loading...

أخبار مصر

شارع «بن اليازري».. هدم التراث بحجة المنفعة العامة (صور وفيديو)

عقارات تراثية بشارع بن اليازري

عقارات تراثية بشارع بن اليازري



عندما يعتدي أحد على منزل شخص ما، يقف الشخص في وجهه بكل قوة، بل ويسانده أيضا كل من حوله في الاحتفاظ بحقه في الملكية، ويمنعون المعتدي بكل الطرق من انتزاع ملكية صاحب الحق، ولكن هناك حالة وحيدة لا يعترض فيها المواطن على انتزاع ملكيته عندما يقال له ستنتزع ملكيتك من أجل "المنفعة العامة"، وهنا يقف صاحب الحق صامتا متفرجا على ضياع ذكرياته ومكان مولده، لأنه لا يملك سوى أن يطالب بالتعويض، ولأنه على يقين تام بأن قرار انتزاع الملكية من أجل المنفعة العامة هو حق للدولة بقوة القانون، لذا يبدأ في المطالبة بحقه في التعويض بالسعر السائد، ولكنه في النهاية لا يحصل سوى على النسبة التي حددتها اللجنة المشكلة من جانب الحكومة والتي لا تتناسب مع السعر السائد.

حكايات كثيرة عن نزع الملكية من أجل المنفعة العامة تمر مرور الكرام دون أن تحدث حولها ضجة حيث يستسلم أصحابها للقرار، ويقبلون بالتعويضات المقدرة، مع التظلم لدى القضاء من هذه التعويضات، ولكن وسط كل هذه الحكايات، استوقفتنا حكاية لا تمس أصحابها فقط بل تمس أجيالا من حقها أن تستمتع بتراثها، فقرار نزع الملكية هذه المرة لا يخص عقارات عادية أو غرفا عشوائية، وإنما يخص عقارات تراثية لها تاريخ وطراز معماري مميز، إنها حكاية شارع ابن اليازري المتفرع من شارع 26 يوليو، الشارع الذي لا يحمل ذنبا سوى أنه يقع في منطقة مثلث ماسبيرو التي تحولت إلى منطقة عشوائية، فقررت الحكومة إزالتها وتطويرها، وأصبحت العقارات التراثية القديمة لا تتناسب مع التطوير الحديث فصدرت قرارات الإزالة لها.

حكاية سكان شارع ابن اليازري والتراث المهدد بالهدم

عندما تتجول في شارع 26 يوليو بمنطقة بولاق أبو العلا، لن تكف عيناك عن تأمل تلك المنطقة التاريخية والطراز المعماري للعديد من مبانيها، قد تبدو بعض العقارات متهالكة من الخارج ولكن هناك تقارير هندسية تثبت أن العقارات سليمة ولا تحتاج إلا لتجميل الواجهات، وترميم بعضها، ومن الشوارع التي تحمل مبانيها عبق التاريخ شارع ابن اليازري، الذي تنتظر عقاراته التراثية الهدم في أي وقت.

فمن سوء الحظ أن هذه العقارات تقع داخل إطار منطقة مثلث ماسبيرو، وهي المنطقة العشوائية التي قررت الحكومة إزالتها من أجل تطويرها.

القصة بدأت عقب الانتهاء من هدم المنازل العشوائية بمنطقة مثلث ماسبيرو، بإعلان تم تعليقه على العقارات، يعلن من خلاله رئيس حي بولاق أبو العلا أنه تقرر البدء في إخلاء وهدم العقارات المطلة على شارع 26 يوليو استكمالا لقرار محافظ القاهرة رقم 1361 لسنة 2015، باعتبار منطقة مثلث ماسبيرو منطقة إعادة تطوير فيما عدا العقارات ذات الطراز المعماري المتميز وذلك لحين صدور تعليمات أخرى بشأنها.

وبعد انتهاء الأجهزة التنفيذية بمحافظة القاهرة من هدم عدد من العقارات القديمة المطلة على شارع 26 يوليو، ظلت هذه العقارات صامدة وسط الهدم، حتى فوجئ أصحاب العقارات التراثية بإعلان جديد تم تعليقه على العقارات، ينص على أنه تقرر البدء في إخلاء وهدم العقارات المطلة على شارع 26 يوليو، بالإضافة إلى العقارات خلف السلطان أبو العلا والمطلة على كورنيش النيل والمحصورة بين وزارة الخارجية وكوبري 15 مايو استكمالا لقرار محافظ القاهرة رقم 1361 لسنة 2015 باعتبار منطقة مثلث ماسبيرو منطقة إعادة تطوير.

بولاق أبو العلا.. منطقة تحمل مبانيها تاريخا لا ينسى

يمتد تاريخ منطقة بولاق أبو العلا إلى مئات السنين، وتعد من أعرق أحياء محافظة القاهرة، أخذت شهرتها مع حملة بونابرت عام 1798، واستخدامها للوصول إلى مناطق الوجه البحري. ويوجد في حي بولاق أبو العلا العديد من المؤسسات الصحفية، منها جريدة الأهرام، ومؤسسة أخبار اليوم، وجريدة المساء.

وانتشرت العمارات على الطريق بدءا من حديقة الأزبكية إلى كوبري أبو العلا وكانت بها أماكن تعد ملتقى الأدباء والمفكرين، ومنها عمارة الجندول التي أقامها الموسيقار محمد عبد الوهاب مكان بار سان جيمس، الذي كان يجلس فيه الشاعر أحمد شوقي وعمر لطفي المحامي، وعمارة شيكوريل التي قامت مكان "بار صولت" الحلواني، الذي كان مطعما ومحلا للحلوى ومشربا للخمر، وكان "صولت" هذا ملتقى كبار الأدباء والشعراء والمثقفين والصحفيين، يتقدمهم أحمد شوقي الذي كان مكانه المفضل بين العاشرة مساء والواحدة صباحا، ويتجمع حوله الدكتور محجوب ثابت بك الطبيب الأديب، والشيخ عبد العزيز البشري ومحمود فهمي النقراشي وعبد الحليم العلايلي، وأمين الرافعي رئيس تحرير جريدة الأخبار "القديمة" وسليمان فوزي صاحب جريدة الكشكول وصالح البهنساوي الصحفي المشهور في "الأهرام".

وفي بولاق ثلاثة مساجد تاريخية أشهرها مسجد السلطان أبو العلا، وأكبرها مسجد سنان باشا، وأقدمها مسجد زين الدين يحيى. وفي عهد محمد علي تحولت بولاق إلى منطقة صناعية ضخمة، منها المسابك والمصانع، وفيما بين بولاق وشبرا على ساحل النيل، أقيمت الورش الكبرى والمطبعة الأميرية ودار الصناعة الكبرى والمباني الحكومية وحظيرة واسعة أطلق عليها اسم "المبيضة"، إذ كان يتم "تبييض" الأقمشة بالأساليب المستحدثة، وأنشئ مصنع الخوخ على شاطئ النيل وامتاز بجودة إنتاجه وأزيلت أنقاض بولاق، وفيها أنشئت أول دار للطباعة في الشرق، وبجوارها أنشئ مصنع لصناعة الورق ليمد المطبعة بما تحتاج إليه، بل أنشئ مسبك لسبك الحروف العربية اللازمة للمطبعة. وتحولت بولاق والسبتية إلى منطقة صناعية فيها مسابك الحديد ومصانع الأقمشة وورش النجارة والحدادة وغيرها من الصناعات والحرف المختلفة.

بدأت عملية التطوير في حي بولاق عندما تم إزالة العشش والمباني العشوائية، وأنشأت الدولة مقرا للدبلوماسية المصرية على كورنيش بولاق، ثم إنشاء مبنى الإذاعة والتليفزيون في أوائل الستينيات، ومؤخرا هدم منطقة مثلث ماسبيرو للبدء في تطويرها.

أصحاب العقارات: الحكومة هتهدم تاريخنا.. والتعويض ملاليم

حالة من الغضب سيطرت على سكان العقارات المطلة على شارع 26 يوليو، بعد قرار الإزالة الذي أعلنت عنه محافظة القاهرة، حيث يرى السكان أن القرار ليس مجرد إزالة عقارات، بل هو إزالة معالم تاريخية وتراثية، كان من الممكن الاحتفاظ بها وتجميلها بما يتناسب مع التطوير الجديد، ولأنهم يعلمون جيدا أن الحكومة سوف تنفذ القرار، طالبوا بتعويضهم بالسعر السائد حاليا وليس وفقا لتقديرات لجنة مكونة من عدد من الموظفين، ولكن رئيس الحي أخبرهم أن التعويضات ستكون بالمثل كما حدث مع سكان العشوائيات، أي التعويض بـ60 ألف جنيه عن الغرفة الواحدة.

هشام أبو العلا، أحد سكان شارع ابن اليازري، قال لـ"التحرير"، إن العقارات التراثية بالمنطقة لا تحتاج إلى الهدم وإنما تحتاج إلى تجميلها وتطويرها أسوة بما حدث في تطوير القاهرة الخديوية، مشيرا إلى أن السكان يطالبون الحكومة بترميم الواجهات بما يناسب عملية التطوير، وأن السكان يريدون المشاركة في تكاليف الترميم من أجل الإبقاء على العقارات التراثية وحمايتها من الهدم، لأنها تحمل تاريخهم وتاريخ أجدادهم، كما أن هناك تقارير هندسية تثبت سلامة العقارات.

وقال أبو العلا إنه في حالة تصميم الحكومة على إخلاء العقارات وهدمها، فلا بد أن يكون التعويض مناسبا للسعر السائد في السوق، مشيرا إلى أن المسئولين عرضوا على السكان نفس البدائل التي عرضوها على سكان العشوائيات، حيث يبلغ التعويض عن الغرفة 60 ألف جنيه، أو الحصول على عقد للعودة مرة أخرى إلى المنطقة والحصول على وحدة سكنية ثمنها يفوق بكثير قيمة التعويض.

وأكد هشام أن سعر الشقة التي يقطن بها حسب السعر السائد 2 مليون جنيه، وتقدير لجنة التعويضات 300 ألف جنيه فقط، وهذا مخالف لقانون المنفعة العامة، كما أنه تقدير ظالم لسكان العقارات، لافتا إلى أنه اذا كان هناك تصميم لدى المسئولين على هدم العقارات فلا بد من تعويضهم بالسعر المناسب الذي كفله القانون.

هدى علي، إحدى ساكنات شارع ابن اليازري، قالت لـ"التحرير"، إن الحكومة اتخذت قرارا بهدم عقارات تراثية حسب أوراق الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، مؤكدة أنها لن تترك منزلها، كما أنه لا يوجد تعويض مادي مناسب للسكان من أجل إقناعهم بالإخلاء، وما يحدث في مصر لا يحدث في الدول الأخرى، فهناك دول لا تقبل بهدم تراثها، وتحاول الحفاظ عليه بكل الطرق.

ومن جانبه قال أحد أصحاب محلات 26 يوليو، الذي رفض ذكر اسمه، إن الحكومة قدرت سعر المتر للمحلات التي تم هدمها من أجل الخط الثالث لمترو الأنفاق بداية من 5000 جنيه وحتى 7000 جنيه، ولم تراع السعر السائد مما عرض عددا كبيرا من أصحاب المحلات إلى الخسارة، مؤكدا أن التظلم لم يأت بنتيجة حتى الآن وتم هدم المحلات وإجبار المواطنين على التعويضات التي قدرتها اللجنة المشكلة من المحافظة، وصاحب المحل لا يملك سوى أن يتظلم فقط.

قانون نزع الملكية من أجل المنفعة العامة ينص على التعويض بالسعر السائد

عندما تتجول بين نصوص قانون انتزاع الملكية من أجل المنفعة العامة، ستجد أن كل ما يحصل عليه المواطن من تعويضات من أجل المنفعة العامة على أرض الواقع مخالف للقانون.

في إبريل الماضي وافق مجلس النواب برئاسة الدكتور على عبد العال، نهائيا على مشروع القانون المقدم من الحكومة، بشأن تعديل بعض أحكام القانون رقم 10 لسنة 1990 بشأن نزع ملكية العقارات للمنفعة العامة.

وينص القانون في المادة الثانية على أن يكون تقرير المنفعة العامة بقرار من رئيس الجمهورية أو من يفوضه، مرفقا به مذكرة بيان المشروع المطلوب تنفيذه، ورسم بالتخطيط الإجمالي للمشروع والعقارات اللازمة له.

وينص في المادة الثالثة على أن ينشر القرار المقرر للمنفعة العامة مع صورة من المذكرة المشار إليها فى المادة (2) من هذا القانون فى الجريدة الرسمية، ويلصق فى المحل المعد للإعلانات بالمقار الرئيسية لوحدات الإدارة المحلية، وفى مقر العمدة أو الشرطة، وفى المحكمة الابتدائية الكائن فى دائرتها العقار، وعلى واجهة العقار محل نزع الملكية بطريقة ظاهرة.

وفي المادة 5 "فقرة ثانية "ينص القانون على أن يسبق عملية الحصر المذكورة إعلان بالموعد الذى يعين للقيام بها، يلصق فى المحل المعد للإعلانات بالمقار الرئيسية لوحدات الإدارة المحلية، وفى مقر العمدة، وعلى واجهة العقار محل نزع الملكية بطريقة ظاهرة، كما يخطر ذوو الشأن بالموعد المذكور بخطاب موصى عليه مصحوبا بعلم الوصول، وعلى جميع الملاك وأصحاب الحقوق الحضور أمام اللجنة المذكورة فى موقع المشروع للإرشاد عن ممتلكاتهم وحقوقهم".

أما فيما يخص التعويضات فتنص المادة الساسة بالفقرة الثانية على أن يقدر التعويض طبقا للأسعار السائدة وقت صدور قرار نزع الملكية، مضافا إليه نسبة 20% من قيمة التقدير، وتودع الجهة طالبة نزع الملكية مبلغ التعويض خلال مدة لا تجاوز شهرا من تاريخ صدور القرار بحساب يدر عائدا لدى أحد البنوك الحكومية لصالح الجهة القائمة بإجراءات نزع الملكية.

وفي المادة السابعة فقرة أولى ينص القانون على أن تعد الجهة القائمة بإجراءات نزع الملكية بعد إيداع مبلغ التعويض المنصوص عليه فى المادة السابقة كشوفا من واقع عملية الحصر والتحديد المنصوص عليه فى المادة (5) من هذا القانون تبين فيها العقارات والمنشآت التى تم حصرها ومساحتها وموقعها وأسماء ملاكها وأصحاب الحقوق فيها ومحال إقامتهم والتعويضات التى قدرتها اللجنة المنصوص عليها فى المادة السابقة، وتعرض هذه الكشوف مرفقا بها خرائط تبين مواقع هذه الممتلكات فى المقر الرئيسى لهذه الجهة، وفى مقر مديرية المساحة أو الإدارة التابعة لها بعاصمة المحافظة الواقع فى دائرتها العقار، وفى مقر العمدة، وفى مقر الوحدة المحلية، وعلى واجهة العقار محل نزع الملكية بطريقة ظاهرة، لمدة شهر، ويخطر الملاك وذوو الشأن والجهة طالبة نزع الملكية بهذا العرض بكتاب موصى عليه مصحوبا بعلم الوصول.

وينص القانون في المادة 13 على ألا يحول الطعن فى تقدير التعويض على النحو الوارد بالمادة (9) من هذا القانون دون حصول ذوى الشأن من الجهة طالبة نزع الملكية على المبالغ المقدرة بمعرفة اللجنة المنصوص عليها فى المادة (6) من هذا القانون مضافا إليها عائد مبلغ التعويض، كما لا يحول استئنافهم الأحكام الصادرة فى هذه الطعون من المحكمة الابتدائية دون حصولهم من تلك الجهة على التعويضات المقضى بها ابتدائيا، وإذا تعذر الدفع لأى سبب كان، ظلت المبالغ بالحساب البنكى للجهة مع إخطار ذوى الشأن بذلك بكتاب موصى عليه مصحوبا بعلم الوصول.

ويكون دفع التعويض لذوى الشأن أو إيداعه بالحساب البنكى للجهة القائمة بإجراءات نزع الملكية أو إخطار ذوى ىالشأن بتعذر الدافع، مبرئا ذمة الجهة طالبة نزع الملكية من قيمة التعويض عن عدم الانتفاع المنصوص عليه فى المادة (14) من هذا القانون.

خبير بالمحليات: قيمة التعويض في القانون عادلة والعيب في الموظف الذي قدر التعويض

الدكتور حسن الخيمي، الخبير بالإدارة المحلية قال لـ"التحرير"، إن الحكومة دائما ما تقدم تعويضات ضئيلة للمواطنين، وتردد على آذانهم دائما أن هذا من أجل المنفعة العامة، في حين أن القانون ينصف المواطن وينص على تعويضه بالسعر السائد، ولكن ما يحدث هو تشكيل لجنة من مجموعة من الموظفين لتقدير التعويضات اللازمة، والتي دائما ما تكون ضئيلة ولا تتناسب مع السعر السائد في السوق.

وأكد الخيمي أنه من حق المواطن اللجوء إلى محكمة القضاء الإداري والتظلم من التعويض، والمطالبة بأن يتناسب التعويض مع القيمة الفعلية للأرض أو العقار، لأن انتزاع الملكية يكون طبقا لقانون المنفعة العامة، ولا بد أن يصدر شيك بالتعويض قبل الهدم.

وأوضح الخيمي أن العيب في التنفيذ وليس القانون، لأن القانون ينص على قيمة عادلة للتعويض، والموظف يحاول التقليل من قيمة التعويض مما يحمل ظلما للمواطنين.

وفيما يخص العقارات التراثية قال الخيمي، إن القانون يمنح الحق للدولة في انتزاع ملكية أي عقار، ولكن كان لا بد من دراسة قرار هدم عقارات ومحلات تاريخية، لأن هذا تراث لا بد من الحفاظ عليه وتطويره.