loading...

مقالات

التحرش أسلوب حياة

التحرش أسلوب حياة


لا شك عندى أن مصر هى الجحيم لأى أنثى تضطر إلى الخروج من بيتها ليلا أونهارا. هل لدى أحدكم أى شك فى هذا؟ التحرش ظاهرة متعددة الأبعاد لا يصنعها فقط غياب الأخلاق كما يزعم من يفسرون أسبابها بسطحية، وبأنها تحدث كنتيجة لابتعاد المجتمع عن الدين. فالمجتمعات الغربية تبتعد تماما عن الدين، ولكن سطوة القانون واحترامه على مستوى السلطة والفرد تحد من ظاهرة التحرش لديهم، وتهبط بها إلى أدنى معدلاتها. تتعدد التفسيرات على وسائط التواصل الاجتماعى أمام متابعى حوادث التحرش. فهناك من يتبنى بلا ذرة من خجل فكرة إدانة الضحية، ويمنح المتحرش بالأنثى مبررا لتطاوله باللفظ أو باليد باعتبار أن ثيابها الكاشفة أو الضيقة أغوته وأثارت غرائزه، وهو الأمر الذى يحول الإنسان إلى حيوان تقوده شهوته الجنسية. 
ذلك التفسير المخجل يتجاهل تماما أن المحجبات والمنتقبات يتعرضن للتحرش، ولا تنقذهن ملابسهن الفضفاضة، ولا ابتعادهن المعلن عن الغواية من الوقوع كفرائس للمتحرشين. 
هؤلاء هم أتباع مدرسة اللحم المكشوف التى تعتبر المرأة قطعة لحم، وتعتبر الرجل ذبابة تقف عليها. وهو منطق فاسد يهين الضحية قبل أن يهين المجرم، لأن المرأة تظل مجرد قطعة لحم حتى لو تغطت، ويظل الرجل ذبابة حتى لو لم يجد ما يعف عليه.  

فى الأسبوع الماضى، وقع حادث كاشف أظهر عمق أزمة المجتمع المصرى فيما يتعلق بالتحرش. أتحدث بالطبع عن فيديو الشاب الذى هبط من سيارته متجها بثقة نحو فتاة ليطلب منها أن تتناول القهوة معه فى مكان قريب، فلما رفضت اعتذر وابتعد. 
انقسم المجتمع بعدها إلى فريقين مختلطين، كلاهما يحوى ذكورا وإناثا. 
الأول يرى أن مجرد التوجه بذلك الطلب من ذكر إلى أنثى لا يعرفها، ولم تجمعه بها ظروف طبيعية تسمح بالتعارف بينهما، حتى ولو تم بمنتهى التهذيب، فلا يمكن تفسيره إلا بالتحرش، وأن الدافع على تصرفه هذا لا يمكن إلا أن يكون جنسيا. 
أما الطرف الثانى فيمجد ما فعله ذلك الشاب، ويجعل منه أنموذجا يحتذى، ويرى أن طلبه المهذب وابتعاده الهادئ بعد ذلك، منحاه حقا مشروعا فى محاولة التعرف عليها، خاصة أن سلوكه لم يحمل أى إجبار أو تهديد لها. 
فى واقع الأمر هذا الانقسام سببه، من وجهة نظرى، الفهم الخاطئ للتحرش من الفريق الثانى، والذى يقصره على محاولة الحصول على مكاسب جنسية بصورة مفاجئة من الضحية باستخدام العنف، لفظيا كان أم بدنيا، وهو الأمر الذى يتجاهل تماما فكرة اقتحام المجال الخاص لإنسان آخر حتى ولو تم ذلك بصورة هادئة. التحرش اللفظى يقع عندما تطلب من فتاة لا تعرفها أن تمنحك قبلة باستخدام عبارة تحمل شكلا مهذبا مثل "تسمحى أبوس حضرتك؟" بنفس القدر الذى يقع به عندما تشخط فيها "ما تجيبى بوسة يا بت؟". فى بلاد الغرب المتحضر تعتبر متحرشا عندما تطلب من أنثى لا تعرفها أن تتناول معك مشروبا، ويختلف الأمر تماما لو كنتما قد تبادلتما الابتسامات قبل ذلك الطلب لسبب أو لآخر، وهو الأمر الذى يعنى أن هناك قبولا متبادلا من نوع ما سمح لك بالبدء فى اتخاذ خطوة نحو التعارف. لكن أن تهبط من سيارتك "من الباب للطاق" لتطلب من كائن لا تعرفه أن يشاركك فى شىء ما فهذا تحرش واقتحام للمجال الخاص حتى ولو كان مهذبا.

التحرش بالمناسبة أسلوب حياة، والأنظمة التى تتحرش بمواطنيها بالقوانين سيئة السمعة، وتسلبهم حقوقهم الدستورية وتستقوى عليهم بدلا من حمايتهم، ليس عجيبا أن يتحرش مواطنوها ببعضهم وبعض ويتنمرون فيما بينهم للفوز بغنائم لا يستحقونها. النظام والمجتمع لا ينفصلان. المجتمعات لا تكون سوية إلا عندما تحكمها أنظمة سوية.