loading...

مقالات

نظريات حول الدولة: الحقيقة التاريخية والمعاصرة (2/7)

نظريات حول الدولة: الحقيقة التاريخية والمعاصرة (2/7)


يمكن القول إذن إن بعض نماذج الدولة وسلطاتها وأجهزتها تتطور تاريخيا حتى فى ظل نموذج الدولة/ الأمة، التى اعتراها التطور على عديد الصعد المفاهيمية والمؤسسية مع تطور الرأسمالية الغربية فى كل مراحلها التاريخية. وترتيبًا على ذلك أثرت -ولا تزال- التطورات العولمية الجديدة -والشرط ما بعد الحداثى وفق چان فرنسوا ليوتار- على غالب أشكال التنظيمات الاجتماعية، والظواهر والعمليات السياسية، وكذلك على الدولة، وذلك فى ظل السياقات العولمية المتغيرة وأزماتها الكبرى. التفكير مجددًا حول الدولة وأدوارها يعود بين الحين والآخر، لدى بعضهم من السياسيين والأكاديميين فى بعض الدوائر العولمية أو الوطنية والإقليمية فى ظل تحولات كبرى وأزمات اقتصادية ومالية بنائية مختلفة مست الاقتصاد الرأسمالى العولمى والمعولم. ويبدو الأمر أكثر أهمية فى الجدل الذى ثار ولا يزال فى ظل التحولات العولمية، لدى بعض الصفوات السياسية والمثقفين والباحثين فى بعض الشعوب التى عرفت تاريخيًا ظاهرة الدولة وأجهزتها وأدوارها فى مجالات السلطة والتنظيم.. إلخ. من هذه الدول مصر، والصين، واليابان، والهند. من هنا شكل الجدال حول بناء الدولة/ الأمة، وما بعدها، جزءًا من قوائم الجدال والحوار العام، ولا سيما فى أعقاب التحولات العولمية الجديدة، وهيمنة منطق وقانون الأسواق وسيادة الرأسمالية الغربية فى مراحلها العولمية.

هذا الجدل النظرى والسياسى والإيديولوجى -والدينى من قبل بعض منظرى وقادة الجماعات الإسلامية السياسية- هو تعبير عن محورية الدولة فى الحياة والتاريخ.

من هنا، الدولة تمثل إحدى الحقائق التاريخية المستمرة، ومن ثم يبدو صحيحا ما ذهب إليه عبد الله العروى وبحق. أن "كل منا يكتشف الدولة قبل أن يكتشف الحرية، أو بعبارة أدق، تجربة الحرية تحمل فى طياتها تجربة الدولة، لأن الدولة هى الوجه الموضوعى القائم، فى حين أن الحرية تتطلع إلى شيء غير محقق". وحيث يذهب أيضاً إلى القول "ماذا تعنى التربية إذا لم تعن سلطة الأب أو الأم أو الحاكم أو الخالق؟".

"ماذا تعنى الحرية إذا لم تعن نقيض المعاناة المذكورة، أى الوعى بحدود موضوعة على التصرف؟" ويجيب أن "من عانى السلطة، أى سلطة، يسمع فى نهاية المطاف كلمة دولة التى تتجمع فيها ينابيع جميع السلطات". ([1])

لماذا تطرح مجددا مسألة الدولة -تاريخًا وتنظيرًا وتفكيرًا- وتقاليدها والثقافة السياسية حولها عمومًا، والدولة المصرية الحديثة على وجه الخصوص؟

ثمة عديد من الأسباب ومنها تمثيلاً لا حصرا ما يلى:

1- شيوع اختلاطات نظرية ومفاهيمية بين مفهوم ومعانى الدولة، وبين السلطة السياسية الحاكمة والنظام والدولة، وبين السلطة التنفيذية، والدولة، وبينها وبين الحكومة فى مصر وبين من يشغل منصب رئيس الجمهورية فى ظل الدساتير الجمهورية التسلطية -بعد 23 يوليو 1952- وبين الدولة، ولا سيما فى وعى غالب الجمهور، وبينهم بعض ممن يعملون وينشطون فى أطر حزبية حكومية ومعارضة، ولدى بعض نشطاء القوى المحجوبة عن الشرعية القانونية، والمنظمات الأهلية الحقوقية الدفاعية.

2- تشوش الوعى شبه الجمعى، ولدى بعض الصفوة الحاكمة بين الدولة، وأجهزة الدولة الأمنية التى يناط بها -ضمن أخرى- احتكار القمع المشروع فى إطار سيادة القانون.

3- أن بعض منظرى وكتاب وقادة بعض الجماعات الإسلامية السياسية، وعلى رأسهم جماعة الإخوان المسلمين، وحزب الوسط -تحت التأسيس- وغيرهم يخلطون بين مفاهيم الدولة والسلطة والنظام السياسى، وبين الدين عموما والإسلام على وجه التحديد. وثمة قلة يمكن استثناؤها بين هؤلاء وأولئك يميزون بين الدولة، وبين سلطاتها وأجهزتها، وبين السلطة السياسية وغيرها من المفاهيم ذات الصلة.

يمكن أيضًا ملاحظة هذا الخلط شائعًا بين بعض رجال الدين من الأقباط الأرثوذكس، وغيرهم من الكاثوليك والبروتستانت، الذين تغيم لديهم الرؤية النظرية حول الدولة ويربطون بينها، وبين السلطة التنفيذية -الحكومة ورئيس الجمهورية وأجهزة الأمن- وكأنها هى الدولة لدى بعضهم، أو اختصارها فى الوعى شبه الجمعى فى الحكومة وأجهزتها -ولا سيما الأمنية- لدى غالب الجمهور وآحاد الناس. 

4- أن بعض رجال الأكليروس الأرثوذكس، يذهبون فى مجال تسويغ بعض مطالباتهم الدينية -ذات النزوع التأويلى- إلى القول إن الدولة المصرية الحديثة والمعاصرة -وخاصة فى ظل دستور 1971 وتعديلاته على اختلافها لثلاث مرات- هى دولة مدنية بمرجعية دينية. هذا التوصيف ذو المرامى الدينية - السياسية، يحاول إضفاء الطابع الدينى الإسلامى على الدستور والدولة، بهدف الإشارة إلى أننا إزاء دولة تدعم الدين الإسلامى الذى يمثل مرجعية لها، ومن ثم يتعين عليها حماية حقوق المسيحيين بوصفهم "أقلية" والكنيسة القبطية الأرثوذكسية، واعتبارهم كأساقفة ومطارنة وعلى رأسهم البابا البطريرك ممثلين لها وللأقباط أمام الدولة وسلطاتها وأجهزتها ([2]).

فى هذا الإطار. ثمة إشارات لدى بعض قادة الكنيسة للجوء إلى الشريعة الإسلامية، وذلك بهدف تبرير وتسويغ مطالبهم برفض تطبيق الأحكام القضائية التى طبقت لائحة يوليو 1938 الخاصة بالأحوال الشخصية للأقباط الأرثوذكس، ولا سيما فى مجال تحديد أسباب التطليق. هذا المسعى يرمى إلى تأكيد الهيمنة الرمزية والتمثيلية للبطريرك وكبار الأساقفة والآباء الكهنة على شئون الأقباط الأرثوذكس، ولا سيما فى مجال قانون الأسرة، خاصة فى مجال التطليق، ورفض الأسباب الواردة باللائحة وذلك إعمالًا لقاعدة لا طلاق إلا لعلة الزنا. وترتب على هذا الموقف الرافض للائحة فى هذا الصدد -منذ وصول شنودة الثالث إلى موقع البابا البطريرك- عدم تنفيذ الكنيسة للأحكام القضائية النهائية التى قضت بالتطليق، ورفض إعطاء التصريح الكنسى بالزواج للمرة الثانية لمن صدرت لصالحهم أحكام نهائية ([3]). إن حالة الكنيسة ضد قانون الدولة، تشير إلى تضاغط سياسى/ دينى من قبل بعض الأطراف الكنسية فى مواجهة الدولة وسلطاتها التشريعية والقضائية. ويعتمد موقف السلطة الكنسية على التعبئة الدينية ذات المرامى السياسية لغالب الأقباط.

لا شك أن هذا التوجه إزاء الدولة بات يشكل ظاهرة، ومن ثم سعى لإضعافها -بوعى أو لا وعى لدى بعضهم- فى بعض المجالات، ولا سيما مجال السيطرة على نظام الأسرة وفق المعايير الدينية واللاهوتية. حينا يذهب بعض هؤلاء إلى اعتبار الدولة هى محور التغيير السياسى والقانونى والاجتماعى، خاصة فى مجال تطبيق مبادئ الدولة الحديثة حول المساواة والمواطنة بين المواطنين بلا تمييز. وفى أحيان أخرى يحدث لدى بعضهم خلط بين الدولة ورئيس الجمهورية وأجهزة الأمن لدى بعض قادة الأكليروس فى خطابهم المطلبى/ الدينى/ السياسى/ الاجتماعى حول حقوق الأقباط كمواطنين.

المراجع

([1]) انظر فى هذا الصدد، عبد الله العروى، مفهوم الدولة، ص 5، الطبعة الثانية 1983، الناشر، دار التنوير/ بيروت - لبنان، والمركز الثقافى العربى/ الدار البيضاء - المغرب.

([2]) يلاحظ أن بعض الأساقفة ورجال الأكليروس، ومعهم بعض "نشطاء أقباط المهجر" -لا كلهم- وبعض النشطاء الحقوقيين المسيحيين يسعون نحو تسييد مصطلح الأقباط كأقلية دينية، وذلك كمدخل للمطالبة بنظام الحصة الدينى quota فى تشكيل المؤسسات السياسية، وفى الوظائف العامة. لا شك أن هذا المسعى السياسى يرمى إلى مخاطبة بعض الدوائر القبطية والمنظمات الحقوقية العولمية المعنية بحقوق الأقليات الدينية، وحريات التدين والاعتقاد على تعددها، ومن ثم تشكيل قوة ضغط داعمة وراء هذا المسعى. هذا الاتجاه ينمو داخل الوسط القبطى، ولا سيما بين الأجيال الجديدة، التى نشأت فى بيئة العنف والتشدد الدينى الإسلامى، وفى نطاق عمليات التحول نحو "الطائفية" فى بعض الممارسات الاجتماعية. ويلاحظ أيضًا أن بعض المثقفين الأقباط لا يزالون يرفضون مفهوم الأقلية الدينية -أو لا يصرحون بذلك- ويأخذون بمنظومة مفاهيمية تدور حول المواطنة، وما تستند إليه من مبادئ دستورية وقانونية وسياسية وثقافية، وما يتفرع عنها من حقوق، ومن ثم واجبات. ويذهب بعض هؤلاء، وهم قلة، إلى الأخذ بمفهوم الأمة المصرية الحديثة. يبدو أن هذا الجدل الشائع بين بعض مثقفى ونشطاء الأقباط تعبير عن نمو التيار الحقوقى الحركى عموماً والمسيحى خصوصًا، ولا شك أن مفهوم الأقلية الدينية، الذى يحاول بعضهم وفقاً له توصيف الحالة المسيحية المصرية والأرثوذكسية تحديدًا، يكرس مسألة انقسام الهرم الاجتماعى المصرى رأسيًا على أساس المعيار الدينى والمذهبى بين المصريين، وذلك على حساب الانتماءات الأكثر تركيبًا على أساس سياسى واجتماعى وثقافى، بكل انعكاسات ذلك السلبية على بقايا مواريث التكامل والاندماج القومى. ثمة أثر سلبى لمدخل الأقلية الدينية فى الخطاب المطلبى/ الدينى المسيحى فى دعم وتسويغ دور الأكليروس فى المجال العام والسياسى تحديدًا، ولا سيما فى ظل ضعف المؤسسات السياسية، ووهن بعض أجهزة الدولة، وهيمنة الثقافة الدينية التمييزية بين المصريين المسلمين والأقباط من أطراف متعددة وانتشار خطابات الغلو والتعصب الدينى بين بعض رجال الدين وغيرهم على الجانبين.

([3]) انظر فى هذا الصدد: البابا شنودة الثالث، شريعة "الزوجة الواحدة" فى المسيحية، وأهم مبادئنا فى الأحوال الشخصية، الطبعة الثالثة عشرة، الناشر: الأنبا رويس بالعباسية/ القاهرة، يونيو 2009.

وانظر وجهة نظر بروتستانتية مصرية، في: القس فايز فارس، زواج وطلاق المسيحيين فى مصر بين النظرة المتزمتة وروح الغفران المسيحى، الطبعة الأولى، القاهرة، الناشر دار الثقافة 2008. وانظر أيضًا: القس عبد المسيح أسطفانوس، المسيحية والزوجة الواحدة، الطبعة الأولى، القاهرة، الناشر دار الثقافة 2000. ويلاحظ تزايد الجدل حول مسألة تأويل النص الدينى المقدس بين مدرسة التفسير الحرفى لظاهر النصوص، وبين رؤية أخرى ترى أن التفسير عمل بشرى، ولا بد من مراعاة أن الغفران جزء لا يتجزأ من المسيحية حتى فى حالة اقتراف الزنا والإقرار به. ويذهب د. سمير تناغو إلى أن "الكنيسة جزء من الدولة. ولا يوجد أى تداخل بين وظيفة كل منهما. فالدولة تختص دون غيرها بوضع القانون وتطبيقه، ولا تتنازل عن اختصاصها القانونى، حتى ولو فوضت الكنيسة فى وضع القواعد الموضوعية التى تحكم زواج المسيحيين وطلاقهم. فستظل هذه القواعد صادرة عن إرادة الدولة، حتى ولو وضعتها الكنيسة بناء على تفويض من الدولة. وسيظل هذا التوفيق مشروطا بأن يتم فى حدود ما تراه الدولة محققا للخير العام لمواطنيها المسيحيين. ومن ناحية أخرى فإن الكنيسة تختص دون غيرها بالرعاية الروحية لأبنائها، وإرشادهم إلى فضائل دينهم، خاصة ما يتعلق منها بالزواج. وهى لا تقوم بأى عمل تشريعى حتى ولو فوضتها الدولة وليست إرادة الكنيسة. انظر فى ذلك دراسته "القضايا القانونية المعلقة بين الدولة والكنيسة"، ص 1 من النسخة الضوئية غير المنشورة. أيا ما كان الأمر يشير هذا الجدل على محدوديته بين قلة من الثقات إلى شيوع التفسير الحرفى للنصوص، وفى ذات المستوى يشير غالب ما يطرحه بعض رجال الدين الأرثوذكس ومن والاهم من بعض العلمانيين إلى أن الاتجاه الحرفى والنصوصى هو المسيطر، ومن ثم هو تعبير عن البنية الدينية المحافظة التى تميل إلى التشدد فى التفسيرات والأحكام الدينية الفقهية واللاهوتية فى المجتمع، لا سيما فى المراحل التاريخية التى يتراكم فيها الجمود السياسى، والأحرى اعتقال السياسة لصالح السلطة الحاكمة، وهو الأمر الذى ساهم فى توظيف الدين والمذهب وسلطاته ورجاله فى المجال العام السياسى، بديلا عن دورهم فى المجال الدينى والاجتماعى الخدمى والرعوى. نحن إزاء ظاهرة عامة تشمل غالب الأطراف والفاعلين الدينيين -فى مجال التعليم والدعوة والفقه واللاهوت- فى مصر، حيث الميل إلى إعادة إنتاج بعض الإنتاج الدينى الفقهى الوضعى/ النقلى، أو التفسيرات الحرفية للنصوص.