loading...

مقالات

تسعينيات القاهرة.. شقة حَكَمْ

تسعينيات القاهرة.. شقة حَكَمْ


"يأسك وصبرك بين إيديك وإنت حر". كانت هذه الجملة الشعرية المعلقة، مع جمل أخرى شعرية وفلسفية، على أحد حوائط شقة "عبد الحكم سليمان"، التي كانت لا تزال على المحارة، الكائنة بالقرب من شارع جامعة الدول بالمهندسين، "تنزل عند فندق النبيلة". نودع الشارع الكبير بصخبه ومحلاته ونتسلل إلى شارع صغير له روح إنسانية مختلفة وينتظرنا هناك لقاء مختلف. كنت دائما وأنا أجول بين هذه المقتطفات الشعرية والصور الصغيرة الملصقة بطريقة بدائية على الحوائط، أتوقف أمام هذه الجملة، ولم أعرف وقتها بأنها "بيت" من إحدى رباعيات صلاح جاهين. هذه الجملة كانت بمثابة العهد غير المكتوب أو العلامة المائية لهذه الشقة ولعقد كامل من السنوات. اعتقدت وقتها بأن "حَكَم"، أو أحد المارين على الشقة؛ قد ألَّفها بنفسه، وربما تقف وراءها قصة حب، فاليأس والصبر، داخل هذه الجملة، لهما مذاق الحب. تلك الفردية المسئولة التي تتحمل اليأس والصبر معا، فلم يكن الحب في تسعينيات القرن الماضي سوى صيغة تحمُّل وصبر، بدون رتوش، أو خيال جمعي يقويه. كان "نهر الحب" قد فقد الكثير من مياهه وأحلامه وأوهامه وأحجاره ومحفزاته أثناء رحلته من المصب حتى وصل إلى هذا العقد التسعيني، ولهذه الشلة من الأصدقاء. ربما كان الحب، كقيمة، ما زال فاعلا في ذلك الوقت، ولكن على "المسئولية الشخصية"، بعد أن فقد أساسيات خياله وأحلامه، ولم يتبق من حوائط هذا البناء الكبير سوى حائطي اليأس والصبر.
 
                                           ***
 
تعرفت على الصديق عبد الحكم سليمان بداية التسعينيات، وسط مجموعة أخرى من الأصدقاء سيشكلون حجر الأساس لهذه العلاقة التي ستجمعنا. كل من قابلته في هذه الفترة صار صديقًا لي، أو امتد خيط الأفكار والمناقشات أو الرموز بيننا، كأنها لحظة تأسيس سيتم الرجوع إليها كثيرًا لفحص سجل ووثائق الصداقة.
 
                                         ***
 
كان "حَكَم" نقطة التقاء بين أكثر من جيتو ثقافي. في ذلك الوقت انتشر في الساحات الثقافية والمؤسسات العلمية ومراكز أبحاث السفارت الأجنبية، أولاد وبنات أذكياء ولهم خلفية علمية جيدة ويأتون من أكثر من طبقة اجتماعية. يبدو أن هذه الفترة، وداخل هذه السياقات المهيمنة، هي التي استقر فيها  مفهوم "المساواة"، ذو الروائح اليسارية القديمة، ولكن بدون أي مشروع تحرري، أو حتى التفكير فيه. مساواة على المسئولية الفردية. ربما شهد هذا العقد التسعيني أيضا دخول أولاد المثقفين القدامى من الطبقات العليا، التي هزمت في 67، الحياة الثقافية بإرث آبائهم من السلطة والهزيمة معا.
داخل هذه الجيتوهات، ظهر أيضًا القادمون من الأقاليم، من أمثالي، ومن أمثال "حكم" القادم من المنصورة، وبصحبته أصدقاء ومثقفين قدامى ومجايلين له. بينما داخل "جمهورية المقاهي" كانت هناك جيتوهات ثقافية كادحة، أغلبها جاء من الأقاليم البعيدة، ولا يطبق عليها قانون المساواة هذا ولا يتمتع بهذه الوفرة البرجوازية. برغم كل هذا، لم تكن هناك حظوظ كثيرة تُرتجى، أو آمال تُبنى، لقد تبخر حظ ونموذج الأبنودي وغيره بدون رجعة أو أسف، فكل نجاح وقتها كان يدار مع اليأس والصبر.
 
                                         ***
 
من كثرة ترددي على القاهرة في ذلك الوقت، وسهراتي المتكررة في شقة "حكم"، عرض علي مفتاح شقته، آتي وقت أشاء وأغادر وقت أشاء. ظل هذا المفتاح معي، لم يسترده، رغم التباعد في المسافات، وفي اختلاف طرق الحياة وظروفها. ظل هذا المفتاح عالقا في سلسلة مفاتيحي، حتى وقت قريب، بعد أن تغيرت مفاتيح هذه السلسلة بانتقالي لأكثر من مكان. ولكن ظل هذا المفتاح التميمة الثابتة، الذي يشعرني بأن لي بيتا بالقاهرة. ربما لم يغير حكم "كالون" الباب حتى الآن، وينتظر أيضا أن يدخل عليه فجأة كل الأصدقاء الذين منحهم نسخة من المفتاح الأصلي للبيت، وجزء أيضا من كرم ضيافته. ظل هذا المفتاح مع عصبة المفاتيح الأخرى التي نفتح بها الأبواب الأخرى التي ندخل منها ونخرج، ونكشف محتوياتها لنطمئن أنها موجودة. ظل هذا المفتاح يفتح "بابا زمنيا" كنت أمر منه، يرتبط برمز الصداقة.
 
                                                ***
 
على الرغم من أن حوائط الشقة، وقتها، كانت على المحارة تنتظر تشطيبات أخرى، أجَّلها "حكم" لسنوات في سبيل أن يفتتح الحياة في الشقة سريعا، كأنها شقة "مؤقتة" لن يدوم العيش بها؛ إلا أن الحمام كان الجزء "الأبدي" في الشقة. كان أنيقا مبطنة جدرانه بالسيراميك الأبيض الفاخر، كأنه غرفة التفكير البيضاء التي نلجأ إليها لنتخذ فيها القرارات الكبرى في حياتنا، ونحن نستمتع بلذة التغوط أو الاستحمام أو النظر للمرآة، وسط انعاكاسات اللون الأبيض للسيراميك وضوء الشباك الصغير.
 
                                              ***
قرأنا، مجموعة أصدقاء حكم، كتبا مشتركة كثيرة في هذه الشقة، أتذكر جيدا أشعار وديع سعادة، لحظات الهجرة التي كان يصبها في آنية الوقت بيننا، وسماها "لحظات ميتة". مضغنا جيدا هذه "اللحظات الميتة، ثم تفلناها من حلوقنا بعد أن تسربت إلى دواخلنا. وأيضا تبادلنا أشعارنا الشخصية. لم تكن كل النقاشات هادئة أو سليمة الطوية، ولم تكن كل القراءات صحيحة، ولكن هذا العهد بالمسئولية الشخصية كان يجعل النقاشات لها نكهة مميزة، وجديدة.
أتذكر هذه الكنبة في الركن الذي كنت أنام عليها. كان البيت عبارة عن "عنبر نوم أدبي"، أغلب الوقت مشغولا بالأصدقاء وأحيانا تكون كل الأماكن محجوزة بما فيها هذه الكنبة، فيتم اللجوء للمراتب.
تبدل الأصدقاء، وتبدلت أوراق الجرائد التي نفرش عليها الطعام، مع دخان المعسل والشيشة، التي تحولت إلى طقس محبب نمارسه في كل الأوقات، لينقذ الوقت من السأم أو اليأس أو ثقل حمولة الصبر. كنا نعوض الكلام بدخان الشيشة الكثيف، وكان "حكم" يدقق جدا في نظافتها وضرورة تغيير المياه بعد عدة دورات، واختبار نفاذية دخانها من المبسم العاجي، للحصول على أقصى متعة ممكنة وأكثر درجة من النقاء.


                                           ***


كانت هناك جلسات إفطار جماعي تحمل رائحة إفطار المصايف الشهي، والأمل الذي بلا حدود بأن اليوم سيكون جميلا. مع كل نهار كنا نفتح قارة المستقبل النائمة. واليأس أيضا الذي كان بلا حدود، وأبدية اللذة التي تخرج من كل هذا "اللا محدود". أتذكر وجبات السمك المشوي من السمَّاك أسفل العمارة، وأطباق الطعام الشهي التي كان يرسلها جيران "حكم" في العمارة، وأتذكر هذا المكان الهادئ الذي استوعب عزلتي المخارة خوفا من ضجيج القاهرة وساحاتها الثقافية المفتوحة للنزال. لقد امتص هذا البيت، مع بيوت أخرى، قلق ومخاوف الفرد أمام الجموع المجهولة، وتحول إلى سكن زمني.
                                       ***
 
 
هناك أرستقراطية ذاتية، أيضا على المسئولية الشخصية، منحها "حكم" لنفسه أو ورثها ربما، تتحول أحيانا إلى نوع من السمو والحميمية، والانفتاح القوى المرح على الآخرين والتبسط معهم، وتتحول أحيانا إلى نوع من التعالي غير المقصود خفيف الدم، وأحيانا تتحول إلى هوس من الدقة المتناهية والنظافة الزائدة، والتحبيك، والتصميم على الرأي، وأحيانا تأخذ هذه الأرستقراطية الذاتية منحى الحدب الشديد أو الخجل الشديد، أو المواجهة الشديدة. يتشكل هذا الفائض الأرستقراطي حسب الموقف الذي يظهر فيه.
 
                                      ***
 
كنا نداعب "حكم" ونسميه "الأديب الدكتور"، لأن علاقته بأجواء الأدب طغت على أجواء الطب الذي درسه وتخصص فيه في الأمراض الجلدية والتناسلية. كنا نقولها إطراء لجانبه الأدبي، وأيضا انتقاد لهذا الجانب المنسي، وقتها، من الطب.  كانت الأمراض التي يتحدث عنها والمصطلحات التي يصفها بها؛ تعوم داخل وسيط فلسفي أدبي، ونفسي. كان يستخدم مصطلحات أدبية لوصف المرض الجلدي. ربما لأن كل مرض المرض له أصل نفسي قابع في سريرة الإنسان، ولن يعبر عن هذه السيرة ويفضحها سوى الأدب، وهو جزء من معتقد هذه الفترة من التسعينيات. ربما كان حكم يغضب من هذه الدعابة الثقيلة، ولا يظهر غضبه، لقد كان من الطلبة المتفوقين الذين كان تفوقهم إشارة صريحة لطبيعة الحياة التي سيعيشونها. لكن أشهد له بأن هذا التفوق لم يتجاوز أي خطوط حمراء.
 
                                        ***
 
في أحد الصباحات، كنت أنا وهو فقط في الشقة، دخل كشَّاف النور ليكشف على العداد. لمح "حكم" بحكم تخصصه، شيئا شبيها بالوحمة على جبهة الكشَّاف. اقترب منه، وطلب منه أن يرى هذه الوحمة تحت الضوء، فأسقط في قلب الكشَّاف الذي تحول إلى مريض مشتبه في إصابته بأحد الأمراض الخطيرة ذات السمعة السيئة، وربما لو دقق أكثر في الوحمة لرفع الكشاف يديه مسلما نفسه لهذا القدر الذي ساقه لهذا المكان. المهم أن "حكم" طمأنه، ولكن طلب منه أن يتابع نمو هذه الوحمة، ولا يهملها. ربما هذا الكشاف تغيرت حياته من هذه الصدفة، وربما أيضا ترك العمل في هذه المنطقة.
 
                                                ***
 
عرفت بعدها بسنوات أن هذا "البيت" المعلق على الحائط يعود لرباعية من رباعيات صلاح جاهين
"يأسك وصبرك بين إيديك وانت حر
تيأس ماتيأس الحياة راح تمر
أنا دقت من ده  ومن ده وعجبي لقيت
الصبر مر وبرضه اليأس مر
عجبي".
ربما تلخص هذه الأبيات روح فترة زمنية لن تنتهي. الآن بعد قرابة 3 عقود من ذكريات هذه الشقة، ذقنا جميعا الصبر ووجدناه مرا، وذقنا اليأس ووجدناه أيضا مرا، وبينهما كان هناك الفرح والمذاق الجديد لفردية تحاول أن تشق طريقها، وتصنع علاقة منصفة مع النفس والحياة والمجتمع.