loading...

مقالات

تسعينيات القاهرة.. مقهى عماد الدين

تسعينيات القاهرة.. مقهى عماد الدين


هناك حكاية طريفة حدثت لي مساء ذلك اليوم من عام 1993، على "مقهى عماد الدين"، الذي كان يقع في شارع عماد الدين، واشترته بعد ذلك شركة تعمل في مجال الأدوات الكهربائية. عادة ما كنت أجلس هناك لو كنت أريد أن أنفرد بنفسي وأفكاري، أو أقابل الأصدقاء القريبين مني، بعيدًا عن ضوضاء الحياة الثقافية في مقاهي وسط البلد الأخرى. في مساء هذا اليوم كنت أجلس وحيدًا ومفلسًا وحزينًا، وعليَّ أن أسافر للإسكندرية في تلك الليلة، وليس معي ما يكفي لسفر مريح، وربما لا يكفي لملء زمبلك القدمين لخطوات قليلة خارج هذا المقهى.

كانت هذه الحالات تتكرر كثيرًا: أن أجد نفسي مقذوفًا ووحيدًا ومفلسًا في مكان ما في القاهرة، وعليَّ أن أغادر وأعود للإسكندرية، وداخلي سأم يكفي عاصمتين، ولا يأتي أحد من الأصدقاء على الرغم من وجود موعد مفتوح بيننا للقاء في هذه الشوارع المزدحمة من وسط البلد، لأنهم يعيشون أيضًا على تلك الحافة التي أعيش عليها، وجميعهم مقذوفون داخل أكوان قاهرية مرهقة، وحيدون بداخلها ويستعدون أيضًا للسفر لمكان ما، ولا يملكون الطاقة لملء زمبلك الحركة، ويتحايلون أيضًا على تدبير نفقات معيشتهم.

لكن تلك الأيام لا تخلو أيضًا من ثراء مفاجئ يقع على أحدنا، وتنفتح تلك الأكوان المغلقة على بعضها البعض، ويركب الجميع في قطار واحد، ويغادرون أرض الواقع القاهري المرهق، إلى محطات نائية كلها نقاشات حول الشعر والمكان الجديد له في حياتنا. كان الشعر، لدقة وخصوبة رموزه، مكان التمثيل الأدق للحلم الأدبي، والمعبِّر عن هذا المكان الجذري الجديد، الذي نبحث عنه في الشعر أكثر من الرواية والقصة القصيرة.

                                               ***

بداية من عقد التسعينيات كنت أسافر للقاهرة أسبوعيا تقريبًا، أبدأ الأسبوع بيوم الثلاثاء، حيث حضور أحد عروض الأفلام المهمة، وغير المتاحة في جمعية الفيلم 36 شارع شريف، الذي يشرف عليها في ذلك الوقت المخرج التسجيلي شفيع شلبي. ثم الطواف حول ثلاثاء الأتيليه مساء، حيث يتجمع كل المثقفين هناك، وهو تجمع غريب، يشبه الأسواق الريفية، الجميع من كل حدب وصوب يعرض نفسه أو بضاعته. يمتلئ الجو بأزيز النجوم ومتوسطي النجومية ومعدوميها.

أعتقد أن هذا "التجمع الثلاثائي"، بدأ مع تكون جماعة جاليري 68، ولم يكن هذا الشكل التعبوي موجودا قبلها بين المثقفين. فهذا الحشد، الذي يشبه الحشد السياسي تمامًا، كان يدور حول معنى غائب أو على وشك الغياب، إثر هزيمة 67.

                                               ***

كانت أغلب المقاهي والبارات المنتشرة في وسط البلد تحتلها تجمعات أدبية، وفنية، كل جماعة تعرف الأخرى وربما تصنفها أدبيًا أو سياسيًا، وربما تكون هناك صلات نسب أو قربى فيما بينها، من خلال أحد أعضائها. في الغالب كانت هناك تصورات عدائية بين تلك الجماعات بسبب موقفها من "الحداثة"، التي كانت نقطة الاختلاف الظاهرية في ذلك الوقت من التسعينيات. كان مفهوم الحداثة يعنى إنسانًا معاصرًا، إنسان ما بعد السياسة، متخففًا من الفهم السياسي المباشر، باحثًا عن شعريته وتفسير حياته في تفاصيل الحياة اليومية، وليس في النظريات الكلية.

ربما في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات، شغل الروائيان ثروت أباظة ويوسف السباعي لواء تلك الجماعة المُستهدفة من الجميع بسبب الموقف الأدبي الرجعي، وأيضًا لعلاقتها مع السلطة آنذاك.

                                                  ***

أتذكر أحد الشعراء في الإسكندرية كان يجلس على مقهى "البوابين" ببذلة كاملة، بعد انتهاء الندوة، التي يشارك بها أسبوعيًا في قصر ثقافة الحرية. كان وقتها يتكلم عن "أدونيس" صراحة بأنه "عميل". لا تعرف عميلا لمن، ربما "للحداثة"، التي تحولت إلى جهاز مخابرات كبير، يعمل لديه العديد والعديد من العملاء. هذا الشعور المخابراتي كان حاضرًا بقوة في تلك الفترة، وربما له جذور ضاربة في تربة الثقافة المصرية منذ حادثة جائزة مجلة "حوار" اللبنانية برئاسة الأديب توفيق صايغ، وربما قبلها بكثير، التي منحت جائزتها لأفضل أديب عربي إلى يوسف إدريس عام 65. حينها تدخلت الدولة المصرية كي يرفض يوسف إدريس الجائزة بعد قبوله لها، بسبب أنها ممولة من منظمة عالمية اسمها "منظمة الحرية الثقافية"، التى كان لها 35 فرعًا في كل أنحاء العالم، وتتبع المخابرات الأمريكية، التى كانت تعمل في المنطقة، وتريد أن تكون شريكًا في صناعة مشهد ثقافي ضد المعسكر الشرقي آنذاك.

هذه الأزمة ربما كشفت عن العمق السياسي للثقافة المصرية. كان المناخ مسممًا تمامًا، وربما اقتراب الدوائر السياسية من الدوائر الأدبية في مصر كان أحد أسبابه، وأيضًا هذا الصراع بين المعسكرين الشرقي والغربي، الذي تغلغل إلى كل الأنشطة والممارسات.

                                                 ***

طبعًا أغلب هذه الجماعات الأدبية المرتجلة كانت تجتمع في "وسط البلد"، المعبَّر عن هذا الحشد الأدبي الاحتجاجي وظلاله، وبشكل ما يشكل الثقافة المصرية الهامشية الأصيلة. لكني فوجئت في إحدى صباحات يوم الجمعة القاهرية بتجمع أدبي يلبس البذلات، ويجلس في كافيتريا "امفتريون" بمصر الجديدة، تضم دانرة الأكاديميين، لم أعرف بها إلا بعد استماعي لحديثها الرصين، وكان يجلس في حضرتهم بعض الأدباء الشبان أشباهي، الراغبين في أي دعم نقدي أو نفسي من هذه السلطة الثقافية الأكاديمية.

                                               ***

في إحدى دور النشر في ذلك الوقت أيضًا رأيت الأديب والمثقف والمترجم الكبير عبد الغفار مكاوي، صاحب ترجمات "ثورة الشعر الحديث" بجزأيه، وهو يستجدي المكانة، ويشرح بأسى التجاهل الذي تعرض له في هيئة الكتاب لخروج أحد كتبه المترجمة، كان يتكلم بروح كسيرة على وشك أن تودع الدنيا.

                                                 ***

ولأن الآماكن كانت كلها محصورة في وسط البلد بوصفه مكان التمثيل للسلطة الثقافية الهامشية، في مصر، فكان التداخل بين هذه الجماعات المرتجلة مفروضًا عليها، والتزاوج والنسب أيضًا، وتبادل التطاحن الفارغ بسبب الملل والسأم وطول المواجهة التى بلا طائل، أو عائد ثقافي أو مادي حقيقى، ولم يحدث الاستقلال لإحداها عن دائرة السلطة الهامشية والنزوح لأطراف القاهرة كما يحدث الآن.

                                               ***

أغلب وظائف أعضاء هذه الجماعات المرتجلة، باختلاف أدبائها، إما في وزارة الثقافة، أو الجرائد الحكومية أو الحزبية، أو التليفزيون، أو الوظائف الحكومية العادية، أو الأعمال الحرة، فلم تكن ظهرت بعد مؤسسات المجتمع المدني. وكان منهم وافدون كثيرون، من أمثالي، جاءوا إلى القاهرة بحثًا عن "شمس منتصف الليل" للقاهرة المركزية، وكان أغلبهم أيضًا يذوبون في الليل دون هدف.

                                              ***

أعود إلى حكايتي الطريفة، التي كلما تذكرتها انفرجت أسارير قلبي وبحتُ أمام نفسي بضحكات صافية. في ذلك اليوم من عام 1993 كنت جالسًا على "مقهى عماد الدين" في ذلك الممر، الملحق بالمقهى،  والمصنوع نصفه الأعلى من مربعات الزجاج على ما أتذكر، وفي الخارج تقف عربة بائع "مكرونة فرن"، التي يخلطها بالصلصة الحمراء الخفيفة، التى وجدت لها عشاقا من رواد المقهى. فكان الصبي يدخل ويخرج حاملًا خرطات المكرونة الفرن في تلك الأطباق البلاستيكية الغويطة المنحدرة من سلالة أطباق الميلامين في السبعينيات. لم أجرؤ يومًا على تذوق هذه المكرونة، كما لم أجرؤ يوما على طلب ساندويتش سجق من تلك العربة المرابضة أمام "مقهى الشمس"، بسبب لون السجق القاهري البرتقالي الغريب، لكني تناولت وجبات شهية من السجق الحراق، غريب الشكل واللون أيضًا، عند "زيزو نتانة" في باب النصر، بسبب أن الفنانين ولاعبي الكرة لهم صور هناك.

                                          ***

في ذلك اليوم كنت جالسًا مقذوفًا وحزينًا أفكر في كيفية تدبير مصاريف السفر مع وجبة صغيرة، وإذا بي أجد أمامي إحدى الجماعات الأدبية "الكلاسيكية"، في تصنيف جماعتنا، التي تهتم بكتابة القصة القصيرة والرواية؛ تدخل المقهى.

كنت أعرف هذه الجماعة من بعيد، لكنهم لا يعرفونني، فقد كنت وجهًا جديدًا على القاهرة في ذلك الوقت، وربما حتى الآن. جلسوا على مبعدة مني، وبدأوا في مناقشة إحدى قصص أعضائهم. كانوا يجلسون في شبه دائرة، ويقتربون من مصدر الصوت بآذانهم.

احتد النقاش بين الجماعة الأدبية الكلاسيكية، لكن الأهم أنهم كانوا يتناقشون بأدب جم، وربما زائدا على الحاجة لأدب وأخلاق ذلك الوقت. بعد الانتهاء من نقاش القصة الأولى، وأثناء الاستراحة قمت من مكاني بعد أن برقت في رأسي فكرة شيطانية. اقتربت من هذه المجموعة، ووقفت أمامهم بأدب جم، مثل أي مندوب مبيعات. كأني نزلت من كوكب آخر على الكوكب، الذي يجلسون فيه، مبهورًا به. ثم أخرجت من الحقيبة، التى كنت أحملها معى باستمرار بعض النسخ من كتاب "ككلب يرى وجهه في المرآة، ويفكر هناك كلب آخر"، وهو عبارة عن رسائل للشاعر  النمساوي "ريلكة" كتبها لزوجته أثناء سفره، وقد قامت سلوى، قبل زواجنا، بترجمته، وطبعناه على نفقتنا الشخصية.

أخرجت عدة نسخ من الكتاب، ووزعته عليهم معرِّفا نفسي بأني أديب شاب يبدأ حياته في العاصمة، وأنني استمعت لنقاشهم الذي جذبني، لذا عرضت عليهم هذا الكتاب لعله يعجبهم. وطبعًا أرفقت كلامي بسعر الكتاب، الذي كان وقتها 3 جنيهات، خوفًا من أن يعتقدوا بأنه مجانا، "سِلْو" هذه السنوات. فقد كانت الكتب وقتها توزع مجانا لأصدقاء الأديب ومعارفه. أسهبت في الشرح عن أهمية الكتاب وعرفتهم بأنه كتاب مترجم قامت صديقة لي بترجمته وطبعناه طبعة خاصة على نفقتنا الشخصية محبة في الأدب والحياة.

طبعا خلال هذا العرض توقفت أمام صاحب الكتاب "ريلكة" واستعرضت أمامهم، بعض أفكاره وأسلوبه الشعري في الكتابة النثرية. وبدأت صورة الأديب الشاب، الذي كنته تتغير قليلا في مخيلتهم. ثم طلبت منهم، لو أحبوا؛ أن يلقوا نظرة على هذا الكتاب. كنت قد قمت بتوزيع مجموعة من النسخ على المنضدة التي يجلسون عليها، مثل بائعي كتب الشيخ الشعراوي في الترام، ثم تراجعت، وهم يقلبون الكتاب بين أيديهم.

                                              ***

تراجعت في الوقت المناسب إلى مقعدي، والعرق يصل الى إخمص قدمي، وانشغلت عنهم تمامًا بكتاب في يدي، أو حاولت أن أبدو منشغلا، بينما كنت أراقبهم بعينى الثالثة والرابعة والخامسة، وأيضًا أسمعهم همساتهم بأذني الثالثة والرابعة والخامسة، لأعرف مصير الصفقة التي سيتوقف عليها سفري للإسكندرية.

بعد فترة من الزمن تقدم مني أحدهم، بأدب جم، وحمل معه النسخ في يده، وسلمها لي ثم أخبرني بأن المجموعة قد اشترت نسختين، وشكرني جدًا على هذا المجهود التطوعي لخدمة الثقافة، وشجعنى على الاستمرار ودعا لي بمستقبل أدبي مشرق. ثم نقدني، وهو الأهم، بستة جنيهات في يدي.

كم فرحت وقتها، وكم ما زلت مدينا حتى اليوم  لهذه "الجماعة الكلاسيكية"، التى أحبت الأدب، ولهذه الضحكات الحقيقية التي أضحكها على أدائي لدور "مندوب المبيعات"، الذي أديته بإتقان يومًا ما.