loading...

أخبار مصر

«مطاردات وعنف وغياب للقانون».. حكايات من دفتر نساء واجهن التحرش

التحرش

التحرش



قبل إجازة عيد الأضحى انتهت الفتاة العشرينية سمر زين (اسم مستعار) من عملها، وجمعت أغراضها وحزمت أمتعتها استعدادًا للسفر إلى أهلها وقضاء الإجازة معهم في البلد، وبعد أن وصلت إلى المحطة انتظرت للحظات «الباص» الذي يقلها إلى بلدتها الصغيرة في أقصى الجنوب من محافظة الفيوم.

وفي أثناء ساعة الانتظار تعرضت الفتاة لمضايقات كثيرة من المارة والبائعين، تارة بكلمات إعجاب ومغازلة تصل إلى حد الاستفزاز والخروج عن الآداب العامة، وتارة أخرى بألفاظ جنسية مُهينة تخدش الحياء العام.. هنا تصرخ الفتاة في وجه المتحرش وتستغيث بمن حولها، ولكن لا حياة لمن تُنادي.

تحكي سمر جزءًا من سطور المأساة اليومية التي تعيشها فتيات مصر وتصيغ بعضا من سيناريوهات الإيذاء والمضايقات الاعتيادية التي تجري في شوارع مصر حين كانت تنتظر وسيلة المواصلات التي تقلها إلى بيتها، ففوجئت بتصرف آخر غريب وسلوك مشين من قبل شاب لم يتوقف عن مضايقاتها والتحرش بها منذ أن وصلت إلى الموقف سواء بالنظرات أو الإشارات أو الكلام القبيح والألفاظ البذيئة.

256765_0

الصدمة

لتضيف سمر: «كنت باتكسف أحكي المشهد ده لأي حد، وطول الوقت كنت بامشي في الشارع أتجاهل النظر لأي شخص وعيني كانت في الأرض وماشية مكسوفة من نفسي ومن جسمي ومن المشي في الشارع ومن كوني أنثى كأنني أجرمت، خوفًا من انتهاك خصوصيتي وإنسانيتي بنظرة أو بكلمة أو بلمسة».

واقعة أخرى مشابهة تعرضت لها الطالبة الجامعية دعاء محمد في المواصلات العامة من قبل شخص سيئ الأخلاق كان يجلس بجانبها في أحد الأتوبيسات، محاولا تلمس أجزاء من جسدها، وفى هذه اللحظة تولد لديها إحساس داخلي بالقلق والخوف معًا، خصوصا أن جميع المقاعد بالعربة كانت خالية تماما إلا هي وهذا المتحرش الذي تربص بها وأحكم حلقته حولها.

هنا حاول الشخص المتحرش الاقتراب منها شيئا فشيئا، ما أثار غضبها في البداية فطلبت منه أكثر من مرة الابتعاد عنها إلا أنه اقترب أكثر، وبينما كانت تضع إحدى يديها على الكرسي المقابل لها إذ بيده يضعها على يديها، فسحبتها على الفور كأن مسا شيطانيا أصابها، وأمرته بالابتعاد عن طريقها لتغادر العربة وتتركه وحيدًا، وبينما كانت تحاول المرور إذا به يصطدم بها محاولًا احتضانها فلم تتمالك نفسها وصرخت فى وجهه فأوقف السائق العربة، وتدخل وأمره بالاعتذار للفتاة، فرفضت اعتذاره وقامت بصفعه على وجهه ما أكسبها قليلًا من الراحة النفسية النسبية قبل أن يتطور الأمر إلى تلقينه درسًا لن ينساه طوال حياته.

egypt

رابطة حُماة المُتحرش

هنا حاولت الفتاة الإمساك به والذهاب به إلى قسم الشرطة القريب بعد التحرش بها في وسيلة مواصلات عامة، وسرعان ما تجمع المواطنون حول مشهد الخناقة كعادة كثير من المواطنين ظنت أنهم اقتربوا لفض الاشتباك أو أخذ حق الفتاة، ولكن موقفهم لم يكن كما توقعته الفتاة العشرينية، فحال المواطنون بينها وبينه وقاموا بتخليصه من بين يديها ولم يكتفوا بكل ذلك، إنما بدأوا في إلقاء اللوم على الفتاة المغلوبة على أمرها.

لم يحاولوا حتى مساعدة الفتاة أو منع هروب المعتدي عليها، بل حاولوا بداية في مساعدته على الهروب، وفوجئت برد فعل المارة أكثر من صدمتها بواقعة التحرش التي لن تسقط من ذاكرتها أبدًا، البعض منهم كان يبرر له فعلته بأن ملابسها الضيقة كانت هي السبب وبدأت تسمع كلمات وجملا تبريرية مُعلبة في مثل هذه المشاهد من عينة: «إيه اللي خرجك باللبس ده»، «تستاهلي اللي حصل لك».

تتحول الفتاة المتحرش بها إلى متهمة بدلًا من إلقاء اللوم على مرتكب الجريمة نفسه ومعاقبته واقتياده لأقرب قسم شرطة لتحرير محضر ضده، ولكن جميع الحاضرين كانوا يقولون لها: «معلهش، عديها، مش مشكلة، حصل خير ويمكن ماكنش يقصد والمسامح كريم وهو كفر يعني».

الأسوأ من كل ذلك حين تتعرض تلك الفتاة المعتدى عليها لسيناريو آخر، أكثر خطورة وقهرا من سابقه بأن تفاجأ بتجمع عدد من المواطنين الشرفاء من حولها لا لحمايتها من بطش المتحرش ولكن لإطلاق الشتائم وتوجيه الإهانات لها حتى يتم تهريب المتحرش بسلام.

تحرش عيد الاضحي

والسيناريو الأخير الذي لا تتحمله وتفاجأ به من داخل منزلها وأهل بيتها حين تُصارح الأهل بحقيقة ما تعرضت له في الشارع وتطلب منهم أن يذهبوا معها إلى قسم الشرطة لتقديم بلاغ ضد هذا المتحرش، لاسترداد جزء من حقها المهدر، فتفاجأ بردودهم «هتبهدلي روحك.. إيه اللي يودينا أقسام»، خوفًا من أن تقضي ابنتهم ليلتها داخل القسم في انتظار عرض الطرفين على النيابة باكرا.

امسك متحرش 

الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، بل يقوم أعضاء رابطة «حُماة المتحرش» وهم كُثر، ببذل كل جهودهم ومحاولاتهم فى إقناع الفتاة بعد ذلك بعدم التعرض للمتحرش أو مقاضاته قانونيًا، وأن لا تتخذ خطوة الذهاب إلى القسم وتحرير محضر له، لأنها ستخسر كثيرًا وإن تمكنتِ من المتحرش وتوجهت به إلى قسم الشرطة القريب، هناك تبدأ محاولات أخرى من قبل بعض أفراد الشرطة بإقناعها بالتنازل عن البلاغ والتصالح مع من تعدى عليها بدعوى أن "المسامح كريم".

بعض الفتيات المصريات لا يستسلمن لأفعال الأشخاص المتحرشين بهن في الشارع، ولا يكتفين بالاعتداء عليهم أو ردّ الصفعة لهم في نفس اللحظة التي أهانوهن فيها، بل تتملك الشجاعة عددا كبيرا منهن في الإعلان عن تفاصيل الواقعة عبر صفحاتهن على مواقع التواصل الاجتماعي وفضيحة ذلك الشخص تمهيدًا لمقاضاته والحصول على حقوقهن بالقانون، وصولًا إلى حبس ذلك الشخص المنحرف حتى يكون عبرة لغيره.

في البداية حين تتخذ الفتاة قرارها الجريء بتحرير بلاغ ضد الشخص المعتدي عليها سرعان ما تواجه هجومًا شديدًا من المجتمع بداية من الأهل خوفًا من انتشار الخبر بين أفراد المنطقة التي تقطنها ومن ثم يمثل الأمر فضيحة كبرى للعائلة الكريمة التي لم يعرف أحد أبنائها طريقه إلى قسم الشرطة مرورًا بالجيران وأهالي المجني عليه وصولًا إلى بعض أفراد الشرطة.

sexual-harassment-egypt-e1510594177461

الضحية متهم

وعن تفاصيل ما يجري داخل قسم الشرطة تروي فتاة ثلاثينية -تحفظت على ذكر اسمها- أنها كانت تسير في منطقة وسط القاهرة برفقة صديقتها المقربة فتم مضايقتهما أكثر من مرة من قبل عدّة شباب تحرشوا بهما على طريق كورنيش النيل، فتطور الأمر إلى مشادة حادة بين الطرفين واشتباكات دفعت الفتاتان ثمنها بالضرب والإهانة والتعرض للإصابة، حتى ذهبتا إلى قسم شرطة قصر النيل وتم تحرير محضر تحرش بعد تقديم تقرير طبي لإثبات الإصابات.

ولكنهما على الجانب الآخر فوجئا بهؤلاء الشباب المعتدين يحررون بلاغًا كيديًا ضدهما يتهمونهما بالسب والقذف في محاولة للتنازل مصحوبة بالتهديد من أهالي المتحرشين، وتطور الأمر حتى عُرض الطرفان على النيابة التي اتهمت الطرفين أحدهما بالتحرش والأخر بالسب، وبالتالي تحولت الفتاتان المعتدي عليهما إلى متهمتين رسميا حتى إشعار آخر.

لم يختلف الأمر كثيرًا مع الفتاة العشرينية منة أشرف التي تعرضت لنفس السيناريو والموقف شبه اليومي الذي باتت تتعرض له الفتيات المصريات في الشارع أو في العمل، وتحكي تفاصيل ما جرى معها بنفس التفاصيل المعتادة بألم شديد بعد أن تعرضت للتحرش من قبل أحد الشباب داخل مول تجاري شهير بمدينة نصر، وحين حاولت الاستعانة بالمواطنين لتستغيث بهم وهي تصرخ من فرط الإهانات والنظرات القاتلة التي تعرضت لها، لم يفكر أحدهم في نجدتها أو حمايتها من المتحرش الذي اعتدى عليها داخل غرفة تغيير الملابس «البروفة».

sexual-harassment-in-Egypt11-577x325

ضغوطات في القسم

الصدمة الكبرى التي لحقت بالفتاة بدأت بردود أفعال المواطنين والبائعين وأمن المول التجاري ومديره الذين واصلوا سياسة الضغط عليها للتنازل عن تقديم محضر ضد الشاب المتحرش في قسم الشرطة القريب، ولكنها أصرّت على موقفها وتوجهت إلى القسم المجاور لبيتها لإثبات تلك الاتهامات كلها، وهناك كانت الصدمة الكبرى حين أدخلوها في تفاصيل لا نهاية لها.

عن كواليس ما دار بين الفتاة وأفراد الشرطة تروي منة: "كل واحد فيهم كان يسألني على التفاصيل، ومش هو اللي هيعمل المحضر أصلا، بس الفضول بقى، وفي الآخر بعد ساعتين من المناهدة يقولوا لي مش هنعملك محضر، لازم تروحي للقسم اللي تابع ليه منطقة الحادثة، ولولا إن أخويا كلم ظابط صاحبه ماكنتش عرفت أعمل محضر تحرش".

هنا تساءلت الفتاة في حسرة وألم: أنا عايزة أفهم المفروض أعمل إيه لما أقعد ساعتين في قسم شرطة عشان أقدم بلاغ ضد شخص تعدى على، وفي الآخر ما يتعملش غير بواسطة؟

في الوقت الذي تعرضت فيه الفتاة لمضايقات من قبل بعض أفراد الشرطة الذين لم تسلم من نظراتهم هم الآخرين، وبدأوا بإطلاق الأحكام الأخلاقية على زيها القصير وشعرها غير المغطى حتى قال لها أحدهم حرفيًا: "محضر إيه باللي انت لابساه ده".

07qpt946

مطاردات وبلطجة.. السيناريو الأخطر

لم ينته السيناريو عند هذا الحد، بعد أيام من تقديم البلاغ فوجئت تلك الفتاة بمطاردات وتهديدات من قبل أهالي المتحرش إذا لم تتنازل عن البلاغ وتتصالح معه، وتكشف الناشطة الحقوقية غادة شهبندر، عضو مجلس إدارة المنظمة المصرية لحقوق اﻹنسان عن الجانب الأخطر في القضية الذي لم تسلم الفتاة من أذاهم بأن يقوم أحد أفراد الأمن المفترض أنهم قائمون على حماية أفراد المجتمع وتأمينهم بحكم القانون والدستور بتسليم بيانات المعتدى عليها وعنوان منزلها إلى الطرف الآخر المعتدي وأسرته وهم يرددون لهم: "روحوا اتصرفوا معاها" تحت دعاوى أنها «محاولة للصلح».

وسرعان ما يتوجه المتحرش أو أحد أصدقائه المقربين إلى منزل الفتاة صاحبة البلاغ، ويبدأ سيناريو آخر لا يقل ضراوة عن واقعة التحرش حين تبدأ المطاردة والتهديدات وممارسة البلطجة خارج إطار القانون، وهذا ما وصفته بـ«فساد من نوع آخر» بخلاف الفساد الإداري في الإجراءات من قبل بعض الأفراد في القسم.

ومع إصرار الفتاة المعتدى عليها على عدم التفريط في حقها تبدأ سلسلة أخرى من الإجراءات والضغوط المجتمعية المتواصلة داخل النيابة العامة، حين يتدخل الأهل والجيران ويمارسون ضغوطهم السابقة على الضحية في محاولة منهم لإقناعها بالتنازل والتصالح، قائلين لها: «حرام عليك هتضيعي مستقبله هو عمل ايه لكل ده» وتسمع صوتا آخر من سيدة عجوز «يا بنتي اتنازلي وبلاش مشاكل، هتبهدلي نفسك وأهلك معاك في المحاكم»، رغم أن واقعة التحرش تصيب الفتاة بتشوهات نفسية تستمر لسنوات طويلة.

برامج حماية غائبة

الحقوقي ناصر أمين، عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، أرجع غياب وجود منظومة تشريعية ومجتمعية تتعامل مع هذا التطور الجديد في المجتمع من رغبة الفتيات في الإبلاغ عن حالات ووقائع التحرش بهن والإعلان عنها على صفحاتهن الاجتماعية والتي كانت من الأمور المسكوت عنها قبل ثورة 25 يناير 2011.

_98365025_sexualharrasment

كما أن وجود خلل كبير في البيئة القانونية المصرية لا يحمي السيدات من تكرار مثل هذه الانتهاكات، حسبما يرى، فضلاً عن الأدوار السلبية للقائمين على تطبيق القانون وتواطؤ مجتمعي مع أفعال مهينة للمرأة تحولها إلى الحلقة الأضعف في المجتمع التي مطلوبًا منها أن تتحمل جرائم وانتهاكات مستمرة تتطور دون مواجهة حقيقية مع الأفعال التي حولت الشوارع والأماكن العامة والخاصة إلى بيئة غير آمنة للسيدات.

في ظل وجود نظام لم يعتد على مثل هذه التغيرات الطارئة في ثقافة البعض من مقاضاة المتحرشين في المحاكم هنا لا بد من وجود آلية حقيقية للحماية عبر برامج تشريعية ومجتمعية (تكون مسئولية المجتمع المدني ولكن بصيغة قانونية).. يقول أمين.. تكون مهمتها الأساسية توفير المساعدة القانونية والمجتمعية اللازمة لكل من يتعرض للإيذاء النفسي والبدني وتكون قادرة على تفعيل شكاوى التحرش، ويصدر قانون بإنشائها وتكون لها صلاحيات اتخاذ القرار كما يجري مع وحدات حماية الشهود في القضاء الدولي.