loading...

ثقافة و فن

«بوابة الحلواني».. رائعة محفوظ عبد الرحمن عن مصر «حلوة الحلوات»

محفوظ عبد الرحمن

محفوظ عبد الرحمن



ملخص

يظل محفوظ عبد الرحمن أحد أهم الكتاب الذين أرّخوا من خلال أعمالهم لفترات هامة في تاريخ الوطن، ومن أبرزها مسلسل "بوابة الحلواني" بأجزائه الأربعة، ويبقى أهم روائعه.

كانت قرية التوفيقية بمركز إيتاي البارود بمحافظة البحيرة على موعد مع ميلاد أحد أهم من انتموا لها في 11 يونيو 1941، الكاتب والسيناريست البارز محفوظ عبد الرحمن، والذي بدأ مشواره صحفيًا في مؤسسة دار الهلال، ثم كاتبًا للقصص القصيرة، ومنها إلى جميع مجالات الكتابة الفنية من المقال للقصة إلى المسرحية للدراما التلفزيونية وصولًا إلى السينما، وتميزت أعماله بالحس القومي، فلا يكاد يكون له عمل إلا وهناك ملمح وطني له، بدءًا من مسلسل "سليمان الحلبي" (1976)، مرورًا بذروة إبداعه في "ليلة سقوط غرناطة" (1981)، و"أم كلثوم" (1999)،  وفيلمي القدير الراحل أحمد زكي "ناصر 56" (1996)، و"حليم" (2006).

اللي بنى مصر

هذه الأعمال وغيرها كانت ولا تزال علامات فارقة في مشوار عبد الرحمن، إلا أن ملحمته الفنية "بوابة الحلواني" التي قدّمها مع المخرج إبراهيم الصحن، في أربعة أجزاء تم عرضها في شهر رمضان، بدايةً من العام 1992 حتى العام 2001، تبقى أهم روائعه، والمسلسل من بطولة عبدالله غيث، محمد وفيق، أحمد راتب، علي الحجار، شيرين وجدي، سميرة عبد العزيز، حسن حسني، صلاح قابيل، ليلى طاهر، خالد النبوي، وغيرهم.

تناول العمل بشكل عام، فترة الحكم الخديوية لمصر، وما واكبها من أحداث اجتماعية واقتصادية تصلح لنسج الكثير من الأعمال، وأهمها حفر قناة السويس وما عاناه الشعب المصري آنذاك من سخرة وإذلال، وذلك من خلال تيمة اجتماعية قامت على أسرة "الحلواني" التي اتخذ منها المؤلف حجر أساس لبناء رائعته التاريخية، حيث كانت تُقيم بمدينة "الفارما"، التي تحولت بعد الحفر إلى بورسعيد، إلى جانب إلقاء الضوء على المتغيرات السياسية التي حدثت في هذه الفترة والصراعات السياسية بين الأسرة الحاكمة من أجل الانفراد بالسلطة.

الجزء الأول من المسلسل عُرض عام ١٩٩٢، وتناول فترة 10 أعوام من 1859 إلى 1869، وهي فترة نهاية حكم سعيد باشا وبداية حكم الخديو إسماعيل، إلى جانب مرحلة الاتفاق والتحضير لحفر قناة السويس بين الأخير والسلطة الفرنسية ممثلة في "ديليسبس"، لتنتهي الأحداث بحفر القناة وتعرض المصريون للإذلال والسخرة والقتل على يد جنود فرنسا والتابعين للخديو، وبالتوازي مع ذلك يحاول الثنائي الغنائي "عبده الحامولي وألمظ" تحقيق الذات.

في الجزء الثاني الذي تم عرضه عام 1994، ينطلق "الحامولي وألمظ" إلى طريق النجومية، بعدما انتقلت الأسرة من منطقة بورسعيد إلى القاهرة، وهو ما ساعد الثنائي في التقرب من الأسرة الحاكمة، والغناء في حفلات الخديو، وظهر خلال هذا الجزء شخصيات تاريخية لم تظهر في الجزء الأول، مثل: أحمد عرابي، علي مبارك، رفاعة الطهطاوي.

الجزء الثالث عُرض عام 1997، وكان استكمالًا للأحداث من خلال الشخصيات الدرامية المتخيلة التي ضمتها أسرة الحلواني، وما يدور حولها من أحداث دارت في الفترة من 1869 إلى 1876، إلى جانب رصد لبعض المواقف والأحداث السياسية التي تعرض لها الخديو إسماعيل، عقب حفر قناة السويس.

في الجزء الرابع، وصل المؤلف محفوظ عبد الرحمن إلى نهاية حكم الخديو إسماعيل وعزله من الحكم، إلى جانب وفاة المطربة "ألمظ"، مع استعراض لباقي الأحداث الدرامية التي حدثت مع أسرة "الحلواني".

بوابة الحلواني

المسلسل هو واحد من أهم الأعمال الدرامية، التي أرَخت لمصر منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر وحتى بداية القرن العشرين، وهو من أضخم الإنتاجات الدرامية لقطاع الإنتاج بالتليفزيون المصري، كما أنه أول عمل يتم تصويره داخل قصر عابدين، بعدما وافقت إدارة القصور برئاسة الجمهورية على السماح لأسرة "بوابة الحلواني"  بالتصوير داخل القصر باعتباره المكان الحقيقي الذي حكم الخديو إسماعيل منه مصر في الفترة من 1863 حتى 1879، وهي الفترة التي تتناولها أحداث المسلسل.

تتر المسلسل أيضًا يبقى علامة فارقة في تاريخ كل من أبدعوه، فعلى أنغام موسيقية مست أرواحنا جميعًا، عزّفها الرائع العبقري بليغ حمدي في آخر لحن له، مقام بياتي، وكأنه كان يعرف أنه سيكون لحنه الأخير، قام فيه بجردة حساب وملخص فني لتجربته، ليختصر في هذا اللحن الشجي كل بصماته وعلاماته اللحنية المسجلة.. بصوت العذب الأصيل علي الحجار بطل المسلسل.. ومن كلمات عمنا سيد حجاب الذي أبدع نصا شديد الجمال لا زلنا وسنظل نتغنى به:

بندق ندق بوابة الحياة بالإيدين قومي

قومي قومي افتحي لولادك الطيبين قومي قومي

اللى بنى بنى مصر كان في الأصل حلواني

وعشان كده مصر يا ولاد مصر ياولاد حلوة الحلوات

بحلم يا صاحبي وأنا وأنا لسه بأحبي

بدنيا تانية ومصر جنة

وأجي أحقق الحلم

ألقى الموج عالي عالي عالي عالي

طاح بي

ونعود سوا نطوي الأنين بالحنين

وعشان كده مصر يا ولاد حلوة الحلوات

بوابة الحلواني2

الكاتب يتحدث

وعن رائعته؛ كتب محفوظ عبد الرحمن على صفحات "الأهرام" قبل عامين من رحيله في 19 أغسطس 2017، يقول: "سألوني مرات عن هوايا بقناة السويس، ولم أجد إجابة، فالقناة تكاد توازي تاريخ مصر منذ بداية 1866، وقادني هوايا قبل (ناصر 56) إلى (بوابة الحلواني)، وكان هدفي إنني كنت أريد أن أكتب كيف كانت الحياة اليومية في قناة السويس (1866 ـ 1876) والتي مات فيها نحو مائة وعشرين ألف مصري لأسباب عديدة في حفر هذه القناة، إذ لم تكن هناك أية رعاية إنسانية ولا طبية، فدفعنا ثمنًا غاليًا في قناة استولت عليها الدول الكبرى من البداية حتى أممها جمال عبد الناصر، وأعادها بين أيدي المصريين".

يُضيف: "كان هدفي رغبتي في أن أُذكر بالثمن الذي دفعه المصريون، ولما لم أجد الوثائق التي كنت قد رأيتها بنفسي اختصرت المشروع كله في مسلسل من 24 حلقة، وفوجئ التليفزيون، وفوجئت معه، بالنجاح الكبير والاستقبال الثقافي، وبدا الإلحاح من الندوات لكتابة أجزاء أخرى، وهو ما حدث، وكان رفيقي في الإخراج إبراهيم الصحن بثقافته وهدوئه وموهبته".

الكواليس

وعن كواليس الكتابة، تحدثت زوجته الفنانة سميرة عبد العزيز لـ"الدستور"، وقالت: "البوابة كان أول مسلسل كتبه محفوظ عبد الرحمن بعد زواجنا، كان يعمل بعد تخرجه في دار الوثائق وفي يوم وهو في طريقه للمنزل بعد انتهاء العمل وقع على رأسه ملف كبير، جلس على الأرض يجمع أوراقه فإذا به ‏وثائق قناة السويس، تحسر على كم الدماء من أجل هذه القناة، وكان الإنجليز لا يزالون مسيطرين عليها، بعد عدة سنوات أمم ناصر القناة، وقتها هتف محفوظ: (عبد الناصر بنى ‏هرم رابع لمصر)، وقرر أن ينفذ فكرته".

تتابع الفنانة القديرة: "كنا في زيارة لمدينة بورسعيد، أخذني زوجي لنتنزه أمام بحيرة القناة، وأخبرني عن كم الجهود والتضحيات التي بُذلت من أجل أن تخرج بهذا الشكل، وانفعل حين تذكر أن الإنجليز كادوا يستولون عليها لولا تأميم ‏‏عبد الناصر، وأفصح لي عن رغبته في كتابة شيء عنها.. سميرة أنا هقعد في لوكاندا هنا وأكتب حاجة عن القناة.. قالها لي، فعرضت عليه أن نشتري شقة في بورسعيد حتى أستطيع أن آتي إليه من وقت لآخر، وقد كان، وجلس فيها حتى أنهى الجزء الأول من (بوابة الحلواني)".

وبالفعل.. كان لمحفوظ عبد الرحمن ما أراد، وتبقى أعماله، دفتر أحوال للوطن في حقب زمنية مختلفة.