loading...

ثقافة و فن

«الراعي والنساء» و«رغبة متوحشة».. «خناقة» فنية صنعت فيلمين بنفس القصة

الراعى-والنساء-ورغبة-متوحشة1

الراعى-والنساء-ورغبة-متوحشة1



ملخص

أفلام عديدة، لها قصة واحدة، تم إنتاجها مرتين في السينما المصرية، لكن "الراعي والنساء" و"رغبة متوحشة"، هما حالة فريدة بين تلك الأفلام، فالملابسات الخاصة بهما مثيرة للغاية، سنستعرضها لكم.

كتب الروائي الإيطالي «أوجوبيتي» عام 1946 مسرحية تحت عنوان «جريمة في جزيرة الماعز»، تحكى عن أم وابنة وعمة، ثلاث نساء يعشن من دون رجل في «جزيرة الماعز»، وهي أرض خصبة وسط الصحراء، يملؤها الصمت والضجر، إلى أن يصل رجل غريب إلى منزلهن، فيدخل عالمهن القاسي والقاحل ويسيطر على كيانهن، ومعه تبدأ العلاقات داخل البيت الواحد بالتفكك وتعيش النساء صراعا على حبه، صراع الصواب والخطأ، لتأخذ الأم قرارا قد يعيد إلى العائلة صوابها، ويكون القرار هو الجريمة، لتتركه يموت في البئر.

هذه هي ملامح القصة الأصلية لمسرحية تُرجمت للعديد من اللغات، وقُدمت كأعمال فنية في دول عدة، من بين الترجمات، التي تحوّلت إليها الرواية كانت العربية، على يد أستاذ ورئيس قسم التمثيل بالمعهد العالي للفنون المسرحية، وهو الفنان سعد أردش، الذي قدمها في مسرحية عام 1983، ليقرر بعد ذلك المُخرج علي بدرخان تحويلها إلى فيلم سينمائي في مطلع التسعينيات وهو «الراعي والنساء»، الذي قدمه النجوم أحمد زكي، السندريلا سعاد حسني، ويسرا، والوجه الجديد ميرنا وليد.

محاولة علي بدرخان في تحويل الرواية العالمية لفيلم سينمائي نتج عنها خلاف كان الأشهر وقتها، وقد بدأ حينما استعان بالكاتب الكبير وحيد حامد، وطلب منه تحويل النص الأدبي لفيلم، وأعطاه بعض الملاحظات كي يسير السيناريو عليها، وبالطبع لم يرضخ السيناريست الشهير لنصائح بدرخان، وكتب السيناريو حسب وجهة نظره، الذي لم يُعجب بدرخان، فطلب أن يتم تعديله، وبالطبع رفض الكاتب المُتمرس، ومن هُنا دبت المعركة الكلامية على صفحات الجرائد وقتها، نتيجة تمسك حامد بحقه في السيناريو، واستعانة بدرخان بالسيناريست محمد شرشر وعصام علي لمساعدته في الكتابة بدلًا منه.

فيما ذهب وقتها المؤلف وحيد حامد للمُخرج خيري بشارة لتنفيذ الفيلم حسب وجهة نظره التي رفضها بدرخان، وكان الأمر أشبه بالماراثون، حيث تم تصوير الفيلمين في نفس التوقيت، وقد حاول كلا الاثنين الخروج بفيلمه أولًا، وفاز في السباق المُخرج علي بدرخان الذي عرض الفيلم للمرة الأولى ضمن فعاليات مهرجان الإسكندرية السينمائي في أكتوبر 1991، بينما عُرض رغبة متوحشة لخيري بشارة ووحيد حامد تجاريًا في يونيو 1992.

_640x_591dc792aa3b2b2aab648f8bd43ad722ff03a6670975b02f335d4e235f5c7e36

الاختلافات

«تتشابه الماعز والنساء، الاثنان يعشقن الراعي ويكرهان القيود»، هكذا كانت نظرة الروائي الإيطالي للنساء، والفيلمان اتفقا في هذه النقطة، فالبطلات فيهما كانا يبحثان عن راع؛ لذلك حاولن الثلاث أن يشبعن رغبتهن النفسية من ذلك الرجل الغريب الذي جاء للمنزل، فيما أشارت تقارير كثيرة إلى أن نسخة فيلم الراعي والنساء هي الأقرب للقصة الأصلية، فلم يبتعد بدرخان كثيرًا عن النص الأصلي، حتى إنك إن قرأت الرواية المترجمة لـ«أردش»، ستجد جُملًا حوارية كثيرة مأخوذة بالنص.

لكن مدرسة وحيد حامد مُختلفة، وستجد هذا أيضًا في جميع الروايات التي قام بتحويلها لسيناريو، على سبيل المثال فيلم عمارة يعقوبيان، اختلف كثيرًا في الحوار والحبكة عن رواية علاء الأسواني، التي تحمل نفس الاسم؛ لذلك سترى أن «رغبة متوحشة» مختلف في أشياء كثيرة عن النص الأصلي، فمثلًا وحيد أضاف فكرة «الكنز» التي تُعتبر محور الفيلم، الكنز الذي لا يعرف مكانه سوى الرجل الغريب، ومن هُنا يستمد قوته ويفرض وجوده على النساء الثلاث، ومن هُنا استطاع حامد أن يجذب المُشاهد في رحلة مشوقة ومثيرة عرض من خلالها مشاعر وشخصيات أبطاله الأربعة.

الاختلاف بين سيناريو بدرخان وسيناريو وحيد حامد هو أن فيلم الراعي والنساء وضع اهتمامه الكامل بالشخصيات والمفارقات النفسية التي تحدث لهم دون إضافة شيء من الإثارة والتشويق للعمل، فيما عمل رغبة متوحشة على إضفاء نوع من الإثارة، لذلك تجد أن كثيرين شبهوا «رغبة متوحشة» بأنه ابن السينما الهوليوودية، فيما شبهوا «الراعي والنساء» بطابع السينما الأوروبية.

33060065_778090312388107_1081321964536070144_n

شباك التذاكر

حاز «رغبة متوحشة» على نصيب الأسد في شباك التذاكر؛ نظرًا للخلطة التي يعلمها وحيد حامد جيدًا، والتي أضافها للسيناريو الذي اعتقد قطاع كبير من الجمهور أنه على موعد مع فيلم يحتوي على الكثير من مشاهد الإغراء والجنس، إضافة إلى أنهم اعتمدوا على نجومية الفنانة نادية الجندي التي جسدت شخصية الأم، ووقتها كانت تُلقب بـ«نجمة الجماهير»، وكانت أفلامها صاحبة الأعلى إيرادات، لكن فيلم «الراعي والنساء» نال تقديرًا في الأوساط الفنية، وتم تكريم الفنانة سعاد حسني، ومنحها جائزة أفضل ممثلة في مهرجان الإسكندرية السينمائي المهرجان، الذي عرضه  تقديرًا له، إضافة إلى أنه نجح أكثر من «رغبة متوحشة» في العرض التلفزيوني.

16671561421511623382

أحمد زكي ومحمود حميدة

قبل «رغبة متوحشة»، لم يكن محمود حميدة بطلًا لشباك التذاكر، ولعب في العديد من أفلام أحمد زكي شخصية الدور الثاني و«السنيد»، لكن التنافس الذي حدث بين فيلمه، وفيلم أحمد زكي، «الراعي والنساء»، جعله يناطح النجم الأسمر، وفي 1993، أي بعد عرض الفيلمين بعام واحد فقط، قام المُخرج محمد خان باستبدال أحمد زكي بحميدة، في فيلم «فارس المدينة»، بعدما تهرب منه زكي، رغم أنه وقع على عقد الفيلم، لكن أثناء التصوير اختفى فجأة، ما اعتبره خان اعتذارًا عن الفيلم، لكن زكي غضب وقتها، وفي لقاء جمعه بخان صاح فيه قائلًا: «بقى هو فارس المدينة يا خان»، ليمتد التنافس بين الاثنين في فيلم «الباشا»، فقد كانا بطلي الفيلم، وكانا «الند بالند»، حتى قال البعض إن حميدة خطف من زكي الكاميرا أحيانًا، ثم اشتدت الخلافات بينهما في فيلم «الرجل الثالث» عام 1995.

13

الاقتباس في السينما المصرية وإعادة إنتاج الأفلام العالمية مرة أخرى له تاريخ طويل، لكن تم في عصور وأزمنة مختلفة ومتباعدة، لكن في الراعي والنساء ورغبة متوحشة كان للمرة الأولى يتم في وقت واحد.