loading...

مقالات

دردشة حول عالم «المهرجانات» السكندري

دردشة حول عالم «المهرجانات» السكندري


فوتوغرافيا: سلوى رشاد

جمعتني دردشة مع اثنين من مغنيي "المهرجانات" في الإسكندرية: حمُّو الحلواني، وإيفا الإيراني. يبلغ "حمُّو الحلواني" من العمر 43 سنة وتخرج في آداب الإسكندرية قسم تاريخ وعمل بالسياحة لفترة من الزمن ثم اتجه لغناء المهرجانات، ويعتبر نفسه الأكبر سنا بين مغنيي المهرجانات. 

BCA_5132

أما "إيفا الإيراني" فيبلغ من العمر 18 عاما ولازال يدرس في مرحلة التعليم الثانوي، سألته عن هذا الاسم الغريب الذي لا يتناسب مع هذا العمر الصغير، فأخبرني أن اسمه الأصلي "مصطفى"، وتم تدليعه واصبح "تيفا"، وعند دخوله عالم المهرجانات، الذي يريد أسماء لها وقع على الأذن كالبصمة الورائية التي لا تقلد، تحولت "تيفا" إلى "إيفا". أما عن لقب "الإيراني"، فهو يعود لمعلمه، وجاره في حي الدخيلة، وأخيه الروحي المغني والمؤلف المعروف "زياد الإيراني" الذي رباه روحيا أيضا، وأدخله "مجال" المهرجانات، بالرغم من أنه لا يكبره سوى بعشر سنوات.

                                                 ***

في الحفلة التي حضرتها لحمو الحلواني وإيفا الإيراني، وشاركهما فيها زميلهما المغني والشاعر إسلام المصري؛ تحدث حمو باللغة الإنجليزية شارحا للجمهور الذي كان يضم بعض الأجانب الأهداف النبيلة وراء غناء "المهرجانات". كان جمهور الحفلة غير الجمهور الذي اعتادوا الغناء أمامه، ربما لم يمنحهم أثناء الغناء النشوة والانفعال سواء بالرقص أو التصفيق، وهو السلوك المعتاد أمام هذه النوع من الموسيقى والغناء، ولكن حمو الحلواني رأى أن هذا الجمهور هو الذي يسعى إليه وليس جمهور المهرجانات المعتاد رؤيته في الأفراح، والذي يكون أغلبهم "مساطيل".

يقول "في الفرح، أو القعدة البلدي الفحت، كل اللي حواليك بيشربوا، وإنت قاعد يقولك النجم دخل، النجم طلع. وسط الجمهور ده بحس بالإحباط، مش حاسس إن مساحة دماغه سايعة الغنا. الرابط اللي بيني وبينه مصلحة، إنه عايز يتصيَّت، بمجرد مابتخلَّص الليلة مابيعرفكش ولا يقول لك ألو تاني".

طبعا في أي فرح، تقوم الفرقة بتأليف "مهرجان" مخصص لهذا الفرح، ويُذكر فيه أسماء أصحاب الفرح، لذا يقول الحلواني إن الرابطة التي تجمعه مع أصحاب الفرح والجمهور هو رغبته في أن "يتصيَّت" أو يشتهر من خلال "المهرجان" الذي تحول لوسيلة دعاية شخصية. مثل السلوك المطور لفكرة "النقطة" الذي كان يقدمها أحدهم لصاحب الفرح، ليُذكر اسمه في هذا المجال الواسع.

 

                                          ***

حدثني حمو الحلواني وإيفا الإيراني عن بداية المهرجانات في إسكندرية 2011 وكانت في حي الدخيلة. كانت البداية على يد شاب يعيش بالحي اسمه "فيلو"، والسبب في التسمية هو أنه كان قصيرا وسمينا، فسموه "الفيل"، وتم تحريف اللقب ليكون بصمة موسيقية أيضا وتحور إلى "فيلو". أغلب مغنيي المهرجانات خرجوا من حي الدخيلة. يعتبرونها هي الأم التي أرسلت أولادها لينتشروا بغنائهم في كل الشوارع السكندرية والقاهرية.

ويرجع حمو الحلواني السبب في شهرة حي الدخيلة إلى أنه له بناء عشوائي، يصف الحي بأنه "منعكش"، وهذه "النعكشة"، في رأيه، هي السبب في ظهور هذا الإبداع وفي ظهور "الدخلاوية": كمية الكبت والإحباط والفقر بيطلَّع حاجة مختلفة، بيطلَّع شباب عايزة تنحت في الصخر عشان تحقق نفسها"، ويكمل الحلواني أن الدخيلة خرج منها شباب مسيطرين وموجودين في المجال بحب الناس". مصطلح "السيطرة" أصبح متداولا على ألسنة كثيرة، ربما له علاقة برغبة، ليس في الانتشار فقط، ولكن في السيطرة التى بها مس من السلطة والهيمنة.

يكمل إيفا الإيراني سيرة "الدخيلة" ويعدد الذين أنجبتهم فيذكر المشاهير مثل حمدي بتشان، أحمد بتشان، الثنائي تيتو وبندق، فيلو، العربي حنون بتاع بحرى.

                                            ***

برغم أن "فيلو" هو المؤسس لغناء المهرجانات ومؤسس "الدخلاوية"، ولكنه لم يشتهر كما يرى حمو الحلواني، وظل كما هو معروفا على نطاق الإسكندرانية وبعض القهراوية، ولم يسافر للخارج ولم يغنِ على مسارح أوروبا كما حدث مع السادات وعمرو حاحا وإسلام شيبسي وأوكا واورتيجا، مغنيي مهرجانات القاهرة، والسبب هو سقف الطموح الذي تحدده المدينة: "حتى فيلو اللي نمرة واحد كان سقف طموحه إنه يطلع في  فيلم (اللمبي) أو يغني مع أحمد سعد. إحنا بندفع تمن إننا بعيد عن العاصمة، الفرق بين هنا وهناك هو المتعهدين وإدارة الأعمال. اللى وصَّل أوكا وأورتيجا هو الطحاوي بتاع إدارة أعمالهم. إحنا هنا في إسكندرية عندنا موهبة بس ماعندناش أدوات النجاح".

                                                  ***

هذا اللون الخاص من الغناء الذي نشأ في الأحياء الشعبية ليتكلم باسمها، وليس باسم المدينة، واتجه للمكان المعزول و"المنعكش" داخل هذه المدينة، وهي أحياء الفقراء، ليدافع عن أهل هذا الحي. ثم بدأ يتطور ويتحول إلى سلطة نافذة، ليغطي على صراع أكبر بدأ ينشأ في هذا الغناء بين الأحياء بعضها البعض، وتحول جزء من هذا اللون لسلاح للنيل من الآخر أو لتلقيح الكلام عليه. فهذه الطبقة الاجتماعية التي جاء هذا الفن ليعبر عنها أصبحت منقسمة، مليئة بالصراعات والاختناقات داخل هذا اللون الغنائي. خلقت المهرجانات، بوصفها سلطة جديدة، عصبية داخل هذه الأحياء، وأصبحت أداة للتفاخر والتنابذ والمقارعة. مثل وسائل الشعر العربي القديم الذي كان يستخدم كمادة إخبارية دعائية، في الفخر بالقبيلة أو النسب، أو لتثبيت قيمة ما، أو معلومة ما. هنا الفخر بالشلة والشارع والحي.

يذكر إيفا الإيراني: كان عندنا زمان كل منطقة وكل شارع يقولك نعمل مهرجان باسمنا، يدفعوا لفيلو 200، 300 جنيه ويقولوله اعمل لنا مهرجان باسم شارعنا، ويغنوا فيه. لحد ما بقت الدخيلة كلها عندها مهرجانات.

وبينما الحلواني يتحدث يتطرق إلى حديثه جملة استوقفتني: مرة في دايرة من الدواير اللي غنيت فيها، دايرة الضهرية وباكوس والرمل، وهي أحياء سكندرية شعبية معروفة، حصل فيها نسبة مشاهدات عالية وصلت للمليون.

                                          ***

في البداية كانت أغاني المهرجانات تحكي عن الصراع والعنف الدائرين في الأحياء الشعبية، هذا الجانب "الغرائبي" منه، أما بعد ذلك عندما "تمدَّنت" المهرجانات كما ذكر إيفا الايراني، فقد دخلت الحياة اليومية وحكاياتها و"حواراتها" في المهرجانات. وبعد فيلمي "عبده موتة"،  و"الألماني" تحولت المهرجانات إلى مادة صراع وانتقام وتلقيح من شخص لآخر أو من حي لآخر. وكما يقول "إيفا" عن أصل المهرجانات "المهرجانات بتعبر عن الواقع شديد القسوة، بنحكي كل اللى بيحصل حوالينا نوصل للناس بالغنا بتاعنا" يصاحب هذا الفن الحياة اليومية، ينقل "الواقع" داخل شكل حكاية، مايحدث يوما بيوم من حوارات وخناقات، وما يخبئ بها من أحلام، وطموحات، فهو يريد أن يكون مطابقا تماما للواقع المعيش.

                                                      ***

مصطلح "المهرجان"، مصطلح غامض، لا يسمونه "أغنية"، بالرغم من أنه غناء. ربما هو أغنية بالطلب، لها هدف دعائي أو أخلاقي، آني وليس أبديا كالأغنيات الأخرى. فهناك من يكتب أشعارا يطلبها أحدهم منه ليغنيها هو وأصدقاؤه مثلا، أو تغنيها فرقة مهرجانات في أحد الأفراح أو في أي مناسبة أخرى. وربما التسمية بسبب الحالة التي يصنعها المهرجان التي تشبه  حالة "الكرنفال" فالكل يغني ويرقص وينتشي ويشرب المخدرات، وهي الصورة الأقوى لهذا اللون.

                                             ***

شخصية حمو الحلواني شخصية درامية، تميل للانطواء كما أخبرني لأنه من مواليد برج الجدي، ويشعر بالخسارة بعد هذا العمر، لأن المردود ليس كما تمنى لنفسه، فقد كان يحلم بالسفر، لذا يشعر بالإحباط، وهو يغني: "بحس إني مغترب عن اللى بغني ليهم، إنهم مش فاهمين اللي بقوله".

                                            ***

المرة الأولى التي غنى فيها إيفا الإيراني كان عمره 13 سنة، غني مهرجان مع "زياد الإيراني" لم يكن ينافسه في العمر الصغير داخل هذا "المجال" سوى "حودة بندق". دخل إيفا في فرقة اسمها "مافيا الشياطين" واشتهرت جدا، وبعد نجاح هذا المهرجان بدأ شغل الأفراح ينهال عليهم، وبدأ الدخول في "المجال" بقوة. وقتها قام "فيلو" بتوزيع موسيقى المهرجان، فلم يكن في البداية من يقوم بالتوزيع سواه. فالموزع الموسيقي هو عصب أي مهرجان، لأنه الذي يمنحه شخصيته، وبصمته الوراثية. يضيف إيفا "الآن اتسع المجال بالنسبة للتوزيع، ودخل فيه الثنائي تيتو وبندق، وهما الآن على القمة في المهرجانات". 

                                      ***

في حديث الحلواني وإيفا دائما ما يذكران هؤلاء الآخرين الذين حققوا نجاحا في هذا المجال، يتكلمان عنهم بعفوية وبعرفان، ربما لأنهما يشعران بأنهما يوثقان لتاريخ ربما يندثر، ويندثرا هما أيضا، لو لم يتسما بالأمانة. سمعت أسماء تنطق بكل تقدير واحترام وإعجاب مثل: زيزو النوبي وزيزو المايسترو ومصطفى الشاعر وحمو بيكا وفيجو الدخلاوي وآخرين وآخرين.

                                         ***

يؤكد حمو حلواني الذي له اتجاه أخلاقي فني واضح ويرفض الإسفاف الذي بدأ يظهر في المهرجانات -أبوه الروحي هو فرانك سيناترا الستينيات "غريب في الليل"-  وهذا الاتجاه هو الدفاع عن الطبقة الشعبية.

"بدافع عن الفصيل الفقير، الناس اللى تعبانة وكادحة، الناس اللي عايزة تعيش يومها بشرف، بدافع عن الشاب اللى عنده هدف، وبدافع عن بعض القيم الجميلة اللي مابقتش في المجتمع النهاردة. بدافع عن تماسك المجتمع الشعبي. بحلم بالمدينة الفاضلة اللى اتكلم عنها الفارابي جنة الله على الأرض. أشوف الناس كلها بتحب بعضها"

                                     ***

يشير حمو الحلواني بعد ملاحظتي إلى أن النغمة المميزة السريعة المملوءة بالنشوة لموسيقى المهرجانات بدأت تختفي من الشارع السكندري، ويفسر هذا بظهور لون جديد من المهرجانات في الإسكندرية اسمه "لون الموال" الذي يقترب من الموال الشعبي، له إيقاع بطيء وكلامه واضح كي يفهم الناس الحكاية وليس غرضه فقط الرقص. والمحتكر لهذا اللون والذي يجلس أيضا على قمته هو مغني يدعى "حمو بيكا".

يتكلم الحلواني وإيفا الإيراني في نفس واحد عن حمو بيكا: "فيه شخص اسمه حمو بيكا هو اللى بيغني لون الموال، ويرجع الفضل لمصطفى الشاعر، هو اللى غيَّر خريطة المهرجانات في إسكندرية كلها، بيضبط مساحة الصوت على حسب قدرة المغني. حمو بيكا زي شعبان عبد الرحيم، الأداء بتاعه ماينفعش يرص سريع، لازم يمشي بالبطيء. عشان كده مصطفى بيكتب له بالطريقة البطيئة. اتغيرت الخريطة. اللى شغال في إسكندرية دلوقتي هو بيكا. مكسر الدنيا.

                                        ***

يحكي الحلواني عن المخاطر التي يتعرض لها مغني المهرجانات، والتي وصلت أنه تم اختطافه بسببه: المجال كله صعوبات، إحنا بنواجه مخاطر في الأفراح الشعبي  لا يعلمها إلا الله. أنا اتعرضت للخطف بسبب ولاد عملت لهم مهرجان. فماعجبهمش المهرجان. "ألو يانجم.. إحنا عايزين مهرجان يكسر الدنيا"، ولو المهرجان اللى دفع فيه الفلوس ماكسَّرش الدنيا ييجي يمسك فيك إنت".