه ويطير بها لــ"جنّة" القفص الذهبي، لكن فارس أحلامها لم يكن يحمل صفة الفارس وتخلى عنها في أول اختبار اجتماعي حول عذريتها وطبقتها، وتركها وحيدة تواجه المجتمع الظالم إلى أن ظهرت براءتها وتجاوزت محنتها بقوة الأنثى المنتصرة.

آخر أفلامه "قبل زحمة الصيف" (2015) ينتمي إلى نوعية مختلفة من السينما لم يعتدها الجمهور، فالعمل لا يتضمن الحبكات الدرامية الكلاسيكية التي تحتوي على بداية وصراع ونهاية، ولا شخصياته يمكن تصنيفها بين هذا شرير ظالم، وهذا خيّر ضحية، ويدور حول خمس شخصيات سلبية تترك للزمن مهمة حل مشاكلها دون أن تنهض بنفسها لحلها، وهي المترجمة المطلقة هالة (هنا شيحة) وعشيقها (هاني المتناوي)، والدكتور يحيي (ماجد الكدواني) وزوجته (لانا مشتاق)، وفي خدمة كل هؤلاء الجنايني جمعة (أحمد داوود).

وتميّزت سينما محمد خان عن زملائه من مخرجي الواقعية بأنها كانت واقعية ذات ملامح رومانسية، سواء من حيث شخصيات أبطاله الذين تحركهم قلوبهم، أو من حيث حفاوة خان بعاطفة الحب التي يرى في غيابها كارثة الكوارث، كل منها عالم وتفاصيل وحكايات يدور كل منها في مكان وفي زمن مختلف، ولكن تجمعها بصمة واحدة فريدة.

فى أفلام محمد خان يبدو المكان والإنسان وجهان لعملة واحدة، ويُشارك "الشارع" في بطولة معظم أعماله، وتتكرر تيمة موت الرومانسية، ولكنه لا يُقدمها بمبالغات ميلودرامية، وإنما من خلال شخصيات حية من لحم ودم، وبمعالجات شديدة الحساسية، وظل خان يبحث دومًا عن الفروسية داخل الإنسان، ظل مخلصًا للشخصيات العادية، يُقدّمها بحب شديد، ويحتفي بأحلامها وصبرها وحبها للحياة، يبدو أنه دومًا أراد أن يحكي قصة واحدة، بطلها المواطن.

أنجز محمد خان 24 فيلمًا طويلًا شكّلت علامة فارقة في تاريخ السينما، فاز عنها بالعديد من الجوائز والتكريمات، وبفضل تنوع المواضيع التي عالجها في أفلامه وقربها من هموم المواطن البسيط، اعتُبر من رواد الواقعية في السينما، ولم يحصل على الجنسية المصرية إلا قبل وفاته بسنتين عام 2014 بقرار رئاسي، ورحل فجر الثلاثاء 26 يوليو 2016 جراء أزمة قلبية مفاجئة نُقل على إثرها إلى المستشفى، لعله يستحق هو نفسه الآن أو لاحقًا فيلمًا، لا يقل أهمية وتأثيرًا عن شخصيات أفلامه التى لا تُنسى.