loading...

أخبار مصر

من ينقذ محل ساعاتي الملك فاروق من الهدم؟

أقدم محل ساعات في مصر

أقدم محل ساعات في مصر



لو أن أحدا مر من طريق وقيل له إن هذا الطريق مر منه أحد الملوك أو الرؤساء منذ سنوات طويلة، سينظر إلى هذا الطريق دائما كأنه أثر تاريخي وسيظل يتأمله كلما مر منه وقد يتخيل مرور هذا الملك أو الرئيس من أمامه، حتى يستشعر عظمة المكان وقوته التاريخية، ومصر مليئة بالطرق والمباني والمحلات التاريخية، منها ما يلقى اهتماما واسعا، ومنها المهدد بالهدم تحت مظلة المنفعة العامة، وهذا ما يحدث الآن مع أقدم محل ساعات في مصر، والذي يطلق على صاحبه "ساعاتي الملك فاروق".

عقار شارع 26 يوليو (3)

حكاية محل ساعاتي الملك فاروق

تبدأ قصة محل ساعاتي الملك فاروق منذ عام 1907، عندما أسسه سلامون هنهايات وهو يهودي من أصل بلغاري، ليصبح أول محل ساعات في مصر، حيث أدخل في مصر لأول مرة بيع وإصلاح الساعات.

يقع المحل في شارع 26 يوليو بمنطقة بولاق أبو العلا، تمكن أصحابه من الحفاظ على المحل دون تغيير أي شيء في تصميمه من الداخل أو الخارج، فعندما تنظر إلى لافتة المحل من الخارج تجدها محتفظة بشكلها منذ أن وضعها هنهايات، ومن الداخل ستجد التصميم سويسريا، والزجاج مصنوعا من ماء الفضة، لا يوجد ركن بالمحل إلا وبه أحد المقتنيات التاريخية التي مر عليها أكثر من 100 عام.

عصام سيد أحمد سيد وهو حفيد ساعاتي الملك فاروق، يقول إن بداية المحل كانت من خلال سلامون هنهايات، وكان يعمل معه أحد الأقباط ويسمى الخواجة جورج، ومعهم جده الشيخ أحمد سيد، وأصبح بالمحل حالة من الحالة الوطنية بين أصحاب الديانات الثلاث، حيث كانوا لا يفارق بعضهم  بعضا، وعندما جاء قرار بخروج اليهود من مصر، ترك سلامون المحل للشيخ أحمد سيد، والذي أطلق عليه ساعاتي الملك فاروق، بعدما تمكن من إصلاح المنبه الخاص بالملك، وقام الملك بتقديمه هدية له، كما كان يتعهد المحل بإصلاح ساعات الجيش الإنجليزي، ويتم تأييد الحسابات من خلال دفتر كبير ما زال بالمحل حتى الآن.

حفيد ساعاتي الملك فاروق أكد أن المحل به مقتنيات أثرية مر عليها أكثر من مئة عام، منها منبه الملك فاروق، وساعة المندوب السامي البريطاني، وساعة حريمي مرصعة بالأحجار الكريمة تابعة للأسرة القيصرية بروسيا، بالإضافة إلى نجمة داوود الخاصة بالخواجة سلامون هنهايات، وكذلك أول منبه كهربائي، وأول إعلان لشركة أوميجا، موضحا أن هنهايات كان أيضا قد صنع أول ساعة مصرية وأطلق عليها نومولاس وتش، حيث عكس حروف اسمه من النهاية إلى البداية ليصبح اسم الساعة نومولاس.

ومن أشهر الشخصيات التي كانت تتردد على المحل -حسب ما أكده حفيد ساعاتي الملك- الملك فاروق والأسرة الملكية، وتوفيق الحكيم، وهدى شعراوي، وعلي أمين، ومصطفى أمين، ورستم زكي، وإبراهيم نافع، وأم كلثوم، والقصبجي، والدكتور مصطفى محمود، والفنان رشوان توفيق، والفنانة ليلى طاهر، وتحية كاريوكا، وحسين فهمي، ومحمد وفيق، وغيرهم من المشاهير.

كيف حافظ أحفاد ساعاتي الملك على تاريخ أجدادهم؟

يقع محل ساعاتي الملك فاروق في شارع تجاري وهو شارع 26 يوليو بمنطقة بولاق أبو العلا، وهذا المكان ترتفع فيه أسعار المحلات بشكل كبير لما تحظى به المنطقة من رواج في حركة البيع والشراء، حيث يقبل مئات الآلاف من المواطنين على الشارع بشكل يومي.

ونظرا لأن البحث دائم من قبل التجار عن محلات في أماكن بها حركة بيع وشراء، فالبعض يتقدم بعروض مالية هائلة ومغرية لأصحاب المحلات حتى يقبلوا ببيعها، وهناك من يقبل بهذه العروض، وخاصة إذا كانت تصل إلى ملايين الجنيهات.

حفيد ساعاتي الملك فاروق قال إنه في 2008 عرض عليه أن يبيع المحل بمبلغ يصل إلى 5 ملايين جنيه ولكنه رفض، وترك عمله بالتدريس من أجل الحفاظ على المحل وتاريخه، مؤكدا أنه لم يكن لديه الشجاعة أن يستغني عن محل يحمل تاريخا يتعدى المئة عام مهما كان المبلغ المعروض، وقرر الحفاظ على التاريخ والتراث هو وشقيقه، وعملا في المحل لاستمراره بأساسيات إصلاح الساعات بمختلف الماركات العالمية.

ويقول حفيد ساعاتي الملك إن المال أحيانا يصبح ليس له قيمة في مقابل قيمة تاريخية، لا بد أن تتوارثها الأجيال وتفتخر بها على مر التاريخ، فمحل هنهايات هو أول محل ساعات في مصر وتردد عليه الملوك والمشاهير.

 

سوسو ليفي الجاسوس الإسرائيلي عمل ساعاتيا مع هنهايات

يحمل محل هنهايات بعض القصص، حيث كان الخواجة سوسو ليفي الجاسوس الإسرائيلي يعمل صبيا لدى هنهايات قبل أن يهاجر إلى إسرائيل.

وكان يعمل بالمحل أيضا رجل يهودي من أصل بلغاري وشقيقته وهما ألبرت كورتبرج، وفاني كورتبرج، ونظرا لحبهما لمصر وعدم رغبتهما في الخروج منها، رفضا تنفيذ قرار خروجهما من مصر، وانتحرا من أعلى العقار الكائن فوق محل هنهايات.

 

قرار بهدم العقارات المطلة على شارع 26 يوليو

بدأت عملية قرارات الإزالة للعقارات بمنطقة مثلث ماسبيرو، بإعلان من الحي بهدم العشوائيات، ثم جاء قرار بهدم بعض العقارات المطلة على شارع 26 يوليو من أجل المنفعة العامة المتمثلة في الخط الثالث لمترو الأنفاق.

وفوجئ أصحاب محل هنهايات بقرار جديد تم تعليقه على العقارات، يعلن من خلاله رئيس حي بولاق أبو العلا، أنه تقرر البدء في إخلاء وهدم العقارات المطلة على شارع 26 يوليو استكمالا لقرار محافظ القاهرة رقم 1361 لسنة 2015 باعتبار منطقة مثلث ماسبيرو منطقة إعادة تطوير فيما عدا العقارات ذات الطراز المعماري المتميز وذلك لحين صدور تعليمات أخرى بشأنها.

ثم فوجئ أصحاب العقارات التراثية ومن بينهم أصحاب محل هنهايات بإعلان جديد تم تعليقه على العقارات، ينص على أنه تقرر البدء في إخلاء وهدم العقارات المطلة على شارع 26 يوليو بالإضافة إلى العقارات خلف السلطان أبو العلا والمطلة على كورنيش النيل والمحصورة بين وزارة الخارجية وكوبري 15 مايو استكمالا لقرار محافظ القاهرة رقم 1361 لسنة 2015 باعتبار منطقة مثلث ماسبيرو منطقة إعادة تطوير.

ومن جانبه أوضح حفيد ساعاتي الملك أنه قد صدر قرار رقم 103 لسنة 1992 بهدم دورين من العقار ويبقى المحل ودوران معه، وتم تجديد القرار في 23 يناير 2018 بهدم الدورين وتنكيس العقار، حتى جاء قرار المحافظة بإزالة العقار بالكامل ومعه المحل، لافتا إلى أنه لم يتسلم قرارا رسميا مكتوبا بذلك، وتم إبلاغه عن طريق الحي.

400 ألف جنيه.. تعويض الدولة عن أقدم محل ساعاتي في مصر

رغم قيمة المحل التاريخية وعدم الحفاظ عليه وإصدار قرار بالإزالة، فإن التعويض المادي الذي قدرته الدولة للمحل يصل إلى 400 ألف جنيه، رغم أن القيمة الفعلية له حسب السعر السائد في السوق تصل إلى ملايين الجنيهات.

حفيد ساعاتي الملك قال لـ"التحرير"، إنه وعائلته حاولوا بقدر الإمكان الحفاظ على المحل كتراث من أجل الأجيال القادمة، ولكن الدولة قررت ألا تحتفظ بتاريخ المحل، وقررت هدمه، وبالسؤال عن المقابل المادي أكدوا أن التعويض 7000 جنيه في مقابل المتر، في حين أن سعر المحل في 2008 وصل إلى 5 ملايين جنيه، وبالتالي ضاعت القيمة التاريخية والمادية للمحل، على الرغم من أن القانون ينص على التعويض بالسعر السائد.