loading...

أخبار مصر

المصريون والخسوف الدموي.. من «خناقات الآلهة» إلى الضرب على «صفايح السمنة»

الخسوف الدموي

الخسوف الدموي



أعاد الإعلان عن حدوث الخسوف الكلي للقمر والمعروف علميًا "بالخسوف الدموي"، الذي سيبدأ مساء اليوم الجمعة، إلى أذهان البعض القصص والحكايات التراثية منذ قديم الأزل، عن أسباب وكيفية تحول القمر إلى اللون الأحمر، وحول علاقته ببنات الحور.
  
"يا بنات الحور سيّبوا القمر ينور" و"يا رب إحنا عبيدك يا رب والأمر بإيدك يا رب" و"يا بنات يا حور الجنة ماتسيبوا القمر يتهنى"، جمل وعبارات تراثية غريبة كان يتغنى بها أهل الريف قديمًا، عقب الإعلان عن حدوث خسوف كلي للقمر، ويقرعون على الطبول والأواني و«صفائح» السمن. 

ورصد عدد من الكُتاب أفكار أبناء الريف حول "الخسوف"، أبرزهم الكاتب محمد قنديل البقلي، والذي وصف في كتابه "صور من أدبنا الشعبي أو الفولكلور المصري"، أن هذه العادة التي كان يتبعها المصريون عند خسوف القمر لا يوجد لها مثيل في أي بلد من بلدان العالم، وانفردت بها مصر حتى أصبحت هذه العادة من الفولكلور المصري الخالص.

لماذا اختص المصريون "بنات الحور" لإنقاذ القمر؟

الكاتب محمد قنديل البقلي، يرى أن المصريين كانوا يعبدون إلهًا هو من أشهر آلهتهم المتعددة وهو الإله "حور" "الصقر"، والأسطورة القديمة جعلت "حور" أحد أفراد الثالوث المقدس عند قدماء المصريين، أي أوزريس وإيزيس، وحور، إذ ساعد الأخير في الانتقام لأبيه من عمه "ست" وكان الخلاف شديدًا بين الإلهين حور وست، واشتد بينهما القتال وقامت حروب عنيفة فكان حور كلما أراد أن يهوي بخصمه فيقذف به إلى الأرض وقد أمسك بخصيتيه فيربد وجهه ويتغير لونه، ويحاول أن يتخلص من خصمه.

وعندما يرى شعب مصر تغير لون القمر يدركون أن الإله "حور" يحاول أن يقتل غريمه فيفزعون إليه بالصلوات والترتيلات يناجونه ملتمسين أن يترك الإله "ست" فيتركه حور استجابة لرغبة الشعب، وفي رواية أخرى أن الإله حور كان يحاول أن يأكل غريمه، ولكن ذلك لا يدوم إلا قليلاً لأن دعاء الناس وغضب الآلهة الآخرين لا يلبثان أن يضطرا حور إلى أن يعيده إلى الحياة مرة أخرى.

وبحسب الكاتب، هذا هو تفسير مصر القديمة الفرعونية، لخسوف القمر، وأنه أصبح من عادات المصريين منذ العصر الفرعوني أن يهرعوا إلى حور ليترك القمر، ولم يقلع الشعب المصري في كل عصوره التاريخية من التضرع إلى الإله حور لترك القمر بالرغم من وجود الديانات السماوية وهي المسيحية والإسلام في مصر.

اقرأ أيضًا: بروفة ليوم القيامة.. كيف تؤدي «صلاة الخسوف»؟ 

ويرى البقلي أيضًا، في كتابه، أن في عصرنا الحالي حيث تغلب الديانة الإسلامية في مصر، نجد المصريين يصبغون هذه العادة الفرعونية القديمة بصبغة إسلامية، فقد ورد في القرآن الكريم ذكر لحور الجنة فقال العامة في مصر أن بنات الحور هن حور الجنة بدليل قولهم عند الخسوف أيضًا "يا بنات الجنة سيبوا القمر يتهنى" بينما نستطيع أن نفسر قولهم هذا بأن بنات الحور جنود وأتباع الإله حور عند قدماء المصريين.

جدران المعابد سجلت أول ظهور لقمر دموي

الأثريون المصريون تحدثوا كثيرًا عن ظاهرة القمر الدموي في الخسوف، حيث أكدوا أن الدم ناجم عن قتل أوزيريس "زوج إيزيس" على يد أخيه الشرير "ست" كما يؤكدون أن الخسوف الكلي عند المصريين كان مرتبطا عادةً ببدر التمام "قمر 14"، فقد حرص المصرى القديم على إقامة عيد خاص بمنتصف الشهر القمرى عُرف باسم عيد "سمدت"، وكان غرضه من ذلك العيد هو الابتهال لإله القمر ليدفع نفسه بعيدًا عن ظل الأرض ليخرج القمر من مرحلة الخسوف. 

ويؤكد الأثريون أن الفلكيين القدماء في مصر القديمة عرفوا دورة ساروس وهى الدورة القمرية العظيمة، حيث المصريون اهتدوا أنه خلال فترة 18 عامًا، يحدث تكرار لجميع الكسوفات الشمسية والخسوفات القمرية، كما أن أول تسجيل دقيق لظهور القمر الدموي، تم تصويره على جدران معبد الآلهة حتحور بقرية دندرة غرب قنا وكان في يوم 25 سبتمبر عام 52 قبل الميلاد، واستمر لساعات طويلة، من خلال استخدامهم للبرامج الفلكية المتخصصة للرجوع بالزمن للوراء من خلال البرامج الفلكية ثبت أن كسوف عام 52 قبل الميلاد بدأ ليلة 25 الساعة 10:22 مساءً وانتهى فجر يوم 26 الساعة 4:44 فجرًا، أى استمر لساعات طويلة وقد وصل لأقصاه الساعة 1:33 فجرًا.

اقرأ أيضًا: رؤيته لا تؤثر على العين.. 10 معلومات عن «الخسوف الدموي» 

وأوضح بعض الأثريين، أن معبد دندرة صور كسوفًا شمسيًا حلقيًا قد حدث في يوم 7 مارس في عام 51 قبل الميلاد ببرج الحوت، حيث بدأ الكسوف الشمسي الساعة 1:52 ظهرًا وانتهى الساعة 3:27 ظهرًا، أى استمر أكثر من ساعتين ونصف ووصل لأقصاه الساعة 3:14 ظهرًا.

وصور أيضًا معبد إسنا بمحافظة الأقصر أوجه أو أطوار القمر على سقف المعبد، فيما تم تصوير آلهة أيام القمر من المحاق إلى البدر بمعبد دندرة بمحافظة قنا، حيث إن الفلكيين القدماء في مصر القديمة كانوا بارعين بما فيه الكفاية، ليكتشفوا أن خسوف القمر، وكذلك كسوف الشمس يمكن أن يحدثا فقط عندما يكون القمر قرب مسار الشمس الظاهري في السماء، وهو ما يدل على ريادتهم في علم الفلك منذ غابر الأزمان.

قصة الخسوف في تاريخ الشعوب 

ورغم أن خسوف القمر ظاهرة كونية طبيعية يعرفها العالم منذ آلاف السنين، إلا أن موكب الزمان حملها ليخرجها من الجهل إلى العلم، فحظيت باهتمام بالغ، واستولت على اهتمام وشغف هواة الفلك وعشاقه كونها ظاهرة تتعلق بثلاثة أجرام هي الشمس والقمر والأرض، فيما بينها التنين المؤذي للقمر والحوت الذى يأكله، والحور العين الذين يخنقونه ولدت أسباب تخيلية كثيرة لخسوف القمر، أسباب بعيدة كل البعد عن التفسير العلمي الصحيح لتلك الظاهرة، وتفسيرها وقوع كوكب الأرض بين الشمس والقمر، فتحول الأرض بينهما وتحجب أشعة الشمس عن القمر ذلك الجرم المعتم الذي يستمد نوره من الشمس، فاذا حالت بينهما الأرض وقع الخسوف وبدا القمر معتما، وحدوث هذا يكون عند إكتمال القمر بدرًا.

كان العرب فى الجاهلية يعتقدون أن الخسوف يحدث عندما يتطاول الحوت لأكل القمر المغلوب على أمره، ولفك أسره من بين أنيابه كانوا ينشدون أناشيد أسطورية مخصصة لذلك الحدث، حتى يرق قلب الحوت ويترك القمر لحال سبيله، وكانوا يعتقدون أيضًا أن القمر في ضائقة أو أسر، فيدقون على المعادن محدثين ضجيجا وجلبة، وهم يدعون "يا رب خلصه"، معتقدين أن الضجيج يؤذي الحوت، ويجعله يلفظ القمر من فمه.
 
أما عرب الجاهلية الأولى فكانوا يتابعون لون الخسوف، فإذا كان اللون البارز أسود، اعتقدوا أن مرضًا فى طريقه إليهم، وإن كان أحمر بلون الدم تنبؤوا أنهم مقبلون على حرب تسيل فيها الدماء كما يسيل الماء في النهر، وإذا مست الحامل بطنها عند خسوف القمر ولد الجنين ونصف وجهه أسود، ولفك السحر نصيب من معتقدات الجاهلين الأولين خلال الخسوف، حيث كانوا يضعون وعاء كبيرًا به ماء طيلة فترة خسوف القمر مع قراءة أذكار معينة، معتقدين أن ذلك يجعل هذا الماء دواء ناجعا في إبطال كل سحر. 

اقرأ أيضًا: مصر تشهد أهم حدث فلكي في القرن الـ21.. أين تراه؟ 

ولشعوب الأرض طقوسهم الخاصة عند حدوث الخسوف، فالصينيون لم يكتفوا بدق الطبول، بل اتخذوا خطوات أكثر إيجابية بتوجيه سهامهم نحو الشمس لإرهاب التنين، وأهل الهند كانوا يهرعون إلى الترع والأنهار ويغطسون فيها إلى رقابهم ليساعدوا القمر للتخلص من الخسوف ويقوي على مقاومة التنين، أما رومانسية الشعب الهاييتى فكانت تجعلهم يعتقدون بوجود علاقة عاطفية بين الشمس والقمر، لذلك يحدث الكسوف والخسوف عندما يلتقيان.

وأطرف ما أحيط بظاهرة خسوف القمر كان على يد المستكشف "كريستوفر كولومبوس " ، فأثناء إبحاره في الطريق إلى الهند قرر بحارته رغما عنه التوقف في جزر جامايكا للراحة، بعد أن أنهكهم البحر برياحه وأمواجه وتقلباته، وزادت معاناتهم برفض سكان تلك الجزيرة التعاون معهم وإمدادهم بالماء والطعام وهم يتضورون جوعا ويكادوا أن يموتوا عطشا.

وكان كولومبوس يحمل معه دائما كتاب تقويم الفلكي "يوهانس موللر"، ومنه عرف بقرب حدوث خسوف للقمر، فوقف خطيبا في سكان الجزر، وهددهم بضرورة إمدادهم بالطعام والماء لأنه قادر على أن يفعل بهم ومعهم أي شيء، مدللا على صدق كلامه بجعل القمر يختفى بعد قليل، وعندما بدأ القمر في الاختفاء تدريجيًا نظرًا لحدوث الخسوف أصيب سكان الجزيرة بالرعب وتوسلوا إليه ألا يؤذيهم وأعطوه أضعاف ما طلب.