loading...

مقالات

النصب على الذات

النصب على الذات


لماذا يخرج علينا كل طلعة شمس مخترع عبقرى جديد فى عنفوان المراهقة، يزعم أن بإمكانه إنارة مدينة كاملة بحجر بطارية قلم؟ أو معالجة جميع أنواع السرطانات بإطلاق "نانو روبوت" بحجم كرة الدم الحمراء يسبح فى شرايين المريض ليدمر خلاياه المصابة، ويخبرنا بمنتهى البراءة أنه حصل على براءة اختراعه هذا على الورق؟

بعدها تترقرق دموع الوطنية فى عين مضيفه المستمع العبيط، أو المستهبل، عندما يخبره الفتى أن الكونجرس وحلف الناتو عرضا عليه عشرات الملايين من الدولارات ليتنازل لهما عن اختراعه، ولكنه فضل أن يبقى فقيرا لكى تتمتع به مصر مستقبلًا عندما تملك القدرة على إنتاجه واستغلاله.

لماذا لا نجد أبدا مراهقًا أديبًا يزعم أن كبريات دور النشر العالمية تكالبت عليه لترجمة قصصه ورواياته ولو بالمجان؟ أو مراهقًا رسامًا يزعم أن متاحف اللوفر والمتروبوليتان والآرميتاج تتنافس على اقتناء لوحاته لعرضها ولو لأيام معدودات؟ الإجابة بسيطة جدًا. لأن المخترع المراهق سيجد حجة متاحة يتهرب بها عندما تناوله حجر بطارية قلم وتطلب منه أن ينير لك ولو شارعًا واحدًا.

ساعتها سيخبرك والأسى يعتصره أن الأمر ليس بالبساطة التى تتصورها، فعليك أولًا أن توفر له معملًا ذريًا لتجهيز ما سيطلق عليه "تحفيز جزيئات عمود الكربون الموجود بداخل الحجر. طبعًا باستخدام الطريقة السرية التى لا يعرفها أحد غيره، والتى يصعب علينا فهمها، أو يتعذر عليه أن يشرحها لنا على الهواء حتى لا يلطشها علماء الغرب.

هذه الحجة يمكنها أن تخرس المذيع الجاهل الذى يستضيفه، وترفع الحرج عن المسؤول النصاب الذى يتحمس له لمجاملة النظام، وهو أول من يعلم أن ذلك الطفل المسكين يحتاج إلى علاج نفسى مكثف حتى لا تتفاقم حالته ويصبح خطرًا على نفسه وعلى من حوله.

أما المراهق الذى سيزعم امتلاكه لموهبة أدبية أو فنية عبقرية، فمن السهل عليك أن تطلب منه أن يعرض عليك لوحة رسمها، أو أن يقرأ لك قصة من إنتاجه، وهو الأمر الذى سيفتح عليه نيران جهنم التى ستنطلق من أفواه النقاد والأدباء والتشكيليين. وقتها يمكنه بالطبع أن يتهمهم بالحقد والغيرة والحسد، ولكن إنتاجه لن يصمد طويلًا مهما طال دفاعه المستميت.

تلك الفقرات الكوميدية السوداء التى يقدمها لنا غالبا مسؤول نصاب يسترضى أسياده، والتى يقع فى براثنها مذيع جاهل يتحمس لما لا يفهمه، أو مستهبل واع بما يرتكبه، ويشارك ذلك المسؤول فى عملية النصب، ويتوسم مثله أنها سترفع من قدره فى عين النظام، أقول إن تلك الفقرات خطورتها تكمن فى إقناع المراهقين والبسطاء بسهولة الابتكار الذى لا يحتاج أكثر من عثور المرء على فكرة وهمية غريبة يمكنها أن تبهر نصابا يقدمها إلى إعلامى جاهل يتحمس لها.

العبقرية تبهرك لأنها مثل كرة الثلج التى تنمو كلما تدحرجت ولا يمكن أن يقف أمامها أحد عندما تهرس كل ما يعترض طريقها، بينما النصب فقاعة هشة تولد من اللا شىء ولا تلد سوى الفراغ عندما تفقأها قشة عابرة.

هناك أفراد ينفقون أعمارهم وهم يعيشون فى قناعة تامة أنهم مخترعون عباقرة، وقف الحظ حجر عثرة فى طريقهم. الأعجب أن هناك مجتمعات بأكملها يدفعها القائمون على أمرها إلى العيش فى نفس الوهم. 

النصب على الذات حرفة يجيدها من لا حرفة له. يتقنها ويبرع فى أساليبها حتى لو فشل فى استخدامها فى النصب على الآخرين.