loading...

مقالات

بقاء

بقاء


يعد "تناسخ الأرواح" من أهم الأفكار التى تقوم عليها أشهر الديانات الآسيوية، ويتلخص فى إعادة تسكين الأرواح فى أجساد الكائنات وفقاً لارتقائها على سلم التطهر. ديانات تدعو إلى احترام الحياة فى كل صورها، وتدعو الإنسان باعتباره، نظرياً، أعقل الموجودات إلى نبذ العنف، والتوقف عن التهام أجساد غيره من الكائنات، والاكتفاء بالنباتات كغذاء له.

دائماً ما يرتبط فى عقلى "تناسخ الأرواح" بقانون "بقاء الكتلة". فى القرن الثامن عشر شرح لنا الكيميائى الفرنسى العبقرى لافوازييه بالتجربة المعملية أن المادة لا تفنى ولا تخلق من العدم، فعرفنا أن الطبيعة تقوم بإعادة تدوير ذرات الموجودات، وتستخدمها بتفاعلات صارمة النتائج، لتكوين مركبات كيميائية مختلفة فى سلسلة أبدية لا تنتهى طبقاً لقانون سماه "بقاء الكتلة".

بالمثل يمكن لنا تسمية فكرة تناسخ الأرواح التى تتبناها الديانات الآسيوية كالبوذية والهندوسية وغيرهما بقانون "بقاء الروح"، حيث يتم إعادة تدوير الروح الواحدة فى أجساد مختلفة بعد تحلل الجسد الذى كان يحملها بالموت الذى يعيد ذراته إلى الأرض، ليستخدمها قانون بقاء الكتلة ويتمكن من صناعة أجساد جديدة تسكنها الأرواح التى لا تفنى ولا تخلق من العدم هى الأخرى.

إذن فقانون بقاء الكتلة، فى اعتقاد من يؤمنون بتناسخ الأرواح، لا بد أن يعمل فى تناغم أبدى مع قانون بقاء الروح لإدارة عجلة الحياة، التى تحتاج لكى تكمل دورتها إلى مشوارين، أحدهما للذهاب والآخر للعودة. تماماً مثل مكبس آلة الاحتراق الداخلى الذى يدفع المركبة إلى الأمام.

فى مشهد حفار القبور بمسرحية هاملت لشكسبير يمسك البطل بجمجمة بشرية لملك دنماركى راحل من أجداد الأمير هاملت، ويشرح له بسخرية مريرة أن الفقراء يرثون الأرض لأنهم يأكلون الملوك فى نهاية المطاف، وذلك لأنهم يأكلون الأسماك التى أكلت الدود الذى تغذى على جثث أولئك الملوك الموتى!

لماذا لم يدرك هاملت، ومن قبله شكسبير مع احترامنا لعبقريته الفذة بلا ذرة من التهكم، أن نفس النظرية يمكن استخدامها لكى نقول إن الملوك يلتهمون الفقراء أيضًا لأنهم يأكلون الأسماك التى تأكل الدود الذى تغذى على جثث رعاياهم المطحونين؟ بل يمكننا أن نزيد شكسبير من الشعر بيتًا قائلين إن الملوك يلتهمون الفقراء مرتين! مرة وهم أحياء عندما يستعبدونهم، ومرة أخرى بعد مماتهم وتحولهم إلى طعام للديدان التى تأكلها الأسماك التى يلتهمها الملوك على موائدهم.

الحياة تعيد تدوير كل شىء. الدائرة هى الشكل الهندسى الذى يلخص فكرة الأبدية. السير فى طريق دائرى يعنى استحالة الوصول إلى نهاية، لأن كل نقطة على محيط ذلك الطريق هى بداية ونهاية فى ذات الوقت، بل وانطلاق دائم بنفس زاوية الدوران التى لا تتغير.

الثورة على الظلم والانتصار عليه ثم الهزيمة على يديه من جديد قد تكون عملية دائرية تتسق هى الأخرى مع المنطق الذى تجيده الطبيعة فى إعادة التدوير. الثائر الحقيقى يدرك أن مهمته لا تنتهى حتى لو انتصرت ثورته وامتلكت السلطة، لأنه سيدخل فى دورة جديدة يجب أن يقف خلالها على يسار تلك السلطة الوليدة المنتصرة لأنها حتمًا ستقع فى أخطاء شبيهة بتلك التى ثارت عليها. الثورة لا تنتهى لأن اليوتوبيا حلم مستحيل التحقق، والظلم لا يموت إلا لكى يولد فى صورة جديدة. هذه هى قوانين البقاء والتطهر. فهل يمكن لنا أيضاً أن نسمى تلك العملية الأبدية بقانون "بقاء الثورة"؟ ربما.