loading...

ثقافة و فن

حكايات نجيب محفوظ مع المقاهي.. مصدر إلهامه

نجيب محفوظ 2

نجيب محفوظ 2



ملخص

يقول في "المجالس المحفوظية": "المقهى لعب دورًا كبيرًا في رواياتي، وفي حياتي، في البداية اتسع لنا الشارع، حتى تجرأنا على المقهى في سن مبكرة".

العلاقة الخاصة بين نجيب محفوظ والمقاهي ليست قائمة على أنها من جذبته إليها بقدر قيامها على أن الأديب الكبير أسهم في صنع كل هذه الجاذبية والخيال حول المقاهي، التي تحوَّلت على يده وأدباء آخرين من مجرد مكان يلتقي فيه إناس لاحتساء الشاي والقهوة وتدخين الشيشة فحسب، إلى أيضًا مقر عقول مدبرة يمكنها تغيير مجرى الحياة السياسية والثقافية في مصر، وارتبط اسم "القهوة" بالشعراء والمثقفين، وكذلك المتمردين على النظام وأهل اليسار والمعارضين للأمر الواقع، والثائرين ومن يريدون تغييره.

كان محفوظ من أبرز الأدباء، الذين ارتبطت أسماؤهم بالمقاهي، وأدمن هذه العادة، منذ كان صغيرًا يرافق والده في الذهاب إلى مقهى "الكلوب المصري"، ليستمر في التنقل، بعد أن كبر، بين الكثير من "القهاوي" محافظًا على تلك العادة حتى شيخوخته، لدرجة أنه لم يذكر أحد أنه زاره في منزله سواء من أصدقائه أو معارفه إلا في سنواته الأخيرة، حينما أقعده المرض، وتحول الجلوس في المقهى من طقس إلى رحلة نابعة من حنينه إلى الماضي وذكرياته حول جلساته مع أصدقائه.

وينقل كتاب "مقاهي نجيب محفوظ في الذاكرة" للتونسي رشيد الذوادي، عن محفوظ، حكاية بداية تعلقه بالمقاهي: "أثناء الدراسة الثانوية ذهبت مع أصدقائي إلى قهوة (قشتمر)، وكنا نتنقل بينها وبين قهوة مقابلة لها اسمها (إيزيس)، ثم تجرأنا بعد ذلك، وجلسنا في قهوة (عرابي)، التي كان يرتادها الكثير من الأكابر في ذلك العصر، ثم نزلنا بعد ذلك إلى الحسين فكانت قهوة (الفيشاوي)، ثم في النهاية تلك القهوة التي سموها باسمي، وقد كانت في الأصل خرابة تابعة لهيئة الآثار، وحولها أحد المهندسين بعد حصولي على نوبل إلى تلك القهوة الأنيقة الموجودة الآن".

ويكشف العالمي سر تعلقه بالمقهى في "المجالس المحفوظية" لـجمال الغيطاني، ويقول: "إنه المكان الذي كنت ألتقي فيه بأصدقائي، وبعد ذلك مكان التقاء المثقفين والأدباء بعد أن اشتغلت بالأدب، وقد أجلس فيه لأتأمل من يمرون في الشارع أمامي، وفي بعض الأحيان المكان الذي كنت أدخن فيه الشيشة، التي لا أستطيع تدخينها في المنزل، كان بإمكاني أن أمكث مع الشيشة يومًا بأكمله.. في الحالة الأولى كان رفيقي في المقهى هم الأصدقاء، وفي الحالة الثانية كان الأدباء، وفي الثالثة كان المارة في الشارع، وفي الرابعة كانت الشيشة، وفي بعض الأحيان كانوا يجتمعون في جلسة واحدة".

كان المقهى عالمه الخاص، الذي استمد منه حكاياته، وبنى عليه رواياته، يقول: "المقهى يلعب دورًا كبيرًا في رواياتي، وقبل ذلك في حياتنا كلنا، لم يكن هنا نوادٍ، المقهى محور الصداقة، في البداية اتسع لنا الشارع، حتى تجرأنا على المقهى، عرفتُ المقهى في سن مبكرة، وأشهر مقهى جلسنا فيه (الفيشاوي) ثم (عرابي) ومقهى (زقاق المدق) و(الفردوس) و(ركس) و(لونا بارك) افتتحناها، كان فيه شيشة مُعتبرة، كنا نشرب الشيشة، ونحتسي بعض كؤوس الويسكي، ونستمع إلى أم كلثوم، آه.. ذكرتني بمقهى (أحمد عبده)، الذي ذكرتُه في الثلاثية، كان (كمال) يلتقي فيه بصديقه (فؤاد الحمزاوي)، هذا المقهى كنت أحبه، الحقيقة أنا من سميته (أحمد عبده)، لا أذكر اسمه الحقيقي".

وفي مقالة قديمة للأديب يوسف القعيد روى حكاياته مع النجيب على المقاهي، التي كان يرتادها، يقول: "رأيت نجيب محفوظ أول ما رأيته في مقهى، وظل المقهى هو المشهد الأساسي، الذي أره فيه، ولم أدخل بيته سوى بعد ظهر يوم الخميس 12 أكتوبر 1988، يوم حصوله على نوبل، ولولا هذا الحدث الجلل ما دخلت بيته أبدًا، كان يعتبره حصنه الحصين وركنه الأمين الذي لم يصل إليه أحد، ومن المؤكد أن أصحاب المقاهي استفادوا من تردده عليها، وكان لكل مقهى فترة، (الفيشاوي) هو المقهى الذي كان يجلس عليه في الفترة، التي عمل فيها موظفًا في وزارة الأوقاف، كان يتسلل من مكتبه خلال أوقات العمل، ويجلس ليدخن الشيشة، ويلمع حذاءه ويقرأ".

نجيب محفوظ مع توفيق الحكيم عام 1982 في مقهى الشانزليزيه

يُكمل القعيد حديثه، ويقول: "أما مقهى (نجيب محفوظ) القريب من شارع المعز لدين الله الفاطمي جرى تأسيسه بعد نوبل، واندهش أن يطلق اسمه عليه دون حتى استئذانه، جلسنا هناك مرة وانصرفنا دون أن ينتبه أصحاب المقهى إلى أن هذا الجالس هو الكاتب الذي يحمل المكان اسمه، ومن أشهر المقاهي التي جلس عليها (ريش) بشارع سليمان باشا، تُضبط عليه الساعة في الخامسة والنصف من بعد ظهر يوم الجمعة، عندما يصل إلى المقهى، ثم تُضبط الساعة مرة أخرى، عندما ينصرف في الثامنة والنصف".

ونقل محفوظ جلسات المقاهي بدقة حواديتها وطبيعة روادها وأصحابها من مختلف المشارب والأهواء والميول، إلى أدبه، فكان للمقهى حضورًا في روايته "زقاق المدق" (1947)، وكان يسمّى "عش البلبل"، حيث اعتاد أن يجلس يوميًا داخله، وأمامه كومة من الأوراق البيضاء، يتفحص المارة ويسرح معهم في حكايتهم ليعود إلى منزله، وقد سطر أوراقه، بحكايات من نبض الشارع، تحولت في النهاية إلى رواية وفيلم حامل لاسمها.

وكتب الأديب روايات حملت أسماء مقاه أحب جلساتها، مثل "قشتمر" (1956)، التي تحكي قصة 5 رجال جمعتهم الصداقة منذ الطفولة في العباسية، وكان يجمعهم مقهى أخذ عنه اسم الرواية، مهما دارت السنوات بهم، كما مثّل المقهى نقطة انبعاث أحد أهم رواياته "الكرنك" (1974)، ويقول الغيطاني إنه أتته فكرتها في المقهى، حينما رأى حمزة البسيوني، قائد السجن الحربي في عهد الرئيس جمال عبد الناصر (عزله وحاكمه)، يدخل المقهى في انكسار دون حرس.

مقاهي محفوظ لم تكن في القاهرة فحسب، الإسكندرية أيضًا كانت شاهدةً على جلساته بين أروقة بعضها، مثل "بترو" و"تريانون"، و"أتينيوس" المواجه لعمارة "ميرامار"، ذات الزخارف العتيقة الممزوجة بإبداعات فنون الطرازين الإسلامي والإيطالي، والتي زادها النجيب خلودًا، حينما كان يجلس يتمعن في سحرها، حتى أتاه وحي الكتابة، الذي ألهمه ومنحنا رواية تحمل نفس اسم العقار من رحم بُنات أفكاره عام 1967 قبل الحرب وبعد ثلاثية القاهرة.

وهناك مقاه أخرى ارتبطت باسمه، منها مقهى "علي بابا" الذي يطل على ميدان التحرير، حيث اعتاد أن يرتاده في الصباح الباكر ويجلس في طابقه العلوي متأملًا الميدان الفسيح من النافذة وهو يرتشف قهوته، ويطالع صحف الصباح، ليزداد المقهى شهرة وحركة، وخاصةً بعد حصوله على نوبل.

لا نظن أن أدب نجيب محفوظ سيكون بالثراء، الذي هو عليه لولا مقاهيه التي كانت من بين الأركان الأساسية في رواياته وأدبه، باعتبارها جزءًا رئيسيًا من الحارة الشعبية المصرية التي أخذ عنها حكاياته، وباعتبارها مكانا لدراما حية ومتفجرة بالمأساة والكوميديا في آن واحد، خلّد محفوظ أسماء الكثير منها في أعمال ستظل خالدة.