loading...

مقالات

تسعينيات القاهرة – لمِّة مجدي الجابري

تسعينيات القاهرة – لمِّة مجدي الجابري


كان يعقد، في بيت مجدي الجابري بالمطرية شارع الكابلات، لقاء أسبوعي، أو كل أسبوعين، لمناقشة شيء جديد: ديوان، قصة، موضوع عام. وهناك تكررت أسماء سمير أمين، وعبد الرحمن الرافعي، وصلاح عيسى وأحمد عرابي، جنبا إلى جنب مع الساندويتشات وأطباق البطاطس المقلية الساخنة التي كانت تتسلل إلى الجلسة من المطبخ القريب، مع أكواب الشاي، وعلب السجائر المفتوحة، كأحد الأطباق الشهية أيضا، بينما صوت فيروز في الخلفية داخل شريط كاسيت يذكرنا بهذا الجانب المثقف من الحلم. كان الاهتمام من مجدي وأصدقائه منصبا على تفسير الواقع المصري الإشكالي، وحركة نموه، وأسباب تعثره، والبحث في حكاية هذا الشعب الذي ننتمي له. كان هناك حس وطني مسئول، ومنظم، وله منطق بحثي حر، وهو شيء جديد عليَّ تماما. لا شك أن المقولات الماركسية كانت جزءا من هذا التفسير. ثم ينتهي اللقاء في وقت متأخر، لننطلق إلى الشارع ليلا، بحثا عن مقهى مفتوح لنكمل فيه الجزء غير الرسمي من النقاش. كان هذا اللقاء يضم، بشكل غير منتظم: مسعود شومان، وسناء المصري، وشحاتة العريان، ومجاهد الطيب، وصفاء عبد المنعم زوجة مجدي، وإيمان مرسال، وعبد الحكم سليمان، ومحمود الحلواني، وأسامة الدناصوري، ومحمد بهنسي.
 
                                                 ***
كان هم جيل العامية في ذلك الوقت، الذي ينتمي له مجدي، أن يوجد قصيدة جديدة تضارع قصيدة صلاح جاهين، والأبنودي وسيد حجاب. ولكي يتم هذا التمايز انخرطت قصيدة العامية تحت سلطة ثقافية مؤسسية وأفكارها وأولها سلطة "الغموض". القصيدة مع هذا الجيل الحديث أفرغت قسرا من الحس السياسي الذي امتلأ به شعر العامية القديم، باستثناءات طبعا، ولم تجد الأجيال الجديدة ذاتا أخرى لتملأ هذا الفراغ، فجاء "الغموض"، أحيانا، معبرا عن تعثرات هذه الذات، التي لم تجد حولها مجتمعا أو مشروعا أو ثقافة، بل وجدت فقط "لمِّة أصدقاء". لذا كان هذا اللقاء الأسبوعي الذي ضمنا، وأي لقاء آخر؛ به رعشة افتقاد شعري، معبرا عن "لمَّة" كانت تنوب عن مجتمع غائب. أعتقد أن هذه اللمَّة أنابت عن الجموع بمفهومها السياسي.

منذ ديوانه "أغسطس"، وهناك غموض صوفي في شعره، لا يفسَّر إلا بأنه أحد تعقيدات الذات المثقفة التي تسعى لفك رموزها والإحاطة بالكون عبر تجربة إنسانية كبيرة، وهي سمة المناخ الذي كان سائدا في مصر منذ الستينيات.

                                                ***

حاول مجدي أن يوفق بين انحيازه للناس بالمفهوم الكبير الإنساني، الذين ارتبطت حياته بهم، وفردانيته، كشاعر، كمـتأمل، كبرجوازي. أصبح البحث في الوجود، في الموت، في أصل الإنسان، والتفتيش في الخبايا الإنسانية للمدينة الكبيرة، هو ما يطمح إليه شعر العامية وقتها، بعد حضور نموذج فذ مثل صلاح جاهين، أدخل للعامية المصرية إحساس القصيدة، ومعها أدخل الهموم الوجودية للمثقف الحديث، وبدون أن يستدعي نموذج وأفكار طبقة معينة في شعره، وإنما خلق "آخر" عابرا للطبقات.

                                             ***

أصبح إخلاص مجدي لأصدقاته نهائيا، ومتسامحا فيه للأبد. خجله الشديد جعله قليل المواجهة لأصدقائه ولنفسه أيضا. المهم أنه وجد "طبقته" الجديدة التي سيخرج منها شعره، فكل قصائده مليء بالأصدقاء، بأسمائهم، بمواقف ارتبطت بهم، بأفكار دارت حولهم، بجلسات قالوا فيها كذا، وكذا وكذا، لدرجة أنه في قصيدة "شتوية" في ديوانه الأخير "الحياة مش بروفة"، يتحدث فيها عن الموت كصديق إضافي يجلس بين أصدقائه في إحدى الجلسات. إلى هذه الدرجة هناك ارتباط بين الحياة والموت والأصدقاء. لماذا يتذكر الموت وسط هذه "اللمة" من الأصدقاء، إلا لخوفه الشديد من أن يفقد هذه "اللمة". هي شيء أكثر من اللمة، هي مجتمع كامل مرمَّز في مجموعة من الأصدقاء، وهذا المجتمع هو الذي سيقف ضد الموت، وربما عندما غاب هذا المجتمع وتفرقت اللمة، انسحب مجدي ومات.

                                         ***
مخاطرة الثقافة، مخاطرة الوعي، تحتاج إلى أمان نسبي، أمان خفي مثل رصيد وضعه أحدهم في حسابك النفسي وبدون أن تدري. أو يحتاج إلى أمان مادي تشعر معه بالحرية والقدرة على مناورة الحياة والتلاعب معها. في ذلك الوقت كان مجدي يخاطر ثقافيا بمدد من أشعار وسير الأجيال السابقة، وبرصيد من الزهد الفطري والتقشف. كان نموذج التقشف والزهد قد فقد بريقه في ذلك الوقت من التسعينيات، أصبح نموذجا محاصرا بمخاوف شخصية تخص كل شيء، وتشكك في كل شيء.

                                            ***

المرة الأولى التي تعرفت فيها على مجدي الجابري كانت تقريبا في منتصف الثمانينيات، بدأت التردد على القاهرة للتعرف على الشعراء. دعانا مجدي للمبيت في غرفته الكائنة بأحد الأحياء الشعبية، قبل أن يتزوج. كنا ثلاثة أصدقاء من الإسكندرية، نمنا داخل الغرفة الضيقة ذات السرير الواحد بأعجوبة. في صباح اليوم التالي استيقظنا على صوت خناقة بين زوج وزوجته يسكنان في غرفة مجاورة. كانت خناقة سوريالية تبدلت فيها الأدوار المعهودة في الحياة، وانهالت الزوجة بالضرب والسباب على زوجها، الذي انخرط في بكاء حار، وفي الدعاء عليها في تلك الساعة المباركة قبل صلاة الجمعة. كانت هذه العلاقة غريبة عليَّ تماما، أما بالنسبة لمجدي، الذي دهس هذه الحياة، فقد ظل مبتسما والزوج يبكي كأنه يفرجنا على فيلم يعرف هو فقط نهايته. أصبحت هذه المأساة ملهاة بالنسبة له، وشيئا عاديا يدعو للابتسام، أو التجاهل، لأن ليس هناك أحد يمكن أن يغير من طبيعة هذه الحياة التي يعيشها هؤلاء "الناس". في أثناء ذهابي للحمام المشترك خارج الغرفة، كنت أسير بخطى خفيفة وأدعو الله بألا أتعثر بهذه الزوجة في طريقي. الغريب أيضا أن الموقف انتهى بالصلح بينهما، وهنا تفهمت ابتسامة مجدي كأنه يقول لنا لا تتعجلوا الحكم على هذه المأساة فهذه ليست النهاية.

                                          ***
قليلا ما كان مجدي يتكلم في هذه النقاشات التي تجري في بيته، يشارك بحساب، كأن لسان حاله يقول إن مشاركته الحقيقية هي في تجميع لمة الأصدقاء. ولكن كنت ألمح، وربما لمح الأصدقاء، بأن الصمت وراءه خجل وعدم رغبة في الإفصاح وربما ضياع المفتاح الذي سيفتح قلبه يوما ما للبوح. كثيرا ما نحلم بهذه الطريقة، بأن نؤجل مواجهتنا مع الحياة وفي الوقت نفسه نصعِّب على أنفسنا حِمل المستقبل، نجعل نموذجنا الذي نتخيله  عندما يقف أمام الحياة ويدلي بمنولوجه الشجي، فوق العادة. ربما بدأ يتسرب في شعر مجدي في ديوانه الأخير "الحياة مش بروفة"، الصادر قبل وفاته؛ بوح متناثر في زوايا قصائده: بوح القلب، والطفولة، والخيبات، والحياة التي عاشها.
 
                                           ***

أشياء صغيرة كانت تهز القلب وقتها، مثلا لو أنت جالس مع صديق وقاربت الجلسة على الانتهاء، قل الكلام، أو فتر، عندها لو أخرجت سيجارة، أو أخرجها هو ومد لك يده بها، فستحمل هذه السيجارة الأمل بامتداد الجلسة. ماذا لو كانوا عدة أصدقاء، كل منهم يضع علبة سجائر مفتوحة أمامه، معناها أن الجلسة ستمتد للصباح. كنا نعد حياتنا بالسجائر، وليس بملاعق القهوة كما كتب اليوت "أعد حياتي بملاعق القهوة". السجائر أصبحت رمزا، هذا الطقس الذي يعشقه مجدي. يقول في إحدى قصائده:

"حاجة تزهق، وتخلي الأتوبيس اللي واقف قصادي

من غير سواق ولا كمساري ومليان ركاب.. يتحول

براد شاي وأربع علب سجاير مفتوحين ومكان واسع

وأصحاب بيضحكو بصوت عالي"

                                        ***

لو تقابلنا في وسط البلد، باب اللوق مثلا، نتسرب في الليل ناحية الناصرية، لمقهى "موسى عطية"، مارين ببائع كبدة يعرفه مجدي والأصدقاء. وداخل المقهى نظل معتقلين حتى الصباح، يقل الكلام والسجائر والدخان، وينعس أحدنا في كرسيه، منتظرين نور الصبح ليفك أسرنا لننطلق مع أول ضوء في أحياء القاهرة. أحيانا كان الليل يتحول إلى مأزق، يحاصرنا مرة واحدة، فنظل متيقظين له بالمرصاد داخل المقهى، نتبادل نوبتجيات النعاس الخفيف. 

                                       *** 
كان مجدي يحب كتب السيرة الذاتية، أو بالمعنى البسيط كتب الحكايات. يقول في إحدى قصائده ما معناه أنه وهو عائد إلى البيت سيعيش معه أحد أبطال هذه السير "رايح لسيرة فلان". سيكون ضيفه أحد العظماء الذين أصبحت لهم سيرة تُقرأ، وحكاية تحكى. أصبح الحكاؤون لهم قيمة خاصة داخل حياته. كان البطولة التي يراها في الآخرين تعوض عن هذا الحوار الناقص مع أصدقائه وربما مع الحياة بشكل عام.

كذلك اهتمامه بالأدب الشعبي، بحكايات الناس، الجدات، جمع الأمثال، قوانين تلك الحياة الشفاهية، السفر إلى المناطق البعيدة من مصر للحصول على مادة بحثية. طبعا وراء كل هذا حتى ولو كان ملتبسا بأي شيء آخر، طموح بأن تسود هذه الثقافة بعد أن غاب أهلها عن أن يكونوا ممثلين في الحياة.

                                     ***
في ديوانه الأخير "الحياة مش بروفة"، حاول مجدي أن يمزج بين السيرة الذاتية / الحكاية بالحكمة. أن يجعل من شعره حكاية شعبية، بها كل خصائص السير، وأهمها ميلاد البطل. البطل هنا مختلف ولكن له المصير نفسه. حتى إنه سمَّى قصيدة في الديوان باسم "صدمة الميلاد". يسير فيها على خطى المنهج البنيوي في تحليل الحكاية / الأسطورة. يتحدث فيها عن ميلاده هو، بطل هذه القصيدة، وأمه التي تسرد عليه لحظة ميلاده. أصبح البطل الذي بحث عن فرديته عبر غموض الذات من قبل، يبحث عن فرديته وسط أصول جماعية، ذلك التاريخ الذي لم يعشه في العائلة، عن الموت، عن مقايضات الحياة. عندما ولد هذا الطفل، الذي كانه، شعر بأن هناك يدا تدفعه من الخلف، بالمعنى المادي والمجازي، تدفعه إلى أين؟ لا يعرف. حكاية الأب الشاويش الذي يهينه الضابط العيل أمام ابنه. حكاية النواصي والأخ المتعالي، وعربات الميكروباص الليلية التي ركبها وهو يفكر فيما حدث. حكاية السأم الذي يتسلل إلى لحظات الحب "لسه بنخدع بعضنا بالحب، مع إننا المفروض نكره بعض وقت اللزوم".

                                             ***
ربما بداية من منتصف التسعينيات، أو قبلها، وبعد أن أسهمت حرب الخليج الأولى في ضعضة بنيان المجتمع الثقافي المتآكل أصلا، والتي عجلت بظهور الفجوة بين جيتوهات المثقفين والمجتمع، فذهب كل منا يبحث عن أكل عيشه. لم أعد أسمع شيئا عن مجدي، ربما أخبار من بعيد، وربما دعاني مرة لندوة صغيرة جدا لمناقشة أحد دواويني. خمس سنوات تقريبا مرت، لم أسمع عنه، صادفت أحد دواوينه عند بائع الجرائد. لم تعد هناك مقاه أو بيوت تهتم بأي نوع من الثقافة، أو حوارات حول مصير البلد. تغير الإحساس بالمقهى وبالشارع الليلي، وبجدوى السهر حتى الصباح، وأنت سائر في شوارع هادئة لا يوجد بها إلا صوتك الداخلي وصوت العصافير المستيقظة. انفرطت روح الجماعة، وانفرط الإحساس بالبيت كوحدة تضم هذه الجماعة، وبالتالي قلت أهميته عند مجدي. انشغل الجميع وغاب إحساس "اللمة"، وأصاب كل واحد منا إحساس مبكر بالنهاية.
                                          ***
في منتصف 98، أو نهايتها تقريبا، بدأت روح مسئولية عامة تظهر ولو على استحياء. ربما استعدادا لاستقبال قرن جديد على الأبواب، وبدأت أرى أصدقاء لم أرهم منذ فترة طويلة وظهرت على استحياء حفلات التوقيع للكتاب، والعروض الأولى للأفلام التي يدعى لها جمع غفير. كنا نحتشد لاستقبال قرن جديد، جدد الأمل قليلا ونزع فتيل النهاية. عرفت أنه مريض بسرطان في الرئة والغدد الليمفاوية.

اتصلت به من الإسكندرية، كان صوته لا يزال عائشا في الأمل "إزيك يا جميل". كان يتكلم بقوة تفوق مواضعات المرض وخطورته، كان صوته متفوقا حتى على الأمل، فالأمل به ضعف ورقة وخوف من ألا يتحقق. لم يكن دور الألم قد أتى بعد.
 
                                        ***

مع تكرار السؤال عليه بدأ صوته يضعف في التليفون. وعدته بزيارته. زرته مع مجموعة من الأصدقاء في بيت والدته الذى انتقل للإقامة فيه مع صفاء زوجته وابنتيه. كنت أعرف بأني ذاهب إلى حالة ميئوس منها، ولكن لم يردني هذا عن الذهاب. كلمة "ربما" هي التي دفعتني للذهاب. كان بيت والدته في أحد الأحياء الشعبية، الكل في الشارع يشيرون لنا على البيت قبل أن نسأل. سلالم قليلة الإضاءة، نتلمس خطواتنا، عند كل بسطة نتوقف نلمح عيونا تشير لنا إلى أعلى، وأزواجا من الأحذية والشباشب بمقاسات مختلفة أمام عتبات وأبواب مفتوحة.

                                               ***
حكى لي الصديق أسامة الدناصوري الذي كان يتدرب على الموت بزيارته المتكررة لمجدي في المستشفى، وسيتوفى بعده في أحد مستشفيات القاهرة عام 2007. حكى لي عن الألم الذي كان يشعر به، جعله يتنقل من السرير إلى الكرسي المواجه إلى الطرقة. في كل خطوة كان يحتاج لمساعدة لينتقل للوضع الجديد. سأله أسامة بعد أن استقر مجدي على الكرسي: هل يريد أن ينتقل مرة أخرى إلى السرير ليرتاح؟ هنا تحول السؤال إلى صدمة بالنسبة لمجدي، رد عليه قائلا إن هذا السؤال بالفعل لا يعرف إجابة له.

قال لأسامة أيضا إن كل الذين يتكلمون عن الإرادة والمقاومة والكفاح، كل هذا الكلام لا معنى له أمام مرض من هذا النوع، أمام ألم من هذا النوع. عندها بكى أسامة، فأمام هذا المصير تصبح لدموعنا أجنحة، ونكتسب خفة في البكاء والارتماء في حضن أول شخص سنراه.

                                                ***

جملة "الحياة مش بروفة"، تذكرني بجملة تكررت كثيرا في رواية ميلان كونديرا "خفة الكائن التي لا تحتمل". تعاش الحياة لمرة واحدة، داخل هذا الحيز الضيق من التجريب والأخطاء والفرح، لذا يجب أن تعاش بإشباع، حتى ولو لم يكن موجودا بها. ليس هناك مجال للحسرة، ولن تأتي الحكمة لترعبنا وتضعنا أمام حقيقة غائبة عنا. ربما لن يفيد كثيرا تكرار الحياة، ربما وجدت كي لا تكرر، بل لتعاش لمرة واحدة.
 
                                                ***

كان يا ما كان كان فيه شاعر اسمه مجدي الجابري......................................................