loading...

ثقافة و فن

قصص أشهر 3 أغان لمحمد عبد المطلب.. تقاضى عن إحداها 6 جنيهات

عبد المطلب وعبد الحليم

عبد المطلب وعبد الحليم



ملخص

"ساكن في حي السيدة" كتبها الشاعر زين العابدين لمحمد فوزي، إلا أن نجليه قالا له أنها "مش لايقة عليه" فتنازل عنها لـ"طِلب"، لتصبح إحدى أهم أغنياته طوال مشواره.

إن كان هناك أبًا حقيقيًا للغناء الشعبي المصري فلا شك أنه "طِلب"، صوت مصر، الفلاح الحافظ القرآن، والقادم من قرية شبراخيت بمحافظة البحيرة، بحثًا عن المجد، حتى وصل مداه بأغان وأعمال سينمائية لم يفن شبابها وزمانها بعد رغم غياب صاحبها محمد عبد المطلب عبد العزيز الأحمر، المولود في 13 أغسطس 1910، والراحل في 21 أغسطس 1980، حيث إن إرثه الفني المتروك خلفه ثقيل ثِقل موهبته التي كوّن بها مدرسته الخاصة في الغناء، إلى أن وصل إلى عمادة الفن الشعبي المصري والعربي.

بدأ عبد المطلب بالاستماع إلى الأسطوانات الغنائية في المقاهي الموجودة في بلده، حتى ذهب إلى العاصمة بحثًا عن الموسيقى، التي تعلمها على يد داوود حسني، وتلبيةً لأمر مُعلمه يبحث عن مسجد يؤذن فيه لمدة عام كامل، حتى ينضبط صوته، ومنذ أيامه الأولى في القاهرة تعرف عبد المطلب على موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، فحينما لم تكف جنيهاته القليلة أجرة الحجرة التي بات فيها بالأزبكية، ذهب يبحث عن معهد الموسيقى، وهناك تعرف عليه، وبعد أن ضاقت به الدنيا ذهب إلى مكتبه يشكو له حاله، فمنحه عشرة جنيهات، وألحقه بفرقته كفرد من الكورال شارك في عشرات الأغنيات التي سجلها مطرب الملوك على أسطوانات، ويظهر فيها صوت "طِلب" العريض من بين أصوات الكورس، لكن عبد المطلب غادرها بعد أن خلى به عبد الوهاب ولم ينفذ وعده له، باصطحابه إلى فرنسا في إحدى الجولات، وراح يبحث عن نفسه في كازينو الست بديعة مصابني.

في كازينو الست التقى "طِلب" بالموسيقار محمود الشريف، الذي قدّم له أول أسطوانة فيها ست أغنيات، حصل على 12 جنيهًا نظير غنائها وتسجيلها لشركة "بيضافون" عام 1934، ومن بين أغنياتها نجحت "بتسألينى بحبك ليه؟ سؤال غريب ماجوبش عليه"، في هذا التاريخ تحديدًا بدأت نجومية عبد المطلب تظهر وتنتشر بعد فترة قليلة من "الصعلكة" الغنائية، وإلى جانبه مُلحنه وصديقه وصهره الشريف (تزوج من شقيقة زوجة عبد المطلب)، حيث نتج عن ثنائيهما تجارب مهمة ومتنوعة في تاريخ الأغنية الشعبية، ومنها: "أداري وأنت مش داري، يا بيعني وأنا شاري، وأنا مالي، معاد حبيبي، ودع هواك، يا أهل المحبة، ما بيسألش عليه أبدًا، بياع الهوى"، وغيرها.

استمر "طلِب" في مشواره، ولحّن له أيضًا رياض السنباطي ومحمد عبد الوهاب ومحمد الموجي وكمال الطويل وبليغ حمدي ومحمد فوزي، وغيرهم من الكبار، وشارك سينمائيًا بتمثيله وألحانه بدايةً من فيلم "خلف الحبايب" (1939)، وأنتج له عبد الوهاب فيلم "تاكسي حنطورة"، ثم كوّن شركة إنتاج مع زوجته نرجس شوقي، وأنتج فيلمي "الصيت ولا الغنى" (1984)، و"5 شارع الحبايب" (1971)، وشارك في أعمال أخرى منها: "إديني عقلك، ليلة غرام، لك يوم يا ظالم، علي بابا والأربعين حرامي"، ولأنه ابن الشعب، هناك حكايات لعدد من أغانيه الشهيرة، ومنها:-

رمضان جانا

أغنية "رمضان جانا" كتبها الشاعر حسين طنطاوي، ولحنها محمود الشريف، وغناها "طِلب" بدلًا من صديقه الفنان أحمد عبد القادر، لأنه كان في ضائقة مالية، وكان يحتاج لأموال، وحصل عبد المطلب مقابل غنائه لها على 6 جنيهات، وبعد نجاحها قال في أحد لقاءاته النادرة: "لو أنني أخذت جنيهًا واحدًا على كل مرة تذاع فيها الأغنية لأصبحت مليونيرًا".

ويحكي الإذاعي وجدي قنديل قصة خروج الأغنية إلى النور في مجلة الكواكب عام 1968 فيقول: "اتفقت الإذاعة في بداية عهدها مع بعض الملحنين على إشغال فترة زمنية حرة بالإذاعة تسمى بـ(الركن)، يتولى فيها الملحن تقديم أغنيتين يختار كلماتهما ومطربيهما والفرقة الموسيقية التي تؤديهما مقابل 125 جنيهًا، يدفع الملحن منها أجور الفرقة الموسيقية، وعهدت الإذاعة إلى المطرب الملحن أحمد عبد القادر بهذه الفترة، وطلب عبد القادر أن يُغني بنفسه الأغنيتين ويتقاضى المبلغ كاملًا، إلا أن مسئولي الإذاعة رفضوا، وطلبوا منه أداء أغنية واحدة، وإشراك مطرب آخر معه في الفقرة، فغنى (وحوي يا وحوي)، وتنازل عن (رمضان جانا) للمطرب ذائع الصيت وقتها محمد عبد المطلب، ودفع له ستة جنيهات، وانتشرت الأغنية بعد نجاحها وأصبحت -كما علّق طِلب- أشهر وأهم من بيان المفتي لإعلان بدء رمضان".

وقال نجله بهاء، خلال استضافته ببرنامج "سيرة الحبايب" عبر إذاعة "نجوم إف إم"، رمضان الماضي، إن "والده كان حريصًا في شهر رمضان على الجلوس في مسجد الحسين، حيث كنا ننتظره على الإفطار، ويحضر لنا المكسرات ولوازم الشهر الفضيل، وكان يحب أداء صلاة المغرب في المسجد قبل أن يحضر لنا، ونفطر جميعًا، لذا صارت (رمضان جانا) من الأغاني التي تثبت وجود شهر رمضان، حينما أسمعها في رمضان أشعر بطعم الشهر الفضيل، لكن في غير رمضان لا أشعر بها، خاصةً أنها تشير إلى طقوس رمضان في الأحياء الشعبية التي عاش فيها والدي".

وحسب الشاعر مصطفى الضمراني، في مقالة له بـ"الأهرام" عام 2005، فإن هذه الأغنية كان الملحن محمود الشريف يعتز بها كثيرًا، وقد استغرق تسجيلها أسبوعًا، وأُجريت بروفاتها في معهد الموسيقى، كما اختارها حسين الشجاعي مسئول الموسيقى بالإذاعة لتُغنى في رمضان، حتى أصبحت من الألحان المميزة لشهر رمضان.

ساكن في حي السيدة

"ساكن في حي السيدة وحبيبي ساكن في الحسين.. وعشان أنول كل الرضا يوماتي أروح له مرتين.. من السيدة لسيدنا الحسين"، مطلع أغنية شدا بها "ملك المواويل"، في عام 1960، وكانت هي الأشهر في تاريخه الفني الطويل، بل وأكثر أغانيه جماهيرية.

حرص الشاعر زين العابدين بن فتح الله على وضع نصها الشعري في إطار عاطفي يصور من خلاله معاناة الحبيب، الذي يقطن في حي السيدة، بينما تسكن حبيبته في حي سيدنا الحسين، وعلى الرغم من ذلك يذهب لها مرتين، ذاكرًا بعض العادات الشعبية في حي السيدة، ولعل ذلك كان أحد أسباب نجاحها وجماهيريتها في ذلك الوقت.

لحّن هذه الأغنية المطرب والملحن محمد فوزي عام 1960، ووفقًا لمجلة الإذاعة في نفس العام، فإن فوزي كان ينوى غناءها بنفسه إلا أنه حين استشار نجليه نبيل ومنير رفضا غناءه لها بحجة أنها "مش لايقة عليه" فتنازل عنها لـ"طِلب"، وقد اهتم بالثراء النغمي لها، حيث تعرض خلالها لأربعة مقامات هي على الترتيب: "الكرد" "الراست"، "الصبا"، "البياتي"، وهي مقامات تخصص "ملك المواويل" في أدائها بكل سلاسة.

وحسب نجله "بهاء"، في حوار "نجوم إف إم"، فإن والده لم يكن يسكن في حي السيدة ولا الحسين، كما ورد في أغنيته الشهيرة "ساكن في حي السيدة"، موضحًا: "زوجته الأخيرة كانت من السيدة، لكن جزئية الحسين الموجودة في الأغنية لغز لا نعرفه حتى الآن".

وفي نهاية صيف عام 1962، جمع حفل بمدينة الزقازيق "طِلب" بالفنان عبد الحليم حافظ، وغنى العندليب أغنيتيه "حكاية شعب" و"فوق الشوق"، ثم حرص على أن يُقدّم بنفسه للجمهور عبد المطلب، وقال: "دلوقتي هتسمعوا أستاذنا وزميلنا المطرب الكبير الأستاذ عبد المطلب".

غنّى "طِلب" عددًا من أغانيه الشهيرة منها "ساكن في حي السيدة"، وكانت هناك علاقة وطيدة تجمع عبد المطلب وعبد الحليم، وحينما فرغ من الأغنية قال له: "إزاي تروح لحبيبك مرتين في اليوم وأنت ساكن في حي السيدة وحبيبك في الحسين.. مشوار كبير عليك يا طِلب.. هي كفاية مرة واحدة"، وهنا انفجر المطربان في الضحك كما يبدو في الصورة أسفله.

يا حاسدين الناس

يقول نجله "بهاء" عن صفات والده، أنه "كان لا يحب أن يهدده أي شخص في لقمة العيش، وكان عصبيًا جدًا، وفي مرة اقتحم المسرح على المونولوجست سيد ملاح وأوشك على ضربه لأنه قلّده بطريقة ساخرة، ولم يكن يمتلك نقط ضعف لأنه واثق من نفسه ولديه عزة نفس كبيرة، كما أنه كان يصدق الأخبار التي تحمل مصلحة لمصر ولم يكن يحاول يردد الإشاعات".

يؤكد نجله أيضًا أن "طِلب" كان يخشى الحسد للغاية، لذا قدّم أغنيته الشهيرة "يا حاسدين الناس.. ما لكم ومال الناس.. ده كل قلب في ألم ولكل واحد كاس.. يا حاسدين قلبين إيه قصدكم منهم.. يا مفرقين حبيبين فرقتوا ليه بينهم.. يكفينا شر العين واحرسنا من عينهم.. يا حاسدين والعين قاسية في نظرتها.. يا مشتتين شملين زودتوا قسوتها.. البخت نلقاه فين وندوق حلاوتها".

محمد عبد المطلب لم يكن مجرد موهبة غنائية عادية، فقد كان يمتلك صوتًا مميزًا مختلفًا عن مطربي الزمن الجميل، وأسس مدرسته الخاصة التي لا تزال باقية.