loading...

مقالات

نظريات حول الدولة: في اكتشاف الدولة المصرية (3/7)

نظريات حول الدولة: في اكتشاف الدولة المصرية (3/7)


يلاحظ أن السلطة الكنسية ترى فى بعض الأحيان أن الدولة والسلطة السياسية الحاكمة هى خط الدفاع عن أوضاع المسيحيين، ومن ثم يكون خطابها حول حقوق الأقباط موجها إليها، ولا سيما رئيس الجمهورية وأجهزة الدولة الأمنية المختصة. ومن ثم تنطوى بعض مواقفها على بعض التناقض الذى يجد تفسيره فى أن رفض تطبيق بعض الأحكام القضائية الصادرة من الجهات القضائية المختصة -قضاء الأحوال الشخصية العادى ومجلس الدولة بعد الطعن على القرارات السلبية بعدم تنفيذ الأحكام القضائية النهائية بالتطليق- يمثل تعبيرا عن دفاع المؤسسة عن سلطتها الدينية وسيطرتها على أتباعها وفق التأويل الدينى الذى يتبناه البابا شنودة الثالث وكبار الأساقفة والمطارنة والأكليروس. ومن ثم يشكل إعمال قانون الدولة والأحكام القضائية كسرا لإرادة الكنيسة وسلطتها، من وجهة نظر البابا والأكليروس!

ويلاحظ أن بعض كبار الأساقفة والمطارنة وغيرهم من الأكليروس يطالبون برفع المادة الثانية من دستور 1971 التى تنص على أن الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسى للتشريع، وإعمال مبادئ المساواة الكاملة، وفى نفس الوقت يريدون أن يلعبوا أدوارا تمثيلية للأقباط فى المجال العام تتجاوز حدود أدوار رجال الدين والمؤسسة الدينية فى إطار الدولة الحديثة، وهو تناقض يلاحظه بعض الباحثين لدى البابا/ البطريرك، وبعض الأساقفة فى بعض خطاباتهم ومواقفهم الدينية التى تتناول أمورا سياسية واقتصادية وسلطوية واجتماعية وثقافية... إلخ.

5- بعض قادة ونشطاء الحركات الاجتماعية – السياسية (1) أسهم خطابهم وسلوكهم السياسى/ الحركى فى إشاعة الخلط بين الدولة والنظام والسلطة والممارسات الأمنية الغليظة والفظة، ولا سيما بعض مظاهر الإفراط فى استخدام القوة البوليسية إزاء تظاهرات وأنشطة واحتجاجات الحركة الاجتماعية المطلبية، والجماعات السياسية الموقفية كـ«كفاية وأخواتها» لحظة صعودها وقبل ضعفها، أو بعض ممارسات نشطاء جماعة 6 إبريل، أو غيرهم من دعاة الجمعية الوطنية من أجل التغيير التى تتحلق حول الدكتور محمد البرادعى فى المطالبة بتشكيل جمعية وطنية لإعداد دستور جديد للبلاد. بعض النشطاء من الأجيال الجديدة، وبعض ذوى الميول الأيديولوجية والإسلامية وغلاتهم، تختلط لديهم الرؤية حيث يربط بعضهم بين إضعاف الدولة المصرية، والتطور الديمقراطى وتطبيق الحريات العامة والشخصية واحترام حقوق الإنسان.

ثمة خلط إدراكى ومفاهيمى لدى بعضهم بين الدولة القوية، وضعف المجتمع/ الأمة، وهو أمر يعود إلى مواريث النظام التسلطى والثقافة السياسية الأبوية الذكورية -التقليدية والمحدثة- وإرثها الطغيانى، الذى لا يأبه كثيرا بحقوق الناس.

الدولة/ الأمة الحديثة والمعاصرة القوية والديمقراطية هى الوجه الآخر للمجتمع القوى والحى والدينامى والمترع بالحيوية والعافية السياسية والاجتماعية والثقافية.. إلخ. إضعاف الدولة وضبط غلوائها قد لا يعنى ضبط أجهزتها وإخضاعها للقانون ومساءلتها عن أية تجاوزات تنتهك القانون وحقوق وحريات المواطنين، بل قد يؤدى وهنها فى بعض الأحيان إلى تزايد انتهاكات القانون وشراسة أجهزتها القمعية فى ممارسة العنف ضد الجمهور وأحاد الناس.

الدولة قد تضعف، ويؤدى ذلك إلى انتشار بعض من أشكال الفوضى داخلها، وخارجها، وظهور انتهاكات واسعة للقانون من قبل بعض الجماعات الدينية، ولا سيما تلك التى تتخذ من الدين سندا ومرجعية وخطابا تأويليا لأيديولوجياتها، كما كانت تقوم به بعض الجماعات الإسلامية السياسية/ الراديكالية – كالجماعة الإسلامية والجهاد الإسلامى، والتوقف والتبين... إلخ -إزاء مواطنين مسلمين، أو مسيحيين ودور عبادة، أو السطو على محال لبيع الذهب والحلى يمتلكها مواطنون مسيحيون، وفق فقه الاستحلال الذى كانوا يطرحونه فى السابق قبل إجرائهم بعض المراجعات الفقهية التى تمت فى هذا الإطار.

تزداد أهمية التفكير مجددا فى مسألة الدولة المصرية الحديثة وتجديدها وإصلاح هياكلها وأجهزتها على اختلافها، فى سياق المرحلة الانتقالية الحالية، ولا سيما فى ظل تزايد مطالب التغيير والإصلاح من قبل أطراف سياسية مختلفة، ورفض لبعض الرؤى التى تدور حول توريث السلطة فى إطار نظام جمهورى.

الاعتبارات سالفة السرد تبرز أن ثمة وجاهة تاريخية ونظرية ومؤسسية لإعادة التفكير حول الدولة المصرية وتقاليدها خاصة، وثمة بعض من المخاوف التى بدت فى خطاب بعضهم حول تفكك الدولة، أو الفوضى، أو الانهيار، إلى آخر التوصيفات والمخاوف الحاملة لها من قبل بعض الكتاب والسياسيين والنشطاء، وبقطع النظر عن مدى دقة هذه التوصيفات (2).

من ناحية ثانية تتجلى أهمية درس موضوع إعادة تقوية وتجديد الدولة المصرية الحديثة وهياكلها وقانونها الوضعى، وإعادة هندسة المجالات وتمايزاتها، ولا سيما بين السياسى والاجتماعى والثقافى والدينى، وبين بعضها وبعض، خاصة فى ظل بعض حالات فشل الدولة الدينية والتى ساعدت على تفكك بعض دولها، كما فى المثال السودانى حول الحركة الإسلامية السودانية، ولا سيما بعد انقلاب حسن الترابى - عمر أحمد حسن البشير، وبعد الانقلاب الداخلى الثانى الذى أطاح بالأول، لصالح بعض تلاميذه(3). من ناحية أخرى، سطوة الجماعات الشيعية العراقية فى أعقاب انهيار الدولة والنظام العراقى السابق تحت حكم البعث على أيدى قوات الاحتلال الأمريكى والتحالف الدولى. هيمنة القوى الدينية / السياسية الشيعية، وغيرها السنية تكشف إلى أى مدى وصل ضعف الدولة وأجهزتها، والنظام السياسى التعددى على أيدى قيادات التركيبات الأولية الدينية والعرقية والمذهبية. من هنا تبدو مسألة الدولة أمرا من الأهمية بمكان نظريا وتطبيقيا وتاريخيا، ولا سيما فى المثال المصرى التاريخى والحديث، فى إقليم لا تزال الدولة/ الأمة الحديثة مشروعا تحت التشكيل، (4)، ولا تزال تعتوره عديد الإعاقات البنيوية والسياسية والاجتماعية والثقافية.. إلخ. كما فى الأنظمة/ الدول "الطائفية"، والدول/ العائلية، وأدوار القبائل والعشائر فى عديد الأمثلة العربية. الاستثناء التاريخى/ السياسى الحداثوى للدولة/ الأمة هى مصر، ويأتى بعدها المغرب. من هنا أهمية درس تجربتنا وتطوراتها وابتساراتها حول الدولة/ الأمة، خاصة فى مجال إنتاج بعض التمييزات بين المواطنين على أساس دينى أو مذهبى أو عرقى أو نوعى والأحرى جنوسى.

من نافلة القول أن الدولة شكلت فى مصر إحدى أبرز حقائق السياسة والحياة ومنظومات الأفكار، والثقافة والقيم السياسية، وأنماط السلوك المتغيرة لدى الشعب المصرى.

الدولة النهرية المركزية اعتمدت على ترويض النهر، وضبط إيقاعاته وتوزيعه فى الزراعة، ومن ثم التأثير على نمط حياة المصريين. 

يمكن القول بأن ثمة علاقات تاريخية بين النهر ونظام الرى، والزراعة والدولة والأمن واقتصاد البلاد على مختلف العصور. ومن الملاحظات التاريخية أن العلاقة بين الدولة والنهر والزراعة والأمن، هى بمثابة العروة الوثقى بين الاستقرار والمياه والأمن وحضور الدولة المهيمن فى حياة المصريين تاريخيا. من هنا تجلت هيبة الدولة وسطوتها وسلطانها فى عديد العصور والمراحل التاريخية من تطور مصر -المجتمع والدولة- حتى فى ظل الاحتلالات الأجنبية على اختلافها. ظاهرة هيبة الدولة تداخلت مع الخوف من قدراتها الردعية، والقمعية "المشروعة" التى كثيرا ما كانت تنطوى على تجاوزات مفرطة ودامية.

من صلب القدرات والممارسات القمعية للدولة والأحرى أجهزتها الأمنية، سيطرت إرادات الحكام فوق القانون -والشريعة فى العصور الإسلامية التى كان الحكم يتم فيها باسم الدولة الإسلامية أيا كانت مسمياتها- ومن ثم ولد لدى الغالبية الساحقة من المصريين الخوف والمداراة والازدواجية بين الباطن والظاهر، بين المعلن إزاء الدولة والحكام وذوى السلطة والنفوذ، وبين المستور من كراهية ولا مبالاة. ثمة تمظهرات عديدة لثنائية المواقف من السلطات القمعية والحكام، تبدو فى الموروث الشعبى التاريخى الذى تمثل فى الأمثولات الشعبية إزاء الحكام. 

هذا الحضور المكثف والضاغط للدولة والأمن والقمع على عموم المصريين، هو الذى يدفع فى هذه اللحظة التاريخية إلى إعادة التفكير والنظر فى مسألة الدولة المصرية نظرا وتاريخا وواقعا وإصلاحا وتطورا.

من هنا كانت الدولة، ولا تزال إلى حد ما أحد أبرز محاور تحليل المجتمع والسياسة والاقتصاد والدين والثقافة، وبعض السمات السوسيو – ثقافية، والسوسيو – سياسية والسوسيو- دينية لغالب المصريين، وذلك رغمًا عن بعض المقاربات التحليلية للباحثين حول الدولة (5) من مقاربة الاستبداد أو الطغيان الشرقى، إلى مقاربات الإنتاج الآسيوى، إلى الدولة الهيدروكيلية/ النهرية، إلى الدولة القومية، إلى الدولة الريعية، إلى مدخل الشخصية القومية فى صعوده وأفوله مع التغير النظرى فى الأدبيات والتنظيرات السوسيو – نفسية، والسوسيو – ثقافية وغيرها فى مجالات العلوم الاجتماعية.

أيا ما كانت مداخل ومقاربات حالة الدولة المصرية ومدى كفاءتها التفسيرية التاريخية والمعاصرة، إلا أنك لا تستطيع استبعاد تاريخها بالغ القدم فى التحليل السياسى والاجتماعى، وذلك مع الدولة فى الصين واليابان والهند على التباين والاستمرارية والتوالى التاريخى فيما بينهم.

من ناحية أخرى، ثمة مواريث المركزية، والهيمنة على كل المناطق والمكونات الاجتماعية والدينية والعرقية وأشكال الحياة، تحت قبضة سلطوية قاهرة ومستمرة.

ثمة نمط من الطابع الإكراهى والطغيانى استصحبته الدولة -من خلال حكام غلاظ ومستبدين- عبر مراحلها ومساراتها وتعرجاتها التاريخية لا يمكن نكرانه فى هذا الصدد.

__________
المراجع 
(1) انظر فى مجال دراسة الحركات الاجتماعية – السياسية كتاب د. على الدين هلال، النظام السياسى المصرى بين إرث الماضى وآفاق المستقبل 1981 – 2010، الفصل الثامن من ص 451 إلى ص 478، الناشر الدار المصرية اللبنانية، القاهرة 2010. 

(2) انظر فى هذا الصدد، مقالنا، الدولة والنظام: ما وراء حالة التضاغط السياسى فى مصر الآن! والمنشور بجريدة الأهرام، ص 10، العدد الصادر بتاريخ 17 يونيو 2010. 

(3) انظر فى هذا الصدد: المحبوب عبد السلام، الحركة الإسلامية السودانية، تأملات فى العشرية الأولى لعهد الإنقاذ، الناشر، دار مدارك ودار العلوم، وانظر كذلك: د. حيدر إبراهيم على، أزمة الإسلام السياسى: الجبهة الإسلامية القومية فى السودان نموذجا، مركز الدراسات السودانية، الطبعة الرابعة – القاهرة 2003. وفى مجال تقييم الحركة الإسلامية السودانية فى السلطة: وليد الطيب إعداد وتقديم د. حسن مكى، مراجعات الحركة الإسلامية السودانية، عشرون عاما فى السلطة.. المسيرة .. التجربة .. المستقبل، الطبعة الأولى، الناشر إسلام أون لاين، ومكتبة مدبولى، القاهرة 2009. 

(4)انظر فى ماهية الأمة: كتاب إيرنست غيلنر، الأمم والقومية، ترجمة د. مجيد الراضى، من ص 107 إلى ص 133، الناشر دار المدى / دمشق سوريا، الطبعة الأولى 1999. وكذلك: مستقبل القومية فى المرجع السابق، من ص 203 إلى 221. انظر أيضاً: د. برهان غليون، المحنة العربية: الدولة ضد الأمة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت / لبنان، الطبعة الثانية، نوفمبر 1994.
 
(5) انظر فى عرض تحليلى وتنظيرى حول الدولة: كتاب أندرو فنسنت، نظريات الدولة، المرجع سابق الذكر، حيث تناول عديد الجوانب ومنها، طبيعة الدولة، وخصائصها فى إطار نموذج الدولة الأوروبية الحديثة، وكذلك المنظومات النظرية حول الدولة من نظرية الحكم المطلق مروراً بالنظرية البنائية، والنظرية الأخلاقية، والنظرية الطبقية، والنظرية التعددية فى الدولة، وهل نحن فى حاجة إلى نظرية فى الدولة. ويذهب أيضا أندروفنسنت، فى مجال تسويغه لإعادة التفكير بعناية ومجددا فى مسألة الدولة، وعلى مستوى النظرية وعديد المنظومات التنظيرية حولها – فى النظرية السياسية والدستورية – إلى أن "النظرية نفسها هى التى تساعد على تطور مؤسسات محددة للدولة. وبما أن الأفكار حول الدولة هى التى تحدد غالبا ما تحدد كلا من شكل الدولة واتجاهنا نحوها، فإنه من المهم أن بعض الفهم الأساسى لنظريات الدولة يكون هو نفسه جزءاً من أى ثقافة سياسية"، انظر فى ذلك مؤلفه: نظريات الدولة، المرجع السابق، ص 15.

من الملاحظ من متابعة بعض الخطابات السياسية والصحفية والإعلامية الشفاهية والكتابية فى مصر وبعض الأوساط العربية، وكما ذكرنا فى متن المقدمة، أن ثمة خلطا بين مفاهيم الدولة والسلطة والشعب والأمة والحكومة والأجهزة الأمنية، وغيرها مما تنطوى عليه الأجهزة النظرية حول الدولة، وغيرها من الشبكات الاصطلاحية التى تتصل بالنظرية السياسية والدستورية عموما. فى هذا الصدد يذهب أندرو فنسنت، فى مجال تبريره لأهمية التفكير، راهنا بالدولة مجددا، إلى أنه "يوجد فى الغالب قدر كبير من التشويش الفكرى أو الحيرة الفكرية يحيط بفكرة الدولة، وبصفة خاصة عندما ننظر إلى علاقة هذه الفكرة بأفكار أخرى مثل المجتمع، الجماعة، الأمة، الحكومة، التاج، السيادة... وهلم جرّا. إن هذا الخلط هو فى الغالب نتاج عدم الانتباه للاستعمالات المتباينة لهذه الأفكار فى إطار النظريات المختلفة"، المرجع السابق ص 15، 16.

يذهب عبد الله العروى فى الحديث حول سؤال: ما الدولة؟ إلى أنه "لا يجدر بنا أن نقول: هل للسؤال معنى؟ نسجل فقط أن مفكرين عديدين طرحوه منذ قرون وأظهروا فى معالجته نشاطا يستحق الإعجاب. وعندما ندرس كتاباتهم نلاحظ أن السؤال حول ماهية الدولة يدور فى واقع الأمر حول هدفها. لذا، لا يستقيم البحث إلا إذا وضعنا الهدف داخل النطاق المحدد للدولة. أما إذا وضعناه مسبقا خارجها، فإنها تصبح بالضرورة وسيلة فى خدمة ما سواها. وعندئذ، يجب التساؤل عن ماهية ذلك الكائن الخارج عن الدولة والذى يستعملها لتحقيق هدف يحدده هو. يعود البحث فى الدولة ثانويا، مندرجا تحت بحث أعمق يستحق وحده جذب نظر الفيلسوف. وبالطبع تستحيل نظرية الدولة، بالمعنى الدقيق للكلمة، فى مثل هذا الاتجاه" ويستطرد الفيلسوف المغربى فى ملاحظته اللافتة للنظر التحليلى والفلسفى حول الدولة، بالقول إنه "لم تمنع هذه العقبة البدهية أغلبية الكتاب الذين عالجوا الموضوع من وضع هدف الدولة خارجها. فكانت النتيجة أن مسألة الدولة لم تدرس جديا إلا مع عدد قليل من المفكرين. إن التفكير فى مشكلات الدولة شيء، وتقديم نظرية فى الدولة شيء ثانِ. ما أكثر من فكر، وما أقل من نظر، فى الموضوع!". انظر فى هذا الصدد: عبد الله العروى، مفهوم الدولة، ص 11، مرجع سبق ذكره الطبعة الثانية، 1983، الناشر دار التنوير / بيروت، والمركز الثقافى العربى/ الدار البيضاء / المغرب. إن ملاحظات المؤرخ والفيلسوف المغربى البارز آنفة الذكر، تشير إلى قلة التنظير حول الدولة، وكثرة التفكير حولها من مقاربات سوسيولوجية، وفلسفية، وسياسية، وتاريخية، بل ودينية فى بعض المراحل، ولاسيما من بعض الإسلاميين السياسيين فى مصر وفى إطار بعض الدوائر العربية والإسلامية. ويمكن للمتابع لهذا الإنتاج الإيديولوجى / الفقهى أن يلاحظ بعضاً من الهشاشة النظرية للمحاولات الإسلامية السياسية، لدى بعض منظرى الإخوان المسلمين ونظرائهم وأشباههم، أو بعض من الإسلاميين الراديكاليين ذوى التوجهات الانقلابية، والذين أجروا مراجعات فقهية حول عديد القضايا، كما فى مراجعات الجماعة الإسلامية، أو مراجعة وتنقيح بعض من أبرز منظرى الجهاد وهو الدكتور فضل، أو الدكتور سيد إمام الشريف.
 
 
إن الاهتمام الجديد بإعادة النظر فى مسألة الدولة، فى ضوء التطورات البنيوية فى النظام الدولى وتحولاته العولمية، هى تعبير عميق عن دورها فى مجالات الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ولاسيما فى ظل الأزمات الكبرى ولاسيما الاقتصادية والسياسية، أو الكوارث البيئية ... إلخ. يبدو لى من الأهمية بمكان درس الأبعاد التنظيرية والتاريخية لتطور مفهوم الدولة وتجسيداتها ونماذجها وصولا إلى محورية الدولة/ الأمة، و الدولة القومية، فى التقاليد والحالات المقارنة، ولاسيما فى الدول الأوروبية، والولايات المتحدة وكندا، واليابان، وأستراليا.. إلخ. وكذلك فى بعض الدول التى كانت الأسبق تاريخيا فى بناء الدولة كمصر، والصين واليابان والهند. يتجلى الاحتياج العميق للدرس التاريخى والفلسفى والنظرى حول الدولة فى مصر، ولاسيما فى ظل الاضطراب الذى أشرنا إليه فى بعض الخطابات السياسية والإعلامية والحزبية والأكاديمية، فى الاستخدام التشويهى للمصطلحات ومعانيها ودلالاتها، وفى سياقات خطابية ونصية تتسم بالاضطراب وتشوش المعانى. إن لفت النظر إلى الجوانب التأصيلية للنظريات والمصطلحات من الضرورة بمكان لتطوير الشائع وغير الدقيق من أنماط التفكير السياسى السلطوى والحزبى، ولدى بعض النشطاء السياسيين والحقوقيين، وبعض الجماعات الإسلامية، وبعض المؤسسات الدينية الإسلامية والمسيحية. إن المعانى غير الدقيقة للاصطلاحات والميل لتوظيفها اللفظى والبيانى، بات يشكل إحدى علامات الاعتلال فى منهجية التفكير النخبوى، ومن المؤسف أن هذه الظاهرة تشيع لدى بعض المدرسيين من الباحثين فى مجالات العلوم السياسية والقانونية، والاجتماعية. من ثم يعود إلى الواجهة مجدداً الحديث حول أهمية الفهم النظرى للدولة، وذلك فى ظل حالة سوء التواصل بين بعض رجال الفكر والنظر العقلى والبحثى والفلسفى، وبين رجال الحركة والعمل السياسى والحقوقى، وذلك وفق ما ذهب إليه أندرو فنسنت، وبحق، إلى أن "الدولة الآن هى الشرط الأساسى للحضارة ومعظم القيم والممارسات التى ترتبط بها. هذا لا يعنى بأن الصراع ألغى بطرق متعددة. الدولة هى خطر مثلما هى تمجيد أو مباركة. لديها إمكانية وقابلية للتدمير الرهيب والمريع كما هى للحياة. لذلك من الأهمية أن يكون لدينا إدراك نظرى للدولة. لا يجب أن تؤخذ هكذا كمسلمة. نحتاج إلى نظرية لفهم العملية الاجتماعية المعقدة للوجود وأن يكون لها معنى". انظر (أندرو فنسنت، نظريات الدولة، المرجع السابق ص 274). يبدو صحيحاً أيضاً وأيضاً ما ذهب إليه أندرو فنسنت حول العلاقة بين النظرية حول الدولة، والتغيير الاجتماعى لشروط الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية ... إلخ، حيث ذهب إلى أن "فى نظرية الدولة هناك إمكانية تغيير وجودنا الاجتماعى حيث إن التغييرات النظرية تقود إلى تغيير ممارساتنا إذن، على سبيل المثال، نطرح بأن غاية الدولة هى تحقيق الحياة السعيدة لكل المواطنين، وهذا أيضا يستلزم ضمان السلع المادية والثقافية، ثم إن مثل هذا الطرح يمكن أن يقود إلى نتائج ليس فقط بالطرق، والتى فيها ندرك السياسات الجوهرية للدولة وبنيتها المؤسسية، ولكن أيضا على حياة الأفراد. إنه مثل هذا التقييم والذى هو مركزى لفهم الدولة"، انظر أندروفنسنت، المرجع سابق الذكر، ص 274.