loading...

ثقافة و فن

أسرار رشدي أباظة.. عادى الملك من أجل امرأة وهرب لروما حبًا في السينما

رشدي أباظة 2

رشدي أباظة 2



ملخص

رشدي، الفتى الأباظي الدنجوان، أكثر أبناء جيله صخبًا، كره الخمر وشربه، وتوعده الملك فاروق من أجل حبيبته، وأحب السينما وقدّم لها 150 فيلمًا في 30 عامًا.

في لقاءٍ تليفزيوني مع أحمد رمزي عام 2013، ببرنامج "هو وهي والجريئة"، سألته المخرجة إيناس الدغيدي عن "أكثر أبناء جيله صخبًا؟"، ليُجيب من دون تردّد: "رشدي أباظة طبعًا، محدش يقدر ينافس رشدي ولا يجي جمب دفره، كلنا كنا تلامذة عنده، اللي كان بيعمله كتير، رشدي مكنش بيشرب سيجارة عادية، وكان بيحفظ عادي ويتكلم عادي قدام الكاميرا، لو كان ناول حد سيجارة لازم تبقى مضروبة"، ورغم كل ذلك فقد كان رشدي في الستينيات تحديدًا هو البطل الأهم في السينما المصرية، ورصيده يصل إلى 150 فيلمًا في 30 عامًا فقط.

الدنجوان رشدي أباظة، أحد أهم نجوم السينما المصرية طوال تاريخها، تحدث بنفسه عن نفسه في عدة حوارات صحفية وتليفزيونية أجراها، وفي هذا التقرير نرصد بعضها:-

البدايات

الكثير من هذه التفاصيل كشف عنها الفنان الراحل في مقابلة مطولة جرت في حديقة فندق "مينا هاوس"، المكان الذي يقضي فيه رشدي أكثر أوقاته، مع مجلة "الموعد" عام 1979، واللافت أن المحرر ذكر في صدر الحوار أن رشدي أباظة بدا له على قدر كبير من التدين، وأنه يعيش حياته بفلسفة خاصة، وجاء في بداية الحوار إجابة عن تساؤل كيف استطاع، وهو ابن الأسرة الأباظية العريقة، أن يتحرر من التقاليد، ويصبح ممثلاً، ويقول: "لم يكن الأمر سهلا عليّ، فقد واجهت الكثير من المتاعب عندما وضعت قدمي على طريق التمثيل، لأن المجتمع الراقي كان ينظر إلى الممثل على أنه "مشخصاتي"، ولكنني استطعت التغلب على هذه النظرة، وتغييرها، وحمل العائلة على تقدير الفن الذي اتجهت إليه، كنت شابا في التاسعة عشرة من عمري، وكنت قد نلت الشهادة التوجيهية وأكملت تعليمي.

يقول عن بدايته كممثل: "اللي حصل هو إنني كنت ذات يوم أمارس هوايتي في نادي البلياردو، ولفت اهتمامي وأنا أمسك بالعصا وأقذف بالكرة الصغيرة أن في أحد الزوايا شخصين يطيلان النظر إليّ، ولم أكن أعرفهما، وضايقني ذلك، واتنرفزت، وهيأت نفسي للخناق معهما، خصوصا أنني في تلك الأيام كنت أبحث عن أي خناقة، وفعلاً ذهبت إليهما، وقلت لهما بحدة وعصبية إيه، مالكم، بتبصوا لي كده ليه.. عاوزين حاجة؟ أحدهما وقف عن كرسيه، وقال لي: أنا كمال بركات المخرج السينمائي.. ثم سألني: هل تحب أن تكون ممثلًا في فيلم من إخراجي؟ وأجبته بالموافقة.. كنت أهوى التمثيل، لأن عقليتي كانت متحررة جدا، باعتبار أن والدتي كانت خواجاية، وحينها كنت أعمل موظفا في شركة تأمين، يعني كان عندي نوع من الاستقلال المالي عن عائلتي".

الفرار إلى روما

يقول عن الفيلم الأول: "كان اسمه «المليونيرة الصغيرة» وبطلته هي النجمة الكبيرة فاتن حمامة"، ويتحدث عن وقع الخبر على والده، ويقول: "والدي فقط كان ضد عملي كممثل سينمائي، أما والدتي فلم تعارض أبدًا لأنها في الأصل إيطالية، ومعلوم أن إيطاليا هي بلد الفنون كلها"، يُتابع: "في تلك الفترة جاء إلى مصر اثنان من المخرجين الإيطاليين، وتعاقدا معي على تمثيل دور البطولة في فيلمين هما «امرأة من نار» مع النجمة الراحلة كاميليا، و«أمينة»، حيث كانا يريدان ممثلًا يجيد اللغة الإيطالية حتى يسهل عليهما التفاهم معه، وفعلًا، مثلت الفيلمين، ثم اقترح عليّ مخرج فيلم «أمينة» أن أسافر معه إلى روما، لكي يجري في استوديوهاتها عملية دبلجة الفيلم إلى اللغة الإيطالية بعد أن غيّر اسمه وجعله «لاسكيافا بينكا» أي «السيدة البيضاء»، ووافقت على اقتراحه والهرب إلى روما.. كنت هاربًا من والدتي، حيث إنها وافقتني في البداية، لكنها غيرت رأيها فيما بعد عندما وجدتني أرهق نفسي في التمثيل، ولأنها كانت تظن أن الأمر بالنسبة لي لم يكن يزيد عن هواية عابرة، ثم اكتشفت أنني بدأت أحب السينما، وأتعلق بها كما يتعلق الشاب بحسناء فاتنة.. وفعلاً، كانت السينما قد أصبحت هي فاتنتي وحبي وملكوتي وعقلي.. بمجرد أن عدت من إيطاليا، بعد أن قضيت بها سبعة أشهر كاملة، شعرت بالشوق إلى حبيبتي، وعلى طول ذهبت إليها، أي الى الاستوديو، لأستنشق رائحة الديكور، وأعيش بين العمال والفنيين.. وعلى الرغم من أنني كنت قد مثلت دور البطولة في الفيلمين اللذين هما من إخراج المخرجين الإيطاليين، فقد رضيت بأن أبدأ عملي السينمائي في مصر من نقطة الصفر، وأخذت أوافق، من شدة حبي للسينما، على تمثيل أدوار لا يستغرق تصويرها أكثر من يومين أو ثلاثة، إلى أن وفقني الله، ووصلت من جديد الى أدوار البطولة".

الأعمال المفضلة

"مثلت في حياتك السينمائية أدوارًا مختلفة: الفتى المحبوب، المجرم، الأب الأرستقراطي، الشاب المليونير، رئيس العصابة فأي الأدوار التي أحببتها أكثر؟"، يُجيب رشدي قائلًا: "أدوار كثيرة أحببتها في حياتي، لكنني لم أسجن نفسي في إطارها لأنني، أنا رشدي أباظة، الممثل الوحيد في مصر، الذي لا يحدد نوع الأدوار التي يمثلها، بل إنني أمثل أي دور ما دام يعجبني ويروق لي..- أدوار كثيرة أعتز بها، ولكن لا بد أن هناك أدوارًا مفضلة لدي، مثل الأدوار التي مثلتها في أفلام: الرجل الثاني، ملاك وشيطان، الزوجة رقم 13، شيء في صدري، وصراع في النيل".

السينما هي حبي الكبير، وأنها أعطتني من السعادة أكثر مما أعطتني إياه أية امرأة.. رشدي أباظة

النساء

يتحدث عن علاقاته النسائية، خاصةً نجمات السينما، ويقول: "أنا أحب من أحب، ولا أحد يقدر أن يحاسبني أو يقول لي: ثلث الثلاثة كام، وأنا إذا ما أحببت أية امرأة فإنها تصبح ملكًا خالصًا لي، ومكتوب عليها اسم رشدي أباظة، ومن حقي في أي وقت أن أتأبط ذراعها، وأعلن حبي لها على الملأ، ولا يهمني بعد ذلك كلام الناس.. المهم فقط هو أن تحبني هي كما أحبها أنا"، ويقول إنه تزوج أربع مرات، أولًا من "بوبي" الأمريكية، والدة ابنته "قسمت"، ثم تحية كاريوكا، وسامية جمال، وصباح، ويتابع: "كل واحدة منهن لها ميزة، وكل زوجة لها مكان في قلبي، لكني أعترف لك بأن أية واحدة لم تستطع أن تغمر قلبي كله، أن تأكله، أن تسيطر عليه، وأنا أريد المرأة القادرة على فرض سيطرتها الكاملة على قلبي، لكنني لم أجدها، لأن الأمر يبدو صعبًا بالنسبة لأية امرأة، والصعوبة سببها أنني أريد أن تكون المرأة هي المرأة، والرجل هو الرجل، وإذا لم تكن المرأة التي أحبها أو أتزوجها محتفظة بشخصيتها الأنثوية بالنسبة لي، فإنها لا تترك عندي أي أثر حتى ولو كانت المهرينا، زوجة المهراجا".

"اللي ما اتجوزتش رشدي أباظة ما عرفتش يعني إيه جواز".. صباح

كامليا.. والملك

شاركته فاتنة الشاشة "كاميليا" في فيلم "امرأة من نار"، وفي أثناء تصوير الفيلم بدأت قصة الحب بينه وبينها رغم ما تردد عن حبها الملك فاروق وحبه لها، ولكن قصتهما انتهت نهاية حزينة بوفاة "كاميليا" في حادث سقوط الطائرة الشهير عام 1950، فانهار الفتى الأباظي ودخل في غيبوبة وكان كلما أفاق يردّد اسمها ثم يدخل في غيبوبة مرة أخرى، ويقول عن ذلك في الحوار إن "الملك فاروق أحبّ كاميليا بجنون خاصة بعد أن علم أنها حملت، وتصوّر أنها ستنجب له ولدًا يكون وليًا للعهد، لأنه كان سيتزوجها رسميا لو أنجبت ولدا، ولكن أمله خاب لأن كاميليا أجهضت في الشهر السادس عندما وقعت من فوق ظهر حصان.. وكادت المواجهة بيني وبينه تصل إلى منتهى العنف، لكن لم تحصل، إنه كان فقط يهاجمني بالمكالمات التليفونية التي يخفي فيها شخصيته ويهددني بالموت إن لم أبتعد عن كاميليا، وفي أحد الأيام أرسل لي بعض رجال، لكنني لم أتشاجر معهم لأنني كنت المخطئ، لأنني أقمت علاقة مع كاميليا في الوقت الذي كانت هي فيه حبيبة الملك".

الحب

في حوار أجراه مع مجلة "الشبكة" اللبنانية في مطلع السبعينيات من القرن الماضي، يقول: "كل النساء اللاتي أحببتهن كن أكبر مني سنًا، إلا واحدة وهي المرحومة كاميليا التي كانت صغيرة السن، لكنها كانت كبيرة في نضوجها وتفكيرها، والمرأة التي تكبر الرجل في السن تقدّره، وتعطيه قيمته الحقيقية، أما المرأة الصغيرة فإنها لا تفهم الرجل أبدا، وأكبر تقدير من المرأة لقيمة الرجل هو ذاك التقدير الذي يشعره أن قيمته الحقيقية هي في رجولته، وكما أن المرأة تحتاج إلى رجل يفجّر فيها الأنوثة، كذلك الرجل، فالأنوثة وليدة الرجولة، وبالمقابل فإن الرجولة وليدة الأنوثة، قاعدة الأضداد هذه ليست غريبة، إننا نجدها في نظرية ماركس وهيجل في الديالكتيكية الجدلية".

الخمر

يقول: "أنا لا أحب طعم الخمر، أشرب لأن الخمرة تصفعني، وأنا أريد من يصفعني، لكنني لا أجده، الخمرة تكشف أخطائي وتبررها لي.. هذه هي الحقيقة، كل الناس يدّعون أن الخمرة تطيل أحلامهم اللذيذة لأنها تنسيهم مرارة الحقيقة، من قرنوا الخمرة بالنسيان ابتدعوا أكبر كذبة، لأن الخمرة تجسد الذكرى بأقسى لحظاتها"، وإجابة عن سؤال: "أية ذكرى تتجسّد لك في الخمرة؟"، يقول: "زجاجة الويسكي أتصورها ست.. عندما نمسك بها نضيع، وكذلك عندما نمسك بخصر ست نضيع"، ويُجيب عن سؤال: "هل تسكرك المرأة كما تسكرك الكأس؟" قائلًا: "إذا وجدت المرأة أسكر بدون كأس! لكنني لم ألتق المرأة التي تستطيع أن تنتزع مني كأسي، وإذا وجدتها فأنا لها"، يتابع: "أكره الخمرة لأنها أقوى مني، أكرهها لأنها لا تؤثر بي أبدا، وعندما أبدأ العمل أنقطع عن شرب الخمرة، لأنني عندما أمثّل أعطي لفني قطعة من قلبي! وأستطيع أن أتخلى عن الخمر في حالة واحدة، إذا ما وجدت شيئا يوجعني أكثر منها".

محاولة الانتحار

حاول رشدي أباظة الانتحار، ويقول إنه أثناء جدال ذات مرة مع سامية جمال "وجدتها غير من عرفت في كل مرة كان الصفح على باب قلبها إلا هذه المرة لا تلين، وكان في جيبي مسدسي وابن عمي طاهر أباظة معنا، وكان يرى في عيني بريقا لم يره من قبل مِن اليأس الذي يحيط بي ومددت يدي إلى جيبي، ولكنه كان أسبق مني وانتزع مسدسي وهو يقول هل جننت؟".

تلميذ مدرسة النساء

وإجابة عن سؤال: "ماذا علّمتك المرأة؟"، يقول: "ما زلت حتى الآن تلميذا في جامعة النساء ومدرسة تحية كاريوكا.. ما تعلمته حتى الآن هو أن المرأة كالزهرة خلقت لنشمها لا لندوس عليها! أنا مثالي جدا مع المرأة، لا أنسى الأشياء الصغيرة التي تسعدها، فأنا أفتح لها باب السيارة وأشعل لفافتها ولا أتقدّم عليها أبدا! والمرأة الأولى والأخيرة في حياتي هي أمي، لقد أحببتها بشكل غير طبيعي! إنها علمتني أن أكون فتوة، رغم أنني لم أكن أريد ذلك، كان مزاجها أن تتفرج عليّ وأنا أضرب الآخرين، كانت تريد أن ترى في الرجلين اللذين تزوجتهما".

"لماذا تزوجت أكثر من مرة؟" يُجيب: "تزوجت مرة لأنني رأيت فيها صورة أمي، وشعرت بأنها المرأة الشجاعة التي أرغب، وفي زواجي الثاني أقمت أحلى ديكور في العالم ولكنني أخطأت البطلة، وفي المرة الثالثة تزوجت لأقتل رجلا آخر، وفي المرة الرابعة عثرت على المرأة الصبورة التي رضيت أن تعيش إلى جانبي إحدى عشرة سنة، السيدة التي تتحمل رشدي أباظة سنة تستحق لوج في الجنة، ومن تتحمله أكثر من ذلك تستحق بنوار في الجنة.. سامية جمال لازم يكون عندها سينما بحالها في الجنة! حقيقة أنا أحبها، إنها جدعة ويكفي أنها احتملتني، من المستحيل أن تحتملني امرأة غيرها".

جراحة الموت

في حلقة من البرنامج الإذاعي "ساعة زمان"، للمذيعة آمال العمدة، تحدث رشدي أباظة عن أثر العاطفية المفرطة في حياته التي أحدثت له شيخوخة مبكرة "كبّرت 50 سنة أكبر من سني"، وعن العملية الجراحية التي أُجريت له والتي سماها "جراحة الموت"، وحكى كيف كان من المفترض أن يخرج بعد أسبوع من العملية، لكنه أصّر على الخروج والمشي بعد يوم واحد، مع علمه باحتمال سقوطه المتكرر، عندما امتنعت ممرضته عن مساعدته في الوصول إلى دورة المياه، وفي المطار، عند عودته، أصر أن يمشي 2 كم لعدم وجود كرسي متحرك في انتظاره، معتمدًا على التصميم والإرادة، وذكر أن ولادته كانت أول غلطة في حياته، وأن شكري سرحان هو صديقه المقرب، وأنه أنتج فيلم "عاشور قلب الأسد" وكتب فكرته لعبد السلام النابلسي إيمانًا بموهبة الأخير.

رشدي أباظة ولد في 3 أغسطس 1926، ورحل في ظروف عصيبة بعد معاناة مع سرطان المخ في 27 يوليو 1980، ويبقى أحد أهم نجوم السينما المصرية طوال تاريخها.