loading...

ثقافة و فن

قصة «النمر الأسود» الحقيقي.. ملاكم مصري لم يحظ بنهاية سعيدة مثل الفيلم

فيلم النمر الأسود

فيلم النمر الأسود



ملخص

ربما لا يعرف البعض أن فيلم «النمر الأسود» بطولة الراحل أحمد زكي، الذي أعطى فيه جرعة دعم للشباب من أجل العمل والحلم، مأخوذ عن قصة حقيقية للبطل المصري محمد حسن.

«اتقدم اتقدم اتقدم.. وكفاية خلاص تتندم، للشمس للنور للشمس للنور مش هيعطلنا سور طول ما الدنيا هدور أنا من الدنيا هتعلم.. اتقدم اتقدم اتقدم»، تلك الكلمات الحماسية، التي تبث قدرًا كبيرًا من الطاقة الإيجابية في النفس، وأملًا من أجل تجاوز كل الصعاب، لخص فيها الشاعر عبد الرحمن الأبنودي حالة بطل فيلم «النمر الأسود»، الذى يعيش فى الغربة، الذي يجد نفسه مرغمًا على خوض تحديات عصيبة؛ لكنه بإصراره على النجاح، يتمكن من تجاوزها جميعًا، ويتحول من شاب فقير لا يملك ثمن طعامه، إلى ملاكم محترف، ثم رجل أعمال كبير تكتب عنه الصحف والمجلات العالمية.

«النمر الأسود» لقب أطلقه جمهور الملاكمة في ألمانيا على الملاكم المصري محمد حسن، الذي عاش قصة كفاح حتى أصبح واحدًا من أهم رجال الأعمال في أوروبا، ولا يعلم الكثيرون أن الفيلم، الذي يحمل نفس الاسم، قد أستلهم من قصة هذا البطل، الذي قدمه على الشاشة، الفنان الراحل أحمد زكي، وقد التصق به اللقب أيضًا حتى اليوم، وفيما كتب السيناريو بشير الديك وأخرجه عاطف سالم.

«سالم» أول من تحمس لعمل الفيلم، وقد جاء الأمر عن طريق الصدفة، حينما التقى «حسن»، وتحمس لقصة حياته، وأخبره أنها تصلح للتقديم بالسينما، وقد كان، لكن هناك العديد من الاختلافات بين الوقائع الحقيقية والفيلم، فقصة الملاكم تعود إلى الأربعينيات، حينما كان طفلًا صغيرًا يعيش مع زوجات أبيه بعد أن طلق أمه، حيث اتجه للعمل بورشة خراطة لرجل ألماني يدعى (هانز بياليجي)، وكان يعامله بشكل حسن، ومع إتمامه عامه 17، كان قد تمكن من المهنة وتعلم كل شيء، وحينها أصيب صاحب الورشة بجلطة، ليرافقه فى المستشفى.

النمر الاسود 1

ويحكى «النمر الأسود» الحقيقي، فى حوار صحفى نشرته جريدة «روزاليوسف» بعد عرض الفيلم، عن الصدفة التي لن تعوض حيث يقول: «فى عام 1957 أتت رسالة من شقيق (هانز)، يطلب منه أن يسافر إليه، وأنه بحاجة إلى أن يعمل معه، لكنه رشحني لأسافر بدلًا منه، وقلت له كيف أذهب إلى ألمانيا وأنا لا بعرف أكتب ولا أقر، فطمأنني بأن ما علمني إياه سيساعدني فى ألمانيا، وأخذت أعمل ليلًا مع نهار حتى أجمع ثمن تذكرة السفر».

ومثل ما شاهدنا في الفيلم، لم تكن الحياة هناك وردية، فقد عانى «النمر الأسود» من العنصرية والاضطهاد بسبب لونه الأسمر، كما وقفت اللغة عائق بينه وبين الاندماج، لكن ساعدته جارته «هيلجا» -التى جسدت دورها الفنانة وفاء سالم- وأخذت تعلمه الألمانية، ونشأت بينهما قصة حب، حتى إنها تعلمت منه العربية، وكانت تقول له: «بهبك يا مهمد»، وهي الجملة الشهيرة في الفيلم، التى لم تكن من وحى خيال المؤلف، بل حقيقية.

النمر الاسود 2

يواصل «النمر الأسود» حديثه: «خلال سنتين بس بقيت أشهر خراط فى ألمانيا، وكنت كمان حققت شهرة فى رياضة الملاكمة ومثلت ألمانيا ضد كندا وفرنسا، وحققت لها بطولة، وأخذت الصحف والمجلات تحكي عني»، وكان يقوم بإرسال الصور لوالدته فى القاهرة، التي كانت تفتخر به، وتذهب إلى السفارة الألمانية حتى يترجموا لها ما كُتب عن ابنها، وبسبب الملاكمة، التقى البطل الحقيقي للفيلم بالملاكم العالمى محمد على كلاي، ولعب ضده.

لكن القصة الحقيقة للملاكم محمد حسن لم تنته بزواجه من حبيبته «هيلجا»، كما كتب بشير الديك، الذي أراد أن ينهى الفيلم نهاية سعيدة، وتلك هي الصدمة الكبرى التي فجرها «النمر الأسود» حيث يقول: «لم تنته قصتي بالزواج كما صور الفيلم، بعد ما هيلجا حملت طلبت منها أنها تجهض الطفل، بسبب ظروفى المادية، وذهبت لوالدها لطلب الزواج، لكنه رفضني بسبب فقري، وهددني بالموت، وانتهت القصة بمغادرتي ألمانيا، وفى السويد حبيت سيدة تكبرني فى السن وتزوجنا، وبقيت واحد من أكبر رجال الأعمال هناك».

هيلجا

«هيلجا» الحقيقية 

ربما تلاحظ بأن هناك تشابها فى الملامح بين الفنان أحمد زكي الذي صنع أسطورة «النمر الأسود»، لكن لم يتوقف الأمر عند الشكل المادي، بل استطاع أن ينقل مشاعر البطل الحقيقي، بحرفية، وقد صرح بأنه تفاجأ كثيرًا من أداء «زكي» الذي استطاع يعبر عن المشاعر التي مر بها، وجعل شخصيته تدخل إلى قلوب المشاهدين وتبقى فى أذهانهم حتى اليوم، وأثناء تصوير الفيلم، كان يذهب «حسن» إلى موقع التصوير، ويحكى تلك الكواليس قائلًا: «التقيت الفنان أحمد زكي أكثر من مرة، كانت أول مرة عندما دعاني المخرج عاطف سالم والمؤلف أحمد أبو الفتوح لجلسه قبل بدء التصوير، وعندما ذهبت وجدت جميع فناني الفيلم موجودون، ولاحظت أن أحمد زكي يقلدني في كل حركة أقوم بها، وقال لي: (يا ريت يا محمد تيجي كتير وتتصرف بطبيعتك زي ما كنت زمان وتقولي على كل كبيرة وصغيرة.. عشان أنا عايز عمل يدخل قلب الناس)».

وهناك صورة أخيرة تجمع «البطلين»، قبل رحيل زكي بثلاثة أيام، حيث ذهب حسن للقائه، ورغم رفض الموجودين فى المستشفى أن يسمحوا له بالزيارة، إلا أنه عندما علم «زكي» أنه قدم ليراه، قال: «ادخل يا محمد» والتقط معه تلك الصورة.

النمر الأسود الحقيقي

«النمر الأسود».. حكى أسطورة الخراط المصري محمد حسن، الذي سافر ألمانيا عاد هو صاحب شركات عديدة ويجيد تحدث 5 لغات، ليؤكد أن لا شيء مستحيل أمام الإصرار، لكن ربما كانت نهاية هذا البطل مأساوية بعض الشيء، الذي أصيب بألزهايمر فى نهاية حياته، وتوفى تحت عجلات مترو الأنفاق العام الماضي، لكنه تبقى ذكراه حاضرة فى صورة الراحل أحمد زكي.