loading...

مقالات

تسعينيات القاهرة – مصعد فندق الأوديون

تسعينيات القاهرة – مصعد فندق الأوديون


بمجرد الدخول في المصعد الضيق لفندق "الأوديون"، ومنه للـ"روف"، عرَّاب أسمار بدايات التسعينيات، في الطابق الثامن؛ كانت تنتاب جسدي تلك الخفة التي تجعله يسابق المصعد في رحلته لأعلى. خلال هذا النفق الصاعد، أتخلص من تراب المدينة وضوضائها وصهدها المختزن في كل ما تلمسه ويقع بصرك عليه. تهبط على موسيقى وأغاني التسعينيات من سماعات مخفية بأعلى المصعد: علاء عبد الخالق، إيهاب توفيق، حنان، محمد منير، مع صوت وموسيقى عرَّاب الجيل أيضا حميد الشاعري. موسيقى وأغان بها مسحة تفاؤل تنتقل معي لتلك السهرة المنتظرة، بينما أصابعي تنقر على جدار المصعد، والذي نقر عليه من قبل آلاف الصاعدين، حاملين في جوفهم رغبة غامضة بالسعادة، كأنهم يوقِّعون أسماءهم على جدار معبد "للذكرى الخالدة". 
ينفتح باب المصعد، تستقبلني رائحة الشيشة، والتي لدخانها الكثيف ورائحته المنعشة نصيب أيضا في التفاؤل، لأنسل سريعا إلى "الروف"، وآخذ مكاني بالقرب من نجوم الحياة الثقافية في ذلك الوقت.

                                                  ***

كما كانت "الرغبة الشعرية"، في تسعينيات القاهرة، تزحف كالنمل لتقترب من كل صغيرة وكبيرة تدب على هذه الأرض وتفاصيلها وترابها ورائحة عرقها؛ كانت أيضا تصعد لسماء القاهرة المجردة، لتتسامى بعيدا عن الأرض وزحامها وصراعاتها، لترى الحياة من هناك، كحكاية، بعين الطائر الذي يود أن يظل طائرا للأبد.

 

                                                  ***

كما كانت هناك جيتوهات ثقافية تستوطن مقاهي وسط البلد، كانت هناك جيتوهات أخرى تستوطن كافتيريات ومطاعم وفنادق وسط البلد. كانت الفنادق هي الوجه الآخر للمقاهي، أو لحظة التصالح لصراعات المقهى الفارغة، مع مساحة بوح أكبر وتمرُّئي أكبر، واستعراض للذات أكبر، داخل دائرة منتقاة من الحميمية، كأن كل واحد من هؤلاء النجوم يسحب معه طبقته الفنية والاجتماعية. بسبب قلة عدد ترابيزات روف فندق أوديون، التي لا تتعدى عشرة أو اثنتى عشرة تقريبا، تنحشر عدة أجيال داخل هذا الممر الثقافي الضيق، التي يحدث عليها التسابق لحجز المواقع الاستراتيجية التي تكشف شجن ليل القاهرة. كانت أجيال الستينيات الأكثر تمثيلا داخل هذا "الروف" الثقافي.

                                               ***

في فيلم "النظارة السوداء"، كان ليل القاهرة الستيني، قبل هزيمة 67، يحمل الشجن نفسه الذي غيَّر من حياة البطلة المستهترة، عندما بدأ البطل يكشف لها، من نافذة شقته العالية، عن الحياة الداخلية لآلاف العائلات، التي تمثل هذه الإضاءات علامة وجودها، كأن هذه الإضاءات منارات وسط بحر أسود كبير. هذه النظرة المجردة بعين الطائر لليل القاهرة منح البطل القدرة على تلخيص الحياة والوصول لهدفه في شرح فكرته للبطلة، رغم أنه ينظر إليها من أعلى، وأن يمنح "حكايته" شجنا لم يكن ليتوفر لو كانا يزحفان كالنمل فوق تراب القاهرة.

                                            ***

هناك عقد جديد يُكتب بين جيتوهات المثقفين، بمجرد الجلوس في هذا المكان، تحت هذه السماء المكشوفة والهواء الصيفي السعيد، ومع زجاجات البيرة والمزات والأطعمة الشهية. تعامل أنيق، وابتسامات مغلفة بالرقة، وكؤوس تحية من بعيد، وربما تمتد لصداقة تبعا لحضورك الدائم في هذا المكان وليس تبعا لما تكتب أو تفكر فيه، كان الوصول لهذا المكان العالي يمنح أصحابه حق "المواطنة"، وحق الجار على الجار. 

بالمقابل كانت هناك جيتوهات ثقافية ميسورة لا تصعد للدور الثامن، وتكتفي بالمقاهي أو البارات الرخصية على أرض القاهرة المنبسطة: "الكاب دور"، أو "مخزن ستيلا"، وغيرهما، والتي كانت تتحول في الليل إلى ملجأ، ليس لرخص ثمنها فقط، ولكن لأنها رمز يساري للمزاج. هذا المزاج اليساري كان يتحكم في ذوق هذه الفترة، ولكنه سرعان ما سيتغير ويأخذ منحى آخر ويفقد سيطرته.

                                          ***
قرأت منذ عدة أشهر على "فيسبوك" ذكريات يختلط عليَّ اسم صاحبها، يتحدث فيها  صاحبها عن صديق له دعاه في نهاية الستينيات، أو بدايات السبعينيات تقريبا، لشرب البيرة في تراس فندق هيلتون، والذي كان حديث المدينة آنذاك وأكبر رأس أرستقراطية فيها، رغم غلو أسعاره، فإنه أكمل دعوته، إن لم تخني الذاكرة، بأن يروا ويستمتعوا بما يستمتع به هؤلاء "ولاد الكلب اللي مش أحسن منِّنا"، أو شيء من هذا القبيل.

كان يقصد بالطبع بـ"ولاد الكلب" مثقفي الطبقة العليا الذين كانوا يؤمون هذه الأماكن. في السبعينيات كان هناك طموح للتجرؤ المشوب بالحذر والأيديولوجيا على هذه الأماكن التي يؤمها "ولاد الكلب" هؤلاء، وغزوها. ولكن ربما مع خفوت روح اليسار، ومزاجيته المسيطرة على الحالة الثقافية في مصر، وسقوط جدار برلين والبروسترويكا؛ بدأ أغلب المثقفين، في عقدي الثمانينيات والتسعينيات، يلجؤون للفنادق وليس فقد الثراة منهم، ككاتبي السيناريو والمغنين وكتاب الأغاني والمخرجين. وانتشر "ولاد الكلب" في كل الأماكن.

ربما لم تختف "الطبقية" داخل هذه الجيتوهات الثقافية، ولم يختف أيضا هذا الطموح في الصعود لأعلى، للنخبة الثقافية الممثلة، داخل خريطة فنادق القاهرة، باختلاف المزاجية المسيطرة على الحالة الثقافية، فكل "مزاجية" تتحول إلى "أيديولوجيا" لتتحول الأيديولوجيا بدورها إلى "طبقة".

وعلى هذا "الحس" دخل "الفنادق"، واحتلها، حرافيش الثقافة، من أمثالنا، قبل أن يكون أحدنا ممثلا لأي قوة أو سلطة ثقافية، اللهم إلا سلطة روحية شخصية غيبية مرتبطة بالمستقبل أكثر من ارتباطها بالحاضر. كان المستقبل يقف آنذاك بقوة بجوار هذه الصعلكة المجانية، ويمكن أن تسكر من أجله، وتصرف آخر جنيه من أجله، وتنسى نفسك وتبوح من أجله أيضا؛ مع مجموعة حميمة من الأصدقاء، تحت سماء القاهرة المكشوفة وهوائها الصيفي السعيد.

                                         ***

كانت حالة الصعود لأعلى في مصعد فندق الأوديون، وبالموسيقى المتفائلة بداخله، يسربان روحا جديدة، تقبض مباشرة على حالة صعود سهلة بدون خدوش أو آلام. تصفِّر ربما مع اللحن، أو داخلك يصفر مع اللحن، بعد أن خضت في شوارع مزدحمة، كنت تسير فيها طافيا أيضا، قدمك فقط هي التي تمثلك على هذه الأرض المنبسطة، أما روحك فتبحث عن "الشعر" مع نمل السماء.

كل مرة داخل المصعد، كأني مقبل على تجربة جديدة، ربما تتكرر يوميا ولكن لا تفقد جدتها. ربما إقامتى بالإسكندرية وداخل أماكن منبسطة، جعلت هذه الأماكن العالية المخصصة للسهر تبدو في عيني لها بريق متجدد وليس روتينيا كمكاتب العمل الحكومي التي كنت أشاهدها في أماكن سهر أخرى ولمثقفين لم يفارقوا نموذج المكتب الحكومي داخل "البار" الذي يتسامرون فيه.

                                         ***

مع "خمول" عقد الثمانينيات في مصر والعالم العربي، جاء عقد التسعينيات بملامح جديدة، كونه العقد الأخير في الألفية. ربما إحساس النهايات سرَّب روحا مختلفة، وأتي بهواء طلق سعيد، داخل هذه الأماكن وفي النفوس. ربما كان لا يزال هناك رهان لم يُحسم، ويمكن حسمه، فالنشاط واللقاءات والتكرارات كلها كانت تصب في صالح هذا الرهان غير المحسوم الذي يمكن حسمه.

دائما داخل إيقاع النهايات/ البدايات يتسرب "أمل مجاني" أقوى من طاقة الناس على استيعابه. ربما هو أمل زمني خادع، صادف أصحابا لم يأت لهم أصلا. مثلما تستيقظ في الصباح، أو تدخل النوم في المساء، كلاهما فعل زمني يبشر بشيء جديد على وشك الحدوث، ولكنه لا يحدث، بينما الفعل  يتكرر إلى ما لا نهاية. وهذا الفعل لا يقصدك أنت بالذات، إنه جزء من صيرورة الكون. ولكن بلا شك داخل أحد هذه التكرارات سيحدث شيء ما و"يركن" الأمل قليلا، ويتحرر الفعل من أسر التكرار.

                                          ***

ماذا كنا ننتظر داخل هذا العقد الأخير من الألفية الثانية أو غيره؟ ربما لم نفرض وجودنا على هذا العقد، واستسلمنا لدورته الزمنية ورصيدها من الأمل الكاذب أو الهواء السعيد. ربما كان الكون، وسماء القاهرة المكشوفة تسير بميعاد وإلى ميعاد، ولا تتحرك قيد أنملة عن هذا الميعاد.

هذا الأمل سيتجدد أيضا مع الألفية الجديدة، وعقدها الثاني، مع دخول الميديا وصنع شبكة حشد جمعي، بعد أن كان الأمل فكرة شجية باطنية، تحول إلى مفهوم وجموع افتراضية كانت تطل أيضا على سماء القاهرة من خلال نوافذ وناطحات سحاب افتراضية.

مع كل عقد جديد سيصحو أمل صغير، ربما هو الطاقة المخزنة من الآمال التي لم تتحقق لهذ الجموع، تعاد وتبعث في مفاصل زمنية، كالعقود، القرون، والألفيات؛ وتسرب بعضا من خساراتها، التي تصل إلينا وتتجسد في "صورة" رغبة شديدة في السكر اللذيد والانسيال مع تيار الزمن نحو أبدية مجهولة. ربما هي أيضا إحدى خسارات وتجليات هذه الطاقة المخزنة من الآمال، وهي أيضا إحدى الصور التي فرضت نفسها على عقد التسعينيات.

                                           ***                                      

في ذلك الوقت، في بداية التسعينيات، هبت أيضا أحداث عاصفة على "روف الأوديون" بمناسبة حرب الخليح الثانية المسماة أمريكيا بـ"عاصفة الصحراء" بسبب غزو العراق للكويت. أيقظت هذه الحرب، وانقساماتها، الروح القومية الكامنة والمختفية وراء هذه الحرارة والشجن والحميمية المتناثرة على ترابيزات الروف.

بعد حقبة جورباتشوف وتفكيك الاتحاد السوفييتي وسقوط جدار برلين، بدأ عهد جديد في العالم وصفه أحد المثقفين من موظفي المقاهي وهو ينفث دخان الشيشة، والذي ملأ المسافة بين وجهينا، ولأول مرة كنت أسمع هذا المصطلح؛ وصف هذا العهد بـ"السيولة"، بمعنى أن كل شيء لم يعد كما كان، أو سيصير إلى ماكان عليه، أو كما كان متوقعا له. أول مرة كنت أسمع فيها هذا المصطلح التسعينى بامتياز. لم ندرِ وقتها أن هناك زلزالا مرجأ قادما وراء هذا المصطلح. ضمن توابع هذه "السيولة" دخل صدام حسن الكويت.

                                         ***
طفت على الجلسات، خصوصا بعد غزو العراق من قوات التحالف؛ النزعات القومية بكل أطيافها، وظهرت الخناقات العميقة بين مناصرين لصدام، وبين آخرين، منهم  مثقفون عرب من الخليج، وصلت أحيانا لحالات طردهم من الروف، فالبيرة تحرر العقول وتصل لـ«اللا وعي» مباشرة حيث يرقد المزاج القومي بجوار المزاج اليساري، بجوار الشجن والهواء السعيد.

بعد سقوط اليسار، أصبح الاتجاه القومي، المنقوع في التباسات الديكتاتورية المتجسدة في صدام المخلص؛ كان هو المعبِّر الأقوى عن مفهوم "الوطن". كان هذا "الوطن" قاسما مشتركا بين كل هؤلاء المجتمعين، باختلاف انتماءاتهم. هذا الشجن الذي يتصاعد لمرأى البيوت والأضواء من أعلى الروف، فتقترب منك حالة "الوطن" مجردا وصافيا، وعبارة عن أضواء وظلال، كأنه "لوحة"، فيزداد الشجن والاقتراب منه والتمسك به والاستئساد من أجله مهما كلف أحدهم هذا. ستختتم هذه الحقبة بزيارة المؤلف المسرحي علي سالم، وكان واحدا من نجوم روف الأوديون، لإسرائيل عام 94 بعربته ليتعرف على أوضاع المجتمع الإسرائيلي من الداخل. وسيعيش بعدها مُطاردا ومجرسا ومنبوذا من كل التجمعات الثقافية ذات الثقل.

                                          ***

في الوقت ذاته عام 92، وبعد غزو العراق من قبل قوات التحالف، بدأ المثقفون العرب في التوافد على القاهرة بكثافة، ربما بعد خفوت فكرة المقاطعة التي رسخها صدام حسين ضمن جبهة "الصمود والتصدي" بعد معاهدة كامب ديفيد، وأصبح هناك مرجع جديد للوضع العربي المأزوم الذي غير من مفهوم القومية أيضا.. ربما كانت رغبة الدولة، متمثلة في وزارة ثقافتها، تتلخص في تكوين مشهد ثقافي عربي داخل مصر. حضرت في هذا الوقت مؤتمرا شعريا دعت له هيئة قصور الثقافة، وأعتقد أن الذي كان يرأسها حسين مهران، ودُعي له كل نجوم الحداثة وقصيدة النثر المهاجرين في فرنسا ولندن وغيرها، وأغلبهم بالطبع كانوا من معارضي الأنظمة الديكاتورية العربية التي هربوا منها في السبعينيات. قبل ذلك كان التمثيل العربي في معرض الكتاب يتجسد في محمود درويش ونزار قباني وبلند الحيدري إلى آخر تلك القائمة الشعرية القومية بامتياز. كانت بعض اللقاءات المبكرة تتم في "روف الأوديون"، أما السهرات فانتقلت لحديقة 
"الجريون"، لأن المهرجان أقيم في الشتاء، ومعه يتحول روف الأوديون ليلا إلى بقعة مهجورة.

                                          ***

في  منتصف عقد الثمانينيات، ظهرت مجلات عربية في باريس ولندن وقبرص، مثل 
"اليوم السابع" التي كانت تمول من منظمة التحرير الفلسطينية، وكانت أهم المجلات الموجودة آنئذٍ وهناك تعرفت على أهم الأسماء في النقد والمسرح والسينما وغيرها. ومجلة "الشاهد"، و"الكرمل" و"الاغتراب الأدبي"، و"الفرسان"، وغيرها وغيرها. هناك مفارقة في بعض هذه المجلات أنها استوعبت أهم جيل مغترب، مثقف ومسيس في آن،  وله عداء مع الديكتاتورية ولكن في الوقت نفسه اختار العمل في مجلات تقف وراءها حكومات وأنظمة وأحزاب. ربما هو تناقض لن يحل أبدا. جميعهم بعد ذلك إما تركوا المهجر ورجعوا لبلادهم، أو استقروا في بلاد الخليج.

                                        ***

كنا بدون أن ندرى نعيش داخل هذه "السيولة"، التي تحمل  معنى الفوضى أيضا، وربما الأمل الذي رفرف كان بسبب هذه الفوضى التي سربت إلينا رعشة التغيير العنيفة، دون أن تسرب آثاره المأساوية، فاقتنصنا وتقاسمنا جماعيا هذه الرعشة، ثم قاسينا منفردين آثارها التي امتدت للوقت الحاضر، فما زلنا نسير داخل هذه "السيولة" التي بلا ضفاف.

                                      ***

في السياق نفسه، وفى رواية "قانون الوراثة"، للكاتب ياسر عبد اللطيف، وهي إحدى الروايات المهمة، التي تؤرخ لذلك العقد. تعرض ياسر في أحد الفصول لمظاهرات الجامعة التي قامت بسبب حرب "عاصفة الصحراء". استمرت المظاهرات 4 أيام امتلأت فيها سماء الجامعة بقنابل وعبوات الغاز المسيلة للدموع ومذنباتها، وأصبح بصر "الراوي"، شاهد العيان، معلقا طول المظاهرات بالسماء خوفا من أن تسقط إحداها على رأسه. يصف الراوي أيضا قوام المظاهرات بأنها كانت مقسمة بين الإسلاميين بفروعهم الثلاثة، بجانب بعض الطلاب اليساريين. كان الإسلاميون يشغلون قطب الفكرة الوطنية، يدافعون عن الوطن ولكن ملتبسا بقناع الدين. ربما في ثمانينيات الجامعة الخاملة لم تكن هناك مظاهرات لها الحس الشامل، باستثناء مظاهرات حول موت سليمان خاطر وأخرى بشأن القدس والمسجد الأقصى، أو ضرب ليبيا، وهي مظاهرات صافية لا تسبب أي التباس. ولكن مظاهرات حرب الخليج جمعت أكثر من قطب، واتجاه سياسي، داخل فكرة "الوطن" أو داخل الفكرة القومية، وربما بسبب هذا حدث الالتباس في التفسير والمواقف وتطايرت الأطباق والكؤوس والزجاجات. بعث هذا الموقف الملتبس الروح من جديد في مفهوم "المخلص"، الذي شغله صدام حسين وقتها، والذي سيعاد إنتاجه في ثورة يناير.

                                          ***

ربما "حرب الخليج"، أحد أهم المراجع التي كونت الحساسية السياسية، بهذا الالتباس والتناقض العنيف الذي حدث بداخلها؛ لجيل التسعينيات الثقافي، مع انكشاف خدعة الرومانسية القديمة، التي لم تكن موجودة، أو ملحوظة حتى، في أثناء فترة السبات والخمول والصمت في جيل الثمانينيات. مع التباس مفهوم السلطة بانتشار قيم السوق والاستهلاك، الذي سيضع الذات الفردية داخل خريطة نفسية متشعبة، شديدة التعقيد واليأس.

                                         ***

ربما صورة "الأنفاق"، التي ينتظر الضوء في نهايتها، هي التي سيطرت على أحلام عدة أجيال. هذا الشكل الأنبوبي قليل الإضاءة الذي تعبر منه لمكان جديد تلاقي فيه نفسك مع الضوء في النهاية. صاحب هذه الرؤية وهذه الاستعارة هو الذي صبغ القرن العشرين وبدايات الواحد والعشرين بصورته وبضوئه وبثقب جداره السيزيفي المُنتظر.

كان" مصعد روف أوديون" أحد هذه الأنفاق السرية التى نقابل فيها الحلم والأمل، ثم نعود لنزحف من جديد. ربما عشنا تحت سلطة "صورة" ضوء يظهر في نهاية "النفق" وداخل "الممرات المعتمة"، ولم ندرِ أنه لم تكن هناك أنفاق أو أضواء أو حتى ممرات معتمة سننتقل منها للجهة الأخرى. ولكن هناك "سيولة"، كنفق تاريخي، ستغير كل الأوضاع والمجازات الشجية، وستجعلنا نبحث عن المجاز أكثر من رؤية الحقيقة التي كان من الصعب رؤيتها وقتها وحتى الآن، أو على الأقل أن نأخذ موقفا منها، فكان طيراننا في الأعالى، بكل مجازاته،  جزءا من هرب مؤقت داخل هواء القاهرة السعيد، وأي فعل حدث وقتها كان "مؤقتا" وربما حتى الآن.

                                                ***

تم هجر روف الأوديون تقريبا في منتصف التسعينيات والانتقال صيفا وشتاء إلى حديقة "الجريون"، أو "النادي اليوناني"، أو "أستوريل"، وكلها امتدادات لمفهوم الأرض المنبسطة، التي لا تحتاج لمصاعد. لم يتم هجر الأوديون بقرار، ولكن ربما برغبات داخلية تبحث فيها الذات الفردية عن مكان واسع لتنسى نفسها وعزلتها. اتسعت الدائرة حول كل ذات، بعد أن اختفت الصحبة الحميمة، أو اتسعت رقعة الحميمية بشكل مجاني، ولم تعد الحميمية تقتصر على الخاصة، ففقد الفرد إحساس الشجن، لتصل لمفهوم "الشلة الكبيرة المتنوعة"، أو "العزوة". كانت حديقة الجريون واسعة بما يكفي لتقضي على الشجن الذاتي، والمسافات بين الترابيزات أكبر، فخلقت حالة "سيولة" مكانية، استدعت مزاجية جديدة.

تأكدت أكثر الرغبة في الذهاب "للملاعب المفتوحة" حيث الجماهير محتشدة في سهرة أو مظاهرة. سوق كبيرة يجب أن تنسى نفسك فيها وتنسى فرديتك. ربما هذه الملاعب شكلت البداية لجيل الألفية الجديدة التي صنعت روابطها وشللها وعزوتها داخل ملاعب مفتوحة افتراضية، مع اعتبارات أخرى بالتأكيد منها ربما سحر التكنولوجيا وعبادة السوق.

                                                 ***

مع توالي العقود أصبحنا "ولاد كلب" جيلا آخر، بعد أن زادت نسبة "ولاد الكلب" في الثقافة، ولم يعد للمقاهي بريقها أو حتى مزاجها اليساري، بعد أن أصبحت "أروفة"الفنادق وحدائقها ملتقى "ولاد الكلب" هؤلاء.