loading...

مقالات

كسر رأس المال الوهمي

كسر رأس المال الوهمي


عاد صديقنا الاقتصادي من زيارته الطويلة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حلَّ ضيفًا على مجلسنا الشهري المعتاد، تشابكت الحوارات، التي انطلقت من العلاقة بين السياسة والاقتصاد..

لم تعد السياسة هي التي تدير الاقتصاد، إنما أصبح الاقتصاد هو الذي يدير السياسة، بل حركة العالم في كل مساراتها.. ثمة سؤال كبير واسع.. لكن الإجابة عنه بسيطة جدًا، وبدلا من الدخول في المصطلحات والتعقيدات واللغة الرقمية الصعبة، فإن الرجل يضرب هذا المثل، ويسرد هذه الصورة.. أما السؤال فهو كيف تدير الولايات المتحدة الأمريكية اقتصاديات العالم؟ وأما الجواب ففي هذه الدائرة:

في قرية صغيرة.. وفقيرة.. الجميع غارق في الديون، ويعيش على الاقتراض. فجأةً يأتي رجل سائح غنيُّ إلى المدينة، ويدخل الفندق، ويضع مائة دولار على كاونتر الاستقبال، ويذهب لتفقد الغرف في الطابق العلوي من أجل اختيار غرفة مناسبة. في هذه الأثناء يستغل مالك الفندق الفرصة، ويأخذ المائة دولار، ويذهب مسرعًا إلى الجزار ليدفع دينه. الجزار يفرح بهذه الدولارات، ويسرع بها لتاجر الماشية ليدفع باقي مستحقاته عليه. تاجر الماشية بدوره يأخذ المائة دولار، ويذهب بها إلى تاجر العلف لتسديد دينه. تاجر العلف يذهب لسائق الشاحنة الذي أحضر العلف من بلدة بعيدة لتسديد ما عليه من مستحقات متأخرة. سائق الشاحنة يركض مسرعًا لفندق المدينة، الذي يستأجر منه غرفة بالدين عند حضوره لتسليم العلف ليرتاح من عناء السفر، ويعطي لمالك الفندق المائة دولار لتسديد ديونه. مالك الفندق يعود ويضع المائة دولار مرة أخرى مكانها على (الكاونتر) قبل نزول السائح الثري من جولته التفقدية. ينزل السائح، الذي لم يعجبه مستوى الغرف، ويقرر أخذ المائة دولار، ويرحل عن المدينة! ولا أحد من سكان المدينة كسب أي شيء إلا أنهم سددوا جميع ديونهم.

هكذا تدير الولايات المتحدة الأمريكية اقتصاديات العالم، وهو ما يدحض مقولة رأس المال الوهمي كما سماه (كارل ماركس). ثمة أفكار كثيرة انقرضت أو يفترض أنها انقرضت بحكم قانون  التطور والصيرورة.. رغم أن الكثيرين لا يزالون واقفين عنها ويتعاملون بها.

أخرجنا صديقنا المتوهج من الدائرة الثلجية الضيقة، التي ندور فيها حول هموم وعذابات الحياة اليومية التي تستنزفنا وتستغرقنا وتستهلكنا أكثر مما ينبغي منذ سنوات.. وكأننا استعذبناها، ولا نفكر في الخروج منها وصهر أو كسر أطرها الحديدية، ضمن عشرات الظواهر اللا مفكر فيها. لكنه بقدر ما أخرجنا فقد أدخلنا في دائرة غريبة، تبدو للتمني أقرب، فقد حمل بين يديه كتابًا عنوانه مثير، بل  يشير إلى الغواية.. إذ يبشر بموت وانتهاء الغرب (موت الغرب) للمؤلف الأمريكي باتريك جيه بوكانن، الذي ينبه إلى أن الموت الذي يلوح في أفق الغرب هو في الواقع موتان: موت أخلاقي بسبب السقوط الأخلاقي، الذي ألغى كل القيم التربوية والأسرية والأخلاقية التقليدية. وموت ديموغرافي وبيولوجي (النقص السكاني بالموت الطبيعي).

الأرقام والحقائق التي يضمها تبعد الكتاب عن مجرد التخمينات أوالتوقعات أو الاحتمالات، إنما هي حقيقة واقعة، وسوف تصدمك لشدة وضوحها، خاصة عندما تبدأ الأرقام بالحديث..

وهو ما نلتقي معه في المقال القادم....