loading...

مقالات

مسيحية الإسلام بين السلفية وهيمنة الكنيسة الرومانية

مسيحية الإسلام بين السلفية وهيمنة الكنيسة الرومانية


لا يحق لأي مسلم مهما كان انتماؤه المذهبي أن ينفي عن أهل الكتاب إيمانهم بالله، فالقرآن ذاته لم يفعل ذلك، ولم يرمِ فى أي آية من آياته المسيحيين بالكفر مباشرة، حتى فى معرض قوله تعالى: "لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ۖ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۖ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ (72) لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ۘ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۚ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73)، فهذه الآية وإن لم تشر نصا إلى النصارى كما هي تسميتهم فى القرآن إلا أن كتاب الفكر السلفي يسوقونها بتعميم؛ كدليل قاطع على إخراج المسيحيين من عقيدة الإيمان بالله وإدخالهم ضمن قوائم الشرك، لكن الله تعالى قطع على مثل هؤلاء احتكارهم منح الصكوك الإيمانية حين ختم الآية بقوله تعالى: (وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم) _راعى عدم التعميم بالجار والمجرور منهم _عذاب أليم)، وحتى حين كان يناقش فكرة اعتبار المسيح ابن الله كانت لهجة القرآن بعيدة عن تصنيف المسيحيين كلهم فى وعاء واحد، لم يكن هناك وعيد ورمي بالكفر وكانت الآية تميل فى مجملها إلى المناقشة والشرح: "ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذن لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض" وهذه الآية أيضا لم تحمل أى إشارة للمسيحيين أو تتضمن اعترافا بسحب صك الإيمان منهم، وكذلك قوله تعالى في أمر أهل الكتاب غير المقتصدين في فهم دينهم، هو الذي سيحكم بينهم يوم القيامة كما فى سورة النساء: "يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ۚ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۖ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ ۚ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ ۚ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ۘ لَّهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا (171) لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ۚ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (172) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ ۖ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (173).

فى مقابل هذه الآيات يُظهر القرآن دائما فى معرض ذكر النصارى تقاربا مع المسلمين، يقول في آل عمران: (لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115). وفى آخر سورة نزلت المائدة: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ۖ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83).

اعتبر القرآن أهل الكتاب واختلاف معتقداتهم أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانو يعملون وهذا ما ختم به النص الصريح الذي ينظم فيه تقبل أهل الكتاب على أنهم عقيدة لها أنبياؤها وكتبها المقدسة منذ رفع قواعد البيت من قبل الجد إبراهيم كما جاء فى سورة البقرة: "وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129) وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ۚ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131) وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (132) .

تنطلق الأديان التوحيدية الثلاثة من سياق الإيمان بإله واحد ففي المسيحية، هو إله واحد، منذ الأزل وإلى الأبد، غير مدرَك، كلّي القدرة وكلّي العلم، وهو خالق الكون والمحافظ عليه؛ وهو ذو وجود يشكل المبدأ الأول والغاية الأخيرة لكل شيء.[1] يؤمن المسيحيون أن الله متعالٍ عن كل مخلوق، ومستقل عن الكون المادي؛ فهو "يسمو على كل خليقة، فيجب علينا دومًا ومن ثم على الدوام تنقية كلامنا من كل ما فيه محدود ومتخيل وناقص حتى لا نخلط الله الذي لا يفي به وصف ولا يحده عقل، ولا يرى، ولا يدرك، بتصوراتنا البشرية. إن أقوالنا البشرية تظل أبدًا دون سرّ الله"، [2] إننا "لا نستطيع أن نعرف ما هو الله، بل صفاته، وما ليس هو فقط"، [3] اللاهوت المسيحي عن الله، يستمدّ أساسًا من الكتاب المقدس بدءًا من أسفار موسى، والذي تولى شرحه وتحديده آباء الكنيسة والمجامع المسكونية. حسب التعريفات المسيحية فإنّ الكتاب المقدس يقدم للبشرية ما هو ضروري لمعرفة الله والخلاص، وإن العقل يدرك وجود خالق من خلال الخليقة فإن الوحي يلبث هاما.

إنه لا إله إلا الإله الوحيد السرمدي الحقيقي. "اسمع يا إسرائيل، الرب إلهنا رب واحد" 
(التثنية 4:6)، "هكذا يقول الرب ملك إسرائيل وفاديه رب الجنود، أنا الأول والآخر ولا إله غيري" (أشعياء 6:44) "أنت تؤمن أن الله واحد، حسنًا تفعل" (يعقوب 19:2). ومن وصايا الله العشر التي تتضمن خلاصة الناموس الأدبي للدين اليهودي، والدين المسيحي أيضًا، أن الوصية الأولى والعظمى منها هي "لا يكن لك آلهة أخرى أمامي" ومن ثم كان كل تعليم يضاد ذلك باطلا.

إن لحظة تقديس يسوع فى المسيحية توهجت حين ضحا بجسده لغسل خطايا شعبه، هنا توهجت نبوته وهي تحتضن تضحيته الأزلية، هذه هي اللحظة التى دفعت الأتباع إلى تتبع الوحي، المسيح مجردا من قبضة المؤسسة الرسمية أيا ما كان تسميتها، إعادة قراءة المسيحية قبل أن تنطلق فيها الآلة اللاهوتية الرهيبة محاولة صنع صورة قريبة من شكل الوحي ترتفع بالقديسين إلى مراتب الشفاعة والمناجاة الإلهية، وتكتب الدين بعد محاكمة يسوع بنحو مئتي عام، في بداية القرن الميلادي الأول في ضوء العلاقة اليهودية الرومانية المتوترة مشيرة إلى علاقة قد تكون عضوية كاملة بين المسيح وجماعة الزيلوت المتمردة على الرومان، وبغض النظر عما إذا كان للمسيح انتماء سياسي سابق (وهي مسألة يصعب الاستدلال عليها، حتى باستخدام النصوص غير المعتمدة كنسيا) وبغض النظر أيضا عن ممارسات الإخفاء العمدي لبعض الوثائق وإنكارها رسميا (وهو ما يصعب استبعاده الآن في ضوء الدراسات الحديثة حول تاريخ الكاثولوكية)، فليس هناك شك -كما يشير كتاب الدين والتدين- في أن المسيحية نشأت وتطورت من تفاعل التراث اللاهوتي اليهودي والاجتماع السياسي الروماني، استفز العنف الروماني في مطلع القرن الأول فكرة المخلص المنتظر الكامنة في التراث العبري، حتى أعلن بولس بوضوح أن الشريعة ليست هي صلب الدين، وصار بإمكان الوثنيين أن يصبحوا مسيحيين من دون التزام كامل بالشريعة: "فنحن نعتقد أن الإنسان يبرر الإيمان، لا بالعمل بأحكام الشريعة لأن الله واحد يبرر اليهود بالإيمان كما يبرر غير اليهود بالإيمان "لقد كان بولس يعي أن الشريعة (القانون) تتعلق بخصوصية الشعب اليهودي، لا بجوهر الدين، ولذلك استحقت يده أن تكتب المسيحية لأول مرة خارج الوسط اليهودي الذي أفرزها: على يد بولس تعممت الرؤية التي تقوم على التجسد، وهي الرؤية الأكثر تناغما مع الأوساط الوثنية التي انتقلت إليها المسيحية في المناطق الرومانية حول البحر المتوسط، تكونت الكنيسة كمؤسسة مركزية -مثلما تكونت مؤسسة الفقه في الإسلام- مهيمنة فى روما بدءا من منتصف القرن الثاني الميلادي، ومنذ بدايات القرن الرابع تحول موقف الدولة من العنف والاضهاد إلى التبني التدريجي على مدار ثمانية عقود، بعد ذلك فرضت روما نفسها على التدين المسيحي وتاريخ المسيحية كله، وباتحاد الكنيسة مع الدولة استبعدت جميع الصياغات الدينية التى لا تطابق رؤية التجسيد المستمدة من بولس -ربما دون اتحاد هاتين السلطتين كان من المحتمل أن نقرأ المسيحية في صياغة مغايرة غير التي وصلت لنا- أقصيت أفكار آريوس الذي اعتقد أن المسيح مع كونه كلمة الله وروحه، مخلوقا فى الزمن وليس أزليا كطبيعة الله، وفى عام 325 م عقد مجلس نيقية برئاسة الإمبراطور قسطنطين، الذي لم يكن حتى ذلك الوقت تم تعميده مسيحيا، ليعلن منطوقا إلزاميا مُوحدا للإيمان المسيحي، يقول بالألوهية الكاملة للمسيح: "ابن الله الوحيد المولود من الأب قبل كل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق مساو للأب في الجوهر" وبعد جدال عنيف وصل إلى حد الاعتداء على آريوس، جرى التصويت على المنطوق الأخير ليتم إقراره بنسبة 217 صوتا إلى 3 أصوات، وهو ما يستحق التوقف هنا بغض النظر عن مصداقية الأرقام، هو أن الدين بعد غياب مؤسسه بنحو 3 قرون يصدر بقرار تحت ضغط الدولة، وعبر آلية التصويت الديمقراطية. 

فى الإسلام أيضا ظل القرآن هو الوثيقة النصية الوحيدة طيلة قرنين، قبل نهاية القرن الأول بدأت حركات الطلب على الحديث والرواية والأخبار المتعلقة بسيرة الرسول وآثار الصحابة، وأخذ ذلك الموروث يتكاثر تدريجيا منفصلا عن السيرة والمعايشة الحقيقية للنبي، حتى تكدست المكتبة الفقهية وبلغت ذروتها في نهاية القرن الثاني، وعلى يد بعض الأئمة تحولت إلى نص مرادف يشرح بالتفسير والفقه كتاب الله، "تكوّن مصدرا مرجعيا مكافئا للقرآن في حجيته الإلزامية"، وجرى استعمال ملابسات الزمان والمكان التي نزلت فيها آيات القتال بثبوت مطلق لا قيمة فيه للموقف أو الظرف الذي نزل يشرحه، وعلى سبيل المثال لا الحصر فإن آية سورة التوبة التي تحتج بها السلفية دائما على قتال من يتعايش معهم ويخالفهم الدين: "قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29)" نزلت تحشد القبائل العربية في أوج توافدها على دخول الإسلام من أجل قتال الروم، وفي رجب سنة 9 من الهجرة أعلن النبي عن خوض آخر غزواته "تبوك"، وهذه اللغة القتالية العالية التي تضمنتها هذه الآية وما تلاها من آيات أدت غرضها، فعلى الرغم من تخلف الكثير من المنافقين والجبناء عن الالتحاق بالقتال، وما إن وصل الجيش إلى عين تبوك، انتصر النبي دون قتال إذ تشتت الجيش الروماني شمالا، وتبدد يستجدى النصرة من القبائل الصحراوية لكنه لم يحصل على أي دعم ولو حتى بالمرور من بعض الطرق الصحراوية ليبني الخطة الرومانية للمعركة، لقد نجح النص في الحشد رغم التقاعد والمنافقين وتردد بعض القبائل في الالتحاق بالإسلام، وكان قوام جيش المسلمين وقتها 30 ألفا مقابل 40 ألفا من الروم، لقد كان القرآن حاضرا بهذه اللهجة القوية في تبوك لأنه كان يعلم أنها ستكون "ساعة عسرة" ووقت فتنة حيث يقول تعالى فى شأن هذه اللحظة: (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيم).

في عام 1855، ألغيت الجزية بفرمان أصدره الوالي محمد سعيد وكان سعيد محبا للمصريين ولم يكن ميالا للأتراك ولا للمستتركين المصريين، فهو من أصدر اللائحة السنية التي أتاحت للمصريين امتلاك الأراضي، وهو الذي جند المصريين وسمح لهم بالترقي داخل الجيش، أحمد عرابي ورفاقه تم تجنيدهم في عهده وأعطاهم ترقيات سريعة وصار عرابي عقيدا بالجيش خلال سنوات محدودة، رغم أنه لم يدرس بالمدرسة الحربية، وجعله سعيد ياوره الخاص وكان يريد أن يرى المصريون قادة جيشه، وفي هذا الإطار قرر إسقاط الجزية نهائيا عن أهل الذمة، ليكون المصريون سواسية أمام القانون والدولة، كما يشير حلمي النمنم في كتابه "الجزية في مصر" -وقلّبت تلك الخطوة عليه بعض رجال الحكم وبعض العلماء. والذي حدث أن محمد سعيد تلقى مكاتبة ديوان المالية بالمتأخرات من الجزية لعام (1270 هـ ـ 1804م) فأصدر أمرا في 29 من ربيع الآخر (1271 هـ ـ 19 يناير 1855م): "نظرا لحصول المرحمة، فقد تجاوزنا عن تحصيل الجزية، المرتب تأديتها من الرعايا أهل الذمة العيسوية والإسرائيلية وعدم مطالبتهم بما تأخر عليهم، وعدم مطالبتهم به مرة أخرى".
عموما ومن بعد وضع النص القرآني في سياقه التاريخي فإن كل المسيحيين الذين يعتنقون جوهر المسيحية، هم فى نظر القرآن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون كما تقول سورة المائدة: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) [المائدة: 69]. والاستعراض لورود النصارى في القرآن يقطع بأن وصاية الله على أهل الكتاب لا تقل عن وصايته للمسلمين، وكتب السيرة السلفية تحكي أن أول اعتراف بنبوءة النبي كان من ورقة ابن نوفل وهو أيضا كما تقول بعض الروايات أول من كتب عقد زواج النبي بأولى زوجاته السيدة الخديجة، وهو ما يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مرنا فى التعامل مع أهل الأديان التوحيدية الأخرى، المسلمون الأوائل يعون وقفة المسيحية مع مسلمي مكة فى مهد الدعوة حين الهجرة الأولى للحبشة والتي ناصر فيها النجاشي الهاربين من التعذيب والموت في مكة إلى مدينة ماكسوم، وبعد أن استقروا هناك بلغهم خبر إسلام أهل مكة وكانوا أحد عشر رجلا وأربع نسوة، فقرروا قطع الهجرة والعودة لكنهم اكتشفوا أن إشاعة إيمان أهل مكة كانت مكيدة لرجوع المهاجرين، فعادوا أدراجهم مرة أخرى إلى النجاشي أكثر عددا فيما يسمى بالهجرة الثانية وكانوا اثنين وثمانين رجلا وزوجاتهم وأبناءهم وعلى رأسهم جعفر بن أبى طالب.

في القرآن لو تبادل المسيحي احترام المقدسات مع المسلم سيحظى بمرتبة المؤمنين، المسلم مأمور بهذا الاحترام نصا لم يطله النسخ "قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ"، ومن غير المسلمين من يؤمن بكل الكتب السماوية هو مع الله في ميثاق قرآني: "وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمْ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ"، بعد قول الله هذا لا يحق لأحد أن يحرم أي أحد من دخول الجنة فكل المتدينين بأي من الديانات التوحيدية، أو الحنيفية على كلمة سواء حسب نص القرآن "قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا".
فكرة نفي المسلمين للمسيحيين أو العكس تناقض التفكير العقلي لتطور الأديان التوحيدية نفسها، فالثلاثة -الإسلام والمسيحية واليهودية- تدور في سياق واحد، فيما يتعلق بملابسات التدوين والمذهبية والبنية الدينية وشكل التدين وتأثير الاجتماع في الدين، ففي اللحظة التي تحولت فيها موازين القوى وآلت لصالح الجماعة المسلمة في مقابل القرشيين واليهود بعد هجرة النبي إلى المدينة، انتبه القرآن إلى تشييد التنوع التشريعي خصوصا فيما يتعلق بأهل الكتاب، بصفتهم عاشوا عصورا سبقت ظهور الإسلام وسيحشرون للحساب.

بعد آيات القتال في التوبة نزلت سورة المائدة، آخر سور القرآن -ولا يزاحم المائدة فى هذا الترتيب سوى سورة التوبة- هناك إجماع بين كل علماء الأمة -السلفيون منهم أو المتمذهبون أنها آخر ما نزل في أحكام الحلال والحرام- وتذكر المصادر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ المائدة كاملة في خطبة حجة الوداع، وحث الناس على أن 
"يحلوا حلالها ويحرموا حرامها". تبدأ السورة بافتتاحية ذات إيقاع حقوقي واضح: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ" وهي بتلك الافتتاحية تضع ميثاقا مع المسلمين قبل أن تطرح أحكامها التكليفية في بعض المعاملات، والعقوبات، والعبادات لكن أهم الوجوه التشريعية للمائدة ستظل متجلية في النقاش الذي أجرته حول أهل الكتاب (اليهود والنصارى)، واحترام الاختصاص القانوني والقضائي لكليهما، أقرت مكتسبا دينيا كبيرا ينتصر للحرية الإنسانية ويعترف بحقيقة التعددية التشريعية داخل المجتمع الإسلامي الواحد، واستنكرت على اليهود استفتاءهم المغرض للرسول في بعض مسائلهم الحياتية والدنيوية: "وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ" وطلبت إلى النصارى الاحتكام إلى كتابهم، دون إشارة إلى إحالتهم تشريعيا إلى التوراة: وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47) ثم تحولت إلى الجماعة المسلمة قائلة: "وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ۖ " لتنتهى من ذلك كله إلى تقرير القاعدة الكلية "لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ" (48)، وهي قاعدة تنبني حسب الآية نفسها على إرادة الله الأزلية "وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً" هكذا تقول آخر سورة نزلت من القرآن وليس بعد قول الله قول، وبالمناسبة فإن هذا التوجه لم يكن قاصرا على سورة المائدة فقط، وإنما يملأ كل الآيات والسور المدنية بحكم أن الوحي المدني كان يختص بالتشريع في حين يتكفل المكي بالعقيدة والأخلاق، لقد كان القرآن بهذا التوجه يؤكد قاعدة التنوع، ويفصل نفسه عن بقية الكتب السماوية الأخرى.

يحدث الآن جدال رهيب على الإنترنت يتبارى فيه أناس بلحى ومسيحيون حول ذكر النبي محمد فى الإنجيل من عدمه، مناظرات بلغات أجنبية وأناس يبدو على وجوههم التنعم فى البيئات الأوروبية الهادئة، لكننا هنا نعيش الواقع وتديننا يفهم ويعي جيدا أن التنوع العقائدي يقبله الوحي ويفرض احترامه، إن فلاسفة أوروبا لم يفهموا الأديان جيدا لأنهم لم يعيشوا هذا التنوع، لقد نشأ فلاسفة العصور المتقدمة والمتأخرة في مجتمعات أوروبية قامت على إبادة القبائل الفطرية التى كان يجب أن تعايشها وتقبل تنوعها ليس هناك فيلسوف أوروبي نقد المسيحية وعاش التنوع الذي تعيشه مجتمعاتنا، أجيال تتربى في عمارات وأحياء فيها جيران مسيحيون متطرفون إلى جوار مسلمين أكثر تطرفا، إن محاولات التدين ليَّ ذراع الوحي الإلهي لصالح المذهبية والانفراد بالعقيدة والتشريع سلوك التدين المنقرض، أما الدين فأمر ذاتي ونور فطري، يتجدد مع الفردية أينما توفرت.  

إن التدين هو الذي أخذ الأديان من جوهرها كي يحرمها من التنوع مزيلا عنها مرونتها التاريخية، التدين هو الذي يزرع بذور التعصب ويسقيها من مياه المتغيرات الاجتماعية والسياسية -وهذا ينطبق على أي تدين كحكم طبيعي بفعل الاحتكاك والتعايش مع الحروب وحوادث التاريخ- أما النصوص الإلهية فهي في روح الدين وسابقة على الأحداث والمتغيرات الاجتماعية، وحي، لا يهتز لأي متغير، التدين يرتبط بالاجتماع والدين مرتبط بالذات الفردية وحريتها العقلية والإنسانية، لذلك لم يستطع أي تدين مهما أوغل في القدم والتمكن أن يغير شيئا من جوهر دينه، وبقيت العقول البشرية وفي كل عصور التاريخ تبحث دائما عن الإله وتفتش في الغيب بشقيه التاريخي والعقائدي، المسيحية ما هي إلا يهودية معدلة، والإسلام والقرآن امتداد لما أنزل من قبل، ومن ينكر كتابا أو نبيا من الأنبياء فقد ضل سواء السبيل، آن لعقولنا أن تبدأ تفكيك التدين القديم وتستعيد بريق الوحي، وتفتش في خطاب الدين الذاتي، وأن تفهم أن واقع الدين يحترم التنوع ويعترف بضرورة التعايش حتى وإن اختلف معه وعنه، غلبة الدين على التدين وروحه الإلهية المستمدة من الوحي هي التى حفظت بقاءه وضمنت استمراريته، وسط أجواء تاريخية وسياسية كانت تحطم كل شيء في طريقها إلى السلطة والحكم بالوراثة.