loading...

أخبار مصر

ما الذي يدفع الآباء للتخلص من أبنائهم؟ الطب النفسي يجيب

تعذيب الأطفال تعبيرية

تعذيب الأطفال تعبيرية



خلال الأيام الماضية حدثت عدة جرائم جديدة على المجتمع المصري، تقشعر لها الأبدان وتنفطر عليها القلوب، جميع ضحاياها أطفال أبرياء ليس لهم أي ذنب غير أن آباءهم وأمهاتهم فقدوا مشاعر الإنسانية، وارتكبوا جرائم لا يفعلها أى إنسان عاقل، آخرهم من ألقى أبناءه فى النيل، عندما تحركت قرية ميت سلسيل بمحافظة الدقهلية بالكامل تبحث عن طفلين شقيقين اختفيا في ظرف غامض، حتى كشفت التحريات فى النهاية أن القاتل والدهما، الأمر الذى يطرح تساؤلا حول الأسباب التى تدفع هؤلاء الآباء والأمهات للتخلص من فلذات أكبادهم.

وفى التقرير التالي يرصد «التحرير» أبرز تلك الوقائع خلال الأيام الماضية:

«طفلا الدقهلية»

كانت البداية عندما تلقى مركز شرطة ميت سلسيل بمحافظة الدقهلية بلاغا من شخص يدعي «م.ن» قال إنه فيي أثناء وجوده بأحد الملاهي برفقة نجليه «ريان ومحمد»، فوجئ باختفائهما، وبعد العثور على جثتي الطفلين بنهر النيل بمدينة فارسكور بدمياط، ومن خلال التحريات تبين لفريق البحث أن والد الطفلين هو القاتل وبعد مواجهته اعترف تفصيليا باصطحاب طفليه صباح يوم العيد بسيارته وتوجه لزيارة أحد أقاربه وعقب ذلك اصطحبهما لمدينة الملاهي لاختلاق واقعة اختفائهما ثم اصطحبهما بسيارته وتوجه بهما إلى أعلى كوبرى فارسكور وقام بإلقائهما بنهر النيل، وأخبر زوجته هاتفيا بأنه فقد الطفلين بالملاهي، ثم عاد مرة أخرى إلى الملاهي وطلب من أحد أصدقائه الاتصال بشرطة النجدة والإبلاغ عن فقد الطفلين.

«أطفال المنيا»

نجا طفل رضيع وغرق شقيقه الأكبر، وذلك بعدما ألقتهما والدتهما وتدعى «أ.ص.ع» داخل ترعة البحر اليوسفي بعزبة الشيخ عيسى، التابعة لقرية صفط الخمار بمركز المنيا، بسبب خلافات مع زوجها، ومن خلال التحريات تبين لفريق البحث أن هناك خلافات عائلية بينها وبين زوجها، وأنها دائمة الشكوى من معاملته السيئة، لأنه يرفض ذهابها لزيارة أسرتها.

«مذبحة بولاق»

قتل زوجته وابنته في القضية الشهيرة إعلاميا بـ«مذبحة بولاق الدكرور»، والتي حدثت في منزل وزير القوى العاملة السابق كمال أبو عيطة، بالتزامن مع مباراة مصر وروسيا في كأس العالم.

وأثبتت التحريات أن القاتل هو الأب وأقر المتهم، نجل الفنان المرسي أبو العباس، بالجريمة كاملة أمام النيابة العامة، والذي أكد أنه في الفترة الأخيرة كان يعاني من ضغوط الحياة بشكل كبير، وأنه أخبر زوجته قبل الحادث بنحو 4 أيام بنيته للإقدام على الانتحار والتخلص من حياته إلا أنها أثنته عن تلك الفكرة وأخبرته بأن حالهم ميسور وهم أفضل من كثيرين، مشيرًا إلى أنه حاول إقناع نفسه بكلام زوجته إلا أن خسارته في البورصة مبالغ مالية كبيرة جعلته يفقد عقله، وأنه يحاول الهروب من هاجس الفقر والضياع لأولاده، وعلى أثرها قتل زوجته وذبح نجليه، وذهب إلى غرفة نومه ومكث ساعة فيها، وذهب بعد ذلك لسماع مباراة مصر وروسيا.

«طفلة العامرية»

تلقى قسم ثانى العمرية بلاغًا بالعثور على جثة طفلة معلقة بشال من رقبتها بمنزل أسرتها في منطقة نجع رحيم التابعة لدائرة القسم، ومن خلال التحريات تبين أن مرتكبة الجريمة هي والدة الطفة تدعى «ن.ن.ع»، وتم القبض عليها، وبمواجهتها اعترفت بأنها لم تكن تنوي قتل طفلتها وإنما انتابتها حالة من عدم الإدراك لدقائق جعلتها تلف شالا خاصا بزوجها حول رقبة ابنتها، مضيفة: «كنت متضايقة شوية».

وأشارت إلى أنها ذهبت إلى أحد أقاربها عقب الجريمة، ولدى عودتها افتعلت اكتشافها الجريمة وصرخت حتى حضر الجيران، فضلًا عن زوجها الذي حضر مسرعًا وأنزل الطفلة من وضعها المشار إليه وتركها على حالها حتى حضرت جهات التحقيق.

«أب يقتل نجله بالبدرشين»

فى البدرشين بمحافظة الجيزة اعترف «ع.م» بقتل نجله بقرية المرازيق بالبدرشين جنوب الجيزة، ودفن جثته أسفل مصطبة أقامها بالشقة التى يقطن بداخلها، نتيجة لسوء سلوكه.

وقال المتهم فى تحقيقات النيابة، إن نجله تعرف على مجموعة من أصدقاء السوء، الذين تسببوا فى فساد أخلاقه، وبدأ فى التشاجر معه، ومع والدته وأشقائه، واعتاد سرقة متعلقاتهم الشخصية من المنزل وبيعها لشراء المواد المخدرة، فحاولت أكثر من مرة تهذيب سلوكه وانتشاله من مستنقع الضياع الذى سقط فيه إلا أنه لا جدوى، مضيفًا: 
«جراء المشكلات المتعددة التى سببها نجلى لم أتمالك نفسى فاعتديت عليه بالضرب وقيدته بسلاسل حديدية وقيدت قدميه فى شباك غرفة النوم، وانهلت عليه ضربًا، خاصة بعدما تعدى على والدته وتسبب فى كسر قدمها، وأمام مواجهته لى سددت له ضربة نافذة بآلة حادة على رأسه فسقط قتيلا فى الحال، فحفرت حفرة داخل المنزل ودفنت جثته».

الضغوط الاجتماعية والاقتصادية تؤدي إلى ارتفاع معدل الجريمة والانتحار

من جانبه يقول الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع بالجامعة الأمريكية، إن الضغوط الاجتماعية والاقتصادية على المواطنين تعد أحد الأسباب التى تدفع هؤلاء الأشخاص إلى قتل فلذات أكبادهم، لافتًا إلى أن ارتفاع الأسعار خلال الفترة الماضية بشكل كبير من المتوقع أن يؤدي إلى ارتفاع معدل الجريمة والانتحار، وذلك نتيجة الاكتئاب الذى يصيب هؤلاء الأشخاص بسبب عدم قدرته على مواجهة تلك الضغوط.

وأضاف صادق، فى تصريح لـ«التحرير» أن المجتمع المصري ذكوري بطبعه، والرجل فى الغالب هو الذى يتحمل مسئولية الأسرة كاملة، وفى تلك الظروف الصعبة يكون عاجزا عن إيجاد حلول للمشكلات التى تواجهه، ويكون أمامه طريقتان لحل تلك الأزمة، وهما إما أن يسرق أو ينتحر.

وتابع: «فكرة الانتحار تجعله يخاف على أولاده من بعده، ومن وجهة نظره أن أفضل حل للمحافظة على أسرته أن يأخذ أولاده معه بعيدا عن هذه الحياه الصعبة فيقتلهم جميعا، وهذا يسمى فى العلم إبادة عائلية».

وأوضح أستاذ علم الاجتماع بالجامعة الأمريكية، أنه كلما زادت الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية سوءًا ستزيد معها هذه الجرائم، مشيرًا إلى أن المخدرات تجعل صاحبها يقتل نفسه فقط ولا يقتل من حوله، بينما الظروف الاجتماعية والأمن المجتمعى من أهم العوامل لاستقرار المجتمع.

الانفلات الأخلاقي أحد أسباب زيادة معدل الجريمة داخل الأسرة

بينما قال الدكتور محمد هاني، استشاري الطب النفسي، إن بعض أولياء الأمور أصبحوا غير قادرين على تحمل المسئولية تجاه أولادهم، ولا يستطيعون تربيتهم بشكل صحيح بعيدا عن الضغوط التى يتعرضون لها فى الحياه، مشيرًا إلى أنه خلال الفترة الأخيرة أصبح أقرب شيء للتنفيس عن تلك الضغوط يكون فى الأضعف منهم وهم أولادهم، فمنهم من يعاقب أبناءه ويضربهم حتى الموت.

وأضاف هاني، فى تصريح لـ«التحرير» أن الناس أصبحت تعيش فى حالة من الاضطرابات النفسية والعصبية المستمرة نتيجة تلك الضغوط، لذلك عندما يقبل هؤلاء الأشخاص على قتل ذويهم يكونون فى حالة من عدم الإدارك لأى شيء.

وتابع: «الانفلات الأخلاقي فى الفترة الأخيرة ظهر بشكل كبير فى المجتمع المصري، وفقدنا العديد من عاداتنا وتقاليدنا مما أدى لزيادة معدل الجريمة داخل الأسرة، لأن الأب أصبح لا يملك القدرة على تحمل مسئولية أولاده، وبالتالي فهو يفكر أكثر من مرة فى التخلص منهم».

وطالب استشاري الطب النفسي، بضرورة عمل دورات تأهيلية للأسرة لتعليم الأب والأم كيفية مواجهة المشكلات الزوجية والاجتماعية، وكيفية فصل الضغوط الحياتية عن أولاده، لأنهم ليس لهم أي ذنب لتلقي مثل هذه القسوة من أقرب الناس لهم.

واستطرد: «هذه القسوة لو لم تقتلهم ستصنع لهؤلاء الأطفال عقدا نفسية صعبة ستؤثر بشكل كبير في حياتهم المستقبلية، وليس كل أب وأم تزوجا صالحين لإنجاب أطفال».

الاضطراب العقلي يدفع صاحبه للتخلص من نفسه لحماية العالم

وفى نفس السياق قال الدكتور هاشم بحري، أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر، إن الاضطراب العقلي أو الفصام الشديد يمكن أن يؤدي إلى إيذاء أفراد الأسرة، لافتًا إلى أن القدرة على التفكير بالنسبة لمن يعانون من هذه الأمراض تكون منعدمة.

وأضاف بحري، أن الاكتئاب العقلي من الممكن أن يدفع الإنسان إلى التفكير بأنه هو المسؤول عن الكوارث والمشكلات الموجودة في العالم، مما يدفعه إلى ضرورة التخلص من نفسه، ومن نسله لحماية العالم من شروره.