loading...

مقالات

تسعينيات القاهرة – مهرجان «النطاق»

تسعينيات القاهرة – مهرجان «النطاق»


في يوم 20 يناير عام 2000، انتاب وسط البلد رعشة حشود مختلفة، شباب وشابات، مصريين وأجانب يتنقلون كالنمل في أسراب بين شوارع محمود بسيوني، شامبليون، حسين المعماري، هدى شعراوي، وطلعت حرب. ليست هي جيتوهات المثقفين التقليدية التي تستوطن وسط البلد، وتنتشر ليلا بعد ثلاثاء الأتلييه. إنها خلطة جديدة تماما جمعها مهرجان "النطاق" للفنون.  

أمام جروبي طلعت حرب، حيث كانت تمر الجموع، كانت هناك عربات أمن مركزي، بها جنود مستعدون بخوذاتهم التقليدية وعصيانهم التقليدية، وبجاكتات صوفية بسبب الشتاء؛ ربما جاءوا ليحموا هذه التظاهرة الفنية، أو ليردوا على أي بادرة تمرد قد تصدر من هذه التجمعات الشبابية. هذه الأسراب، بعد خمس سنوات ستقف في المكان نفسه، مواجهة قوات الأمن في احتجاجات حركة "كفاية"، وبعدها بإحدى عشرة سنة، سترشق هذه القوات بالحجارة.

                                                   ***

في ذلك اليوم ولمدة أسبوع امتدت الجسور والمسارات وتقاطعت بين حديقة الجريون، النادي اليوناني، جاليري المشربية، فندق فينواز المهجور، جاليري تاون هاوس، جاليري كريم فرنسيس، مطعم استوريل، وجاليري كايرو برلين، وغيرها وغيرها. دوائر تلتف، وتدور في دوامات تتشابك مع دوائر أخرى. كانت هذه الحالة مصاحبة لصبغة فنية جديدة قدمها "مهرجان النطاق للفنون"، من حيث مضمون الفن ووسائطه وطريقة عرضه وأفكاره الفلسفية، وشكل علاقته بالمدينة. اختار المهرجان طيفا واسعا من الفنون: التشكيلية والبصريّة والأعمال المركبة، بجانب التصوير الفوتوغرافي، والفيديو آرت، وأيضا عروض للرقص الحديث، وأخرى مسرحية لها طابع تجريبي، وأخرى سينمائية، بجانب حفلات الموسيقى وندوات الشعر.

بدأت هذه الصبغة الفنية الجديدة تعلن عن نفسها بقوة من خلال هذه المهرجان الذي كان من بين أهدافه، أن ينفتح الفن على الشارع، ويتحول "وسط البلد" بناسه وتاريخه، ومقاهيه وجاليرهاته ومطاعمه إلى "متحف مفتوح" تعرض فيه الأعمال الفنية. وأيضا إدخال الجمهور ضمن عملية تلقي الفن، الذي انفصل عنه في التسعينيات، لاقتصاره على أماكن مغلقة للعرض. وهو "الشكل" الذي اعتمدته، أيضا، ثورة يناير للتعبير عن نفسها وسط الشارع. 

                                                  ***

جاء هذا المهرجان، ولأول مرة، كثمرة تعاون بين ثلاثة جاليرهات فنية، تعمل في "نطاق" وسط البلد، في التسعينيات. أولها جاليري "مشربية" الذي أسس بإدارته الجديدة عام 1990، جاليري "كريم فرنسيس" عام 1995، وأخيرا جاليري "تاون هاوس" عام 1998. تم الاتفاق بين هذه الجاليرهات على إحياء منطقة "وسط البلد" عن طريق الفن. تعاملت هذه الجاليرهات مع نفسها كمؤسسات مبكرة للمجتمع المدني، الشكل الذي لم يكن رائجا في ذلك الوقت، وأنشأت فيما بينها شبكة للعلاقات والمتطوعين وأنتجت مهرجانا/ حدثا في غاية القوة، كان له دوي القنبلة وتموجاتها على الأوساط الثقافية وربما السياسية لكثرة حشوده من الشباب.

                                             ***

في تلك الفترة بدأ يتبلور مفهوم الثقافة البديلة/ المستقلة، التي تنمو بعيدا عن "الدولة" بمفهوميها السلطوي والبيروقراطي. داخل هذا الثقافة البديلة/ المستقلة، اقتربت المسافة جدا، لحد يدعو للالتباس،بين الفن والحياة، أحيانا بجدية وحذر، وأحيانا باستسهال فاجع، بعد أن تحولت أنواع من الفن إلى مشاريع تنموية، تنتفي فيها تماما "فردية" الفنان.

                                            ***

كما ذكرت سابقا، جاء مهرجان "النطاق" كالقنبلة في وسط فني ساكن تماما. كانت هذه سمة الأحداث الفنية الجديدة في تلك "الأزمنة الصامتة"، أن تكون مشتبكة بالمجال العام، ولها صبغة سياسية حريفة، وموجات تأثير واسعة، وطرق عرض مختلفة، ومتعددة الوسائط والتكوين كجملة فلسفية متشعبة، وأيضا يتجاور فيها المصري والعربي والأجنبي، جنبا إلى جنب، كإشارة لما سيكون عليه المستقبل الذي سيجمع بين هؤلاء داخل الأحداث الفنية والسياق الفني العالمي. كأن الفن أصبح مكان المصالحة أو المساواة، أو التفاوض بين الشرق والغرب، لذا دخل الفن المنطقة السياسية بامتياز بدلا من الإيديولوجيا.

                                          *** 

كان "مهرجان النطاق" نوعا من إعلان سياسي، عن طريق الفن، وهذا ماكان يميز التسعينيات والألفية الجديدة، أصبحت "السياسة" وموضوعاتها، متحكمة في المزاج الفني. فالتحولات الكبيرة، كانت تحدث في الفن، والفنون المعاصرة بالتحديد، وليس في بحيرة السياسة الراكدة.

                                          ***

في نهاية سنة 2000، وفي الإسكندرية، وفي وجود المرحوم الأخ الجيزويتي فايز سعد، سيقوم "طارق أبو الفتوح"، ومعه "مي الإبراشي"، وفريق من العمل، بافتتاح "الجراج" بمركز الجيزويت الثقافي، وتنظيم حدث فني شبيه بمهرجان "النطاق"، متعدد الوسائط وطرق العرض، وبه العديد من الفنانين الأجانب والعرب. كان الحدث كالقنبلة وبداية لعصر/ جيل فني جديد في الإسكندرية.

                                         ***

طوال التسعينيات كنت أضع على قائمة أولوياتي عند سفري للقاهرة، بمفردي أو مع سلوى؛ زيارة جاليري المشربية، لرؤية المعرض الجديد هناك، والذي سيكون مثار حديث في الوسط الفني. أيضا لأطل على سلسلة الكتب المعروضة، التي أخذت تتزايد شهرا بعد آخر، وسنة بعد أخرى، وكونت بالتراكم مكتبة أخاذة للكتب الحديثة ذات الطابع المختلف سواء في الفن أو الترجمة، وأيضا منفذا لبيع الإصدارات التي يصدرها أصحابها على نفقتهم الشخصية، وقد كانوا كثيرين.

                                         ***

طوال عقد التسعينيات إلا قليلا، كان جاليري "المشربية" هو بداية التغيير لمفهومي عن الفن التشكيلي، عن طريق المعارض التي كنت أشاهدها هناك. أغلبها لفنانين أجانب أو مصريين مهاجرين. أتذكر معرضا لفنان إسباني، إن لم تخني الذاكرة، يعرض فيه قطع قماش يدوي، جمعها من أنحاء مصر، من الكتان والقطن وغيرها، وبدون تدخل منه، ووضع كل منها داخل برواز. هذه هي اللوحة، مساحة بيضاء يقف وراءها عامل نسيج لا نراه، أتى به هذا الفنان إلى داخل صالة العرض. كان هناك باب جديد في الفن التشكيلي يسمى "الفن المفاهيمي"، يقول "أن كل شيء يمكن أن يكون فنا"، ولم تعد اللوحة/ صالة العرض، هي مكان الفن الوحيد.

                                         ***

 ثم جاء عام 98 ليظهر جاليري "تاون هاوس" بشكله المعماري الجديد، شقة داخل مبنى قديم يعود لأوائل القرن، بأسقف عالية وحوائط خشنة- وسينمو ويشغل طابقين آخرين من المبنى نفسه ومجموعة من المساحات التي تحوطه- ووسط تجمع مهني من سمكرية وسروجية ومنجدين وغيرهم. برغم بساطة وألفة المشهد الإنساني الذي يحوط بالجاليري، فإني كنت أشعر داخله بإحساس الضيف المهمش. ربما هو إحساس شخصي، وربما السبب الصبغة الجديدة للفن وزبائنها المختلفين شكلا ومضمونا، وربما هو إحساس لم يفسر، بالقياس بإحساسي داخل "المشربية" أو "كريم فرنسيس" أو "كايرو- برلين". ليس إحساس الفخامة ماكان يؤرقني، ولكن "البساطة المتعالية"، ربما.

                                          ***

بكل الهالات التي وضعت حول "بيت المدينة"، أو انتقصت منه؛ ظل هذا الجاليري مكانا فعالا، ورسخ لهذه الصبغة الفنية الجديدة سواء في طبيعة المعروض وطريقة العرض، بسبب عدة عوامل: المساحة غير التقليدية وحوائطها المتمردة، خبرة الإمساك بالشفرة الجديدة للفن في العالم، الاتصال بمراكز للفن المعاصر عالميا، والاتصال بمراكز تمويل أجنبية لدعم المشاريع الفنية.

داخل بعض الأوساط الفنية، كان "التاون هاوس" يعامل معاملة "جيتو الجامعة الأمريكية"، بسبب انتقائيته في اختيار العرضين، وأفكارهم، وهذه الانتقائية تحولت لحس طبقى واضح. ومعه تحولت العروض إلى خطاب اجتماعي سياسي، توارت خلفه "فردية" الفنان. واستطاع التاون هاوس ان يفرض صبغته الفنية، في لحظة "عماء فني" لايوجد فيها كبير أو دليل روحي/ فني في مصر والعالم يمكن أن يقيم جدلا مع هذا الجديد، فإما تأييده، أو تخوينه، وهما الصيغتان السياسيتان بامتياز.

                                           ***

دخل التغيير، أو "مفهوم السوق"، السياق الثقافي، عن طريق الفن، وليس عن طريق الأدب. فالأدب لعقود طويلة، ظل بعيدا عن مفهوم "السوق" ومصادر رأس المال. فقد قامت إحدى شركات الاستثمار بتمويل مهرجان "النطاق" في دورته الأولى.

يبحث التغيير عادة عن مكان مادي يحدث داخله، يحتله، وليس مكانا رمزيا كالرواية أو الشعر. دخلت "السياسة" إلى مجال الفن، عن طريق هذه "المساحات" المادية، والتعامل مع مفهوم فضاء المدينة، الداخلي والخارجي، كمجال سياسي عام يتلاقى فيه الناس ويتفاعلون. خلال مهرجان النطاق أصبحت المدينة ومعمارها ومشاكلها، ممثلة في وسط البلد؛ مكان هذا التفاعل، وجزءا من المشروع الفني للمهرجان. كانت كل الجاليرهات، في ذلك الوقت مجهزة لإنتاج جملة سياسية/ فنية حديثة في الواقع المعاصر لقاهرة التسعينيات.

                                         ***

كما كان الغرض من "مهرجان النطاق"، على  لسان منظميه، استغلال الفراغات والمساحات والممرات في المدينة، أي بشكل آخر احتلالها فنيا لفترة من الزمن، وترك أثر بها لايزول، مما يعنى أنه أصبح مكانا مسيسا/ محررا بالفن بشكل ما. هذا هو الحس الثوري الذي اتسمت به احتفالية "النطاق"، وربما هو السبب في هذه النشوة التي رأيتها على وجوه الشباب والشابات وطريقة حركتهم في الشارع، كأنهم يسيرون على أرض محررة داخل المدينة قد سلبت منهم لفترة من الزمن. كان اجتماعهم ليلا في النادي اليوناني ليكملوا طقوس نشوتهم وولادة فنهم الخاص وإعلان جمهورية الفن المحررة.

للمرة الأولى، وربما الأخيرة، أرى النادي اليوناني بهذا الازدحام، الذي غطى على ديكوراته الكلاسيكية من كثرة المترددين عليه، وتحول إلى ملعب مفتوح يتراص فيه الجميع، مع حالة ود عالية تسري في المكان، المسافة ملغية بين الأجساد التي تجلس على الأرض، كأنك في استاد كرة، أنت اللاعب والمتفرج معا، أو كأننا في نزهة عامة، تجمع بين طبقات مختلفة وحَّدتها "جمهورية الفن الجديدة" وجعلتها عائلة واحدة.

                                      ***

ربما يمثل مهرجان "النطاق" إحدى الخطوات الهامة، قبل ثورة يناير 2011، على إمكانية الحشد عن طريق الفن. في عقد التسعينيات حدث الانتقال من مفهوم "الجماعة الحميمة"، ليتسع المفهوم ليصل إلى "الشلة الكبيرة متنوعة الاهتمامات"، ثم يتسع أكثر المفهوم لـ"الملاعب الفتوحة"، حيث الحشد الذي يعبر عن حس وطني بشكل ما. داخل هذه الحلقات كلها كان "الفرد" يسعى ليتمسك بمفهوم وخيط، ظل غائبا، مع الجماعة. ما كان يفقده، الفرد، من إحدى الحلقات يعوضه في حلقة أخرى، في رحلة انتقاله من حالة لحالة اتسمت بها التسعينيات.

في رحلة تعويضه ربما فقد الفرد ذاتيته/ فردانيته أيضا، ليتأكد في النهاية مفهوم "الحشد"، كحشد لاغي للفردية. ولكن هنا في مهرجان "النطاق" كان الحشد يتعامل مع ذات جديدة، ربما ذاتيتها معلقة بمرجع فني أصبح بمثابة المرجع الأخلاقي، ومرتبطة بآليات "السوق" الجديد، والعالم الافتراضي الذي بدأ يكوِّن جماعاته وحشوده، ويخلط بين المصريين والأجانب في سوق فني عالمي.   

                                       ***

هذه الجماعة الجديدة التي ظهرت مع مهرجان "النطاق"، المسيسة طبقا لمفاهيم عالمية جديدة تخلط بين السياسة والفن والحياة، والتي تملك مساحات فنية مفتوحة للتلاقي فيما بينها؛ كانت تختلف تماما عن جماعات أخرى مسيسة من جيل السبعينيات كانت ممثلة في الساحة السياسية عبر سرية أحزابها وشبكاتها التنظيمية.

بين طريقتين في التعبير والتمثيل لجيلين، بين المكان المادي للجيل الجديد والمكان الرمزي للأجيال القديمة؛ حدثت مآسٍ هزت تسعينيات القاهرة، أهمها على الإطلاق انتحار الكاتبة "أروى صالح"، صاحبة كتاب "الميتسرون"، في صيف عام 1997، والتي كانت تمثل أحد الخارجين عن جماعية جيل السبعينيات، ولم تجد جيلا جديدا أو جماعة أو شلة تنتمي لها، فسقطت في تلك الفجوة التسعينية، التي تغير فيها معنى العلاقات والسياسة معا، وكل من لم يقدر على التأقلم ابتلعته الفجوة.

مع الاحتفاظ بفكرة الصدق الشخصي، وصدق أروى نفسها، ولكن كان هناك مقياس أوسع بكثير من قدرة الفرد وصدقه على المقاومة. كانت بعقد التسعينيات فجوة مكانية وإنسانية، يسقط بها الفرادى أو غير القادرين على التأقلم لأسباب تخصهم أو تخص السياسة وتحولات/ خلطة السوق الجديدة.

                                            ***

ربما أكبر تمويل تم ضخه كان لصالح معارض ومشاريع وجاليرهات تعرض "الفن المفاهيمي" في قاهرة التسعينيات ومابعدها. الفن الذي يشغل مكانا/ فضاء ولكنه ليس سلعة تباع وتشترى. فقد كان الغرض شغل المساحة لفترة من الزمن، وبيع "المفهوم" الذي يقف وراء المعرض أو العمل الإنشائي أو شريط الفيديو. كانت ثروة المجتمع المدني في التسعينيات ومابعدها موجهة لخلق المساحات الفنية.

على الناحية الأخرى كانت وزارة الثقافة تقوم بدور تمويلي جريء ومختلف للفنانين التشكيليين بينما كان مسرح "الهناجر" فى دار الأوبرا فى التسعينيات وأوائل القرن الواحد والعشرين يمثل نقطة جذب لفرق المسرح المستقلة، وهناك شاهدت -في نهاية التسعينيات- عرضا من أجمل العروض التجريبية للمخرج محمد أبو السعود عن قصائد شعرية لشعراء من جيل التسعينيات. كان الصراع يدور حول "الفن".

                                          ***

خلال أيام المهرجان كانت مقاهي ومنتديات الفنانين تثير الأسئلة والغبار حول مسألة التمويل لمهرجان "النطاق". ومع هذا السؤال انطلق أيضا من بعضهم سؤال "التخوين"، فقد أصبح الفن إحدى أدوات "الهوية القومية"، سواء الدخول فيها أو الخروج منها.

وتولدت حركات مقاومة ضد "التاون هاوس"، و"النطاق"، بحركات بديلة، حاول فيها الفنانون الوقوف ضد حالة "الاستشراق" التي اتسم بها مهرجان "النطاق".

ودائما أي حركة جديدة تُخرج فكرة الأصيل/ الاستشراقي من ذاكرة الجماعة الثقافية، وتعود فكرة "الوطن" لتعبر عن نفسها بشراسة، وتتحول إلى أداة حرب وقتل وسحل. وتم نعت مهرجان "النطاق" بأنه عمل من أعمال "الغزو الثقافي"، ذلك المصطلح القديم الذي كان رائجا في الثمانينيات والتسعينيات، قبل حالة الكونية التي غطت على قواميس المصطلحات السياسية والاجتماعية والفنية، بعد أحداث 11 سبتمبر.