loading...

مقالات

الصراع على روح ناصر والثورة (2/2)

الصراع على روح ناصر والثورة (2/2)


تعددت الآراء الإيديولوجية، والانطباعية حول الثورة وعبد الناصر إلى عديد من الاتجاهات التى يمكن رصدها فيما يلى:

1- الاتجاه الليبرالى فى عمومه ينظر إلى الثورة على نحو سلبى، لأنها شكلت قطيعة مع التراث شبه الليبرالى ومساره، ويركزون على منظومة الحقوق والحريات الأساسية، التى شهدت عديدا من القيود الاستثنائية، التى أدت إلى تقييد حريات الرأى والتعبير، وتأميم الصراع الاجتماعى، وفرض الضوابط القانونية والأمنية على إنشاء وتكوين الجمعيات الأهلية، ومن ثم الحيلولة دون انطلاق المبادرات الفردية والجماعية.

من ناحية أخرى إلغاء الحياة السياسية والحزبية، واستبدالها بالتنظيم السياسى الواحد، من هيئة التحرير إلى الاتحاد القومى والاتحاد الاشتراكى العربى، وحتى التعددية الحزبية الشكلية المقيدة التى يديرها منبر الوسط، أو الحزب الوطنى. هذا الخطاب الليبرالى يقارن بين موت السياسة فى ظل نظام يوليو التسلطى، وبين الحيوية السياسية والثقافية فى المرحلة شبه الليبرالية، والصراعات الفكرية والسياسية بين الجماعة الثقافية، وبين الأحزاب السياسية المختلفة.

وهذه النظرة الإيديولوجية على الرغم من صحة انتقاداتها لموقف النظام التسلطى، وجمال عبد الناصر من قضايا الحريات، ينظر بتحيز إلى المرحلة شبه الليبرالية، ويحاول عزل إيجابياتها عن مواطن الخلل الهيكلى والتاريخى فى تطور النظام وطبيعة تكوين النخبة السياسية والحزبية، والانقلاب الدستورى عام 1930، وتدخل الملك والمندوب السامى البريطانى فى الحياة السياسية، ونخبة النصف فى المائة، والخلل الهيكلى الجسيم فى النظام الاجتماعى.

حالة من النسيان العمدى أو الإغفال لأزمة الأحزاب السياسية، بما فيها حزب الأغلبية الشعبية الوفد، وسيطرة كبار ملاك الأراضى الزراعية، وعناصر من الطبقة شبه الرأسمالية على قياداته العليا، وتهميش دور أبناء الفئات الوسطى والوسطى الصغيرة، فى إدارة مقاليد الحزب. أبعاد وجوانب مختلفة فى واحدة من أهم تجارب مصر التاريخية الحديثة قاطبة، شهدت فيها تحولات هامة على رأسها استكمال بعض مقومات بناء الدولة الحديثة، وتشكيل نخبة مصرية، ومؤسسات سياسية ومدنية متعددة، وتكوين الأمة والقومية المصرية حول الدولة والدستور، والهندسات القانونية الحديثة، ونظام قضائى مستقل، وحياة برلمانية اتسمت ببعض من الحيوية، والإنتاج التشريعى الحديث.

لا يمكن اختصار التجارب التاريخية فى بعض الجوانب ونكران سلبياتها فى جوانب أخرى، من منظور أيديولوجى يغلب الأهواء على الواقع والمنطق والرؤية المنهاجية التاريخية التى تدقق فى الوقائع والوثائق والسياسيات وحركة القوى الاجتماعية، والمؤسسات والشخصيات البارزة فى هذه الحقبة أو تلك من تاريخ الوطن.

يغفل هذا الاتجاه فى النظرة الأحادية إلى ثورة يوليو عن دورها فى المجال الاجتماعى واتساع قاعدة الفئات الوسطى - الوسطى، والوسطى الصغيرة، وإلى مكاسب العمال والفلاحين، وتوفير الضمانات الاجتماعية، كالحقوق فى التعليم والعمل والصحة والمعاش، فى إطار مشروع اجتماعى أدى إلى تحقيق مفهوم وحقوق المواطنة الاجتماعية.

من ناحية أخرى لم يركز هذا الاتجاه الإيديولوجى الليبرالى على سياسة التحرر الوطنى والاستقلال، والدور البارز الذى لعبه جمال عبد الناصر كأحد القادة البارزين للعالم الثالث آنذاك. نسيان عمدى للدور المصرى البارز فى المنطقة العربية، والمساعدة والدعم لحركات الاستقلال الوطنى العربية وغيرها فى القارات الثلاث آسيا، وإفريقيا، وأمريكا اللاتينية. ثمة إغفال دور المشروع الناصرى فى استكمال مقومات القومية المصرية حتى فى إطار دوره العربى البارز، الأزمة هنا فى المنهج والرؤية وأدوات التحليل التاريخى للتجارب، على الرغم من أن كاريزمية جمال عبد الناصر ارتكزت على تأييد جماهيرى كاسح فى مصر والمنطقة العربية. تقييم الشخصية التاريخية ودورها فى التاريخ يتناول إدراكها السياسى، ونظامها العقيدى، وتحليل سياساتها وقراراتها فى ضوء البيئة السياسية والضغوط المختلفة المحيطة بعملية صنع القرار.

شخصية لعبت أدوارا بارزة فى ضوء انحيازاتها الاجتماعية والسياسية والوطنية، وحققت بعض الإنجازات الكبرى، وفشلت فى تحقيق أخرى، وكانت هزيمة 5 يونيو 1967 الكاسحة، ضربة كبرى لمشروعه الاجتماعى والسياسى. نعم ثمة تدهور للحريات العامة لأن النظام أهمل عمدًا موضوع الحريات العامة السياسية، لمصالح تنظيم سياسى وحيد لم يستطع تحفيز المبادرات الفردية والجماعية، ولم يستوعب التعدد السياسى الواقعى بين مدارس الفكر والعمل السياسى، وأحدث قطيعة مع الميراث الحزبى التعددى الذى وسّمَ المرحلة شبه الليبرالية، وذلك على الرغم من إنجازات بعض التنمية الثقافية والاجتماعية، إلا أن القيود السلطوية على حريات الرأى والتعبير أعاقت بعض من الازدهار.

لا شك أن الاعتقالات، وحالة الطوارئ، والمحاكم العسكرية ومحاكم أمن الدولة، والقوانين الاستثنائية كانت جزءًا من سلبيات النظام واختلالاته، وأدت إلى موت السياسة، وسطوة التسلطية السياسية، والتسلطية الدينية والتسلطية التشريعية.. الخ. فى التجارب التاريخية لا توجد نجاحات مطلقة أو سلبيات كاملة، وإنما المنهج التاريخى وأدواته فى الرصد، والتحليل والتفسير، يعتمد على الحد الأدنى من الموضوعية والدقة وعدم الانحياز الإيديولوجى الذى يضلل الباحث فى مسعاه.

الاتجاه الثانى: يمثل مناصرو ثورة يوليو وجمال عبد الناصر، وهؤلاء يركزون على الإنجازات الاجتماعية، وحقوق الطبقات الشعبية، وتوسيع القاعدة الاجتماعية للنظام، ويتناسون مسألة الحريات العامة، والتسلطية وأزمة الحريات العامة، والقيود التى فرضت على المجال العام السياسى. ينظر هؤلاء إلى اختلالات النظام السياسى والحزبى فى المرحلة شبه الليبرالية، وهو أمر صحيح ويتغافلون عن تراث قمع وكبت الحريات العامة السياسية وحريات الرأى والتعبير والبحث الأكاديمى. بعض أبناء هذا الاتجاه الناصرى يركز على شخصية جمال عبد الناصر القائد الوطنى والقومى البارز، ويدافع عن أخطائه، ويبررها. قلة قليلة راجعت التجربة وأقرت بأخطائها.

الاتجاه الثالث، يميل إلى تقييم للتجربة وشخصية ناصر على نحو أكثر موضوعية على تداخل رؤية بعضه بالنزعة الإيديولوجية.

النظرة إلى واقع الخطابات التقويمية لثورة يوليو وجمال عبد الناصر، تشير إلى تحيزات، ومواقف مسبقة، ويتلاقى مع بعض هذه الاتجاهات بعض الدراسات التاريخية المنحازة إيديولوجيا مع الثورة أو ضدها، ومن ثم تميل فى تحليلها لوقائعها وسياساتها إلى ترجيح ميولها السياسية، وهو ما يشكل أزمة منهجية.

إن السجال حول الثورة وجمال عبد الناصر، وإزاء مراحل مختلفة من التاريخ المصرى، هو جزء من أزمة المناهج فى الدراسات التاريخية، وخاصة فى كتابة التاريخ الرسمى، من المنظور السلطوى، فى كتب ومناهج التاريخ المقررة على طلاب المدارس، والتى تتسم بالنظرة الأحادية التى تدور حول مواقف السلطة الرسمية من التاريخ وشخوصه ووقائعه وأزماته ومساراته المختلفة.

لا شك أن هذه النزعة تساهم مع غيرها من المدارس الإيديولوجية فى تشويه الوقائع التاريخية فى إطار حروبها التأويلية على التاريخ وبه فى صراعاتها السياسية الراهنة، وهو ما يؤثر سلباً على تكوين الوعى والروح التاريخية لمكونات الأمة، وشبابها فى النظرة إلى تاريخهم وماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم.

ثمة محاولات جادة ومنهجية وموضوعية، لكنها تحتاج إلى المزيد من الجهد البحثى، ويجب إدماجها فى كتابة التاريخ ومقرراته فى المدارس بعيدا عن النزعة السلطوية التى تتمركز حول الحاكم والسلطة، بعيدا عن حركة الجموع الشعبية، والمواطنين المصريين.